في صباح هادئ من أيام يناير، بينما تدب الحياة بهدوء في أركان القاهرة، تحضر في قلوب المصريين ذكريات الأبطال الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم، ودفعوا أغلى ما لديهم في سبيل أمن الوطن.
في ذكرى عيد الشرطة الـ74، كان لقائي مع سيدة مصرية تحمل في عينيها مزيجًا من الحزن والفخر، وهي تحكي قصة ابنها الشهيد إسلام مشهور، الشاب الذي رحل قبل أن يرى البهجة تكتمل في قلب والدته قبل زفافه.
جلست مع والدة إسلام في ركنٍ يتغلغل فيه الصمت أحيانًا، ويتفجر بالكلمات حين تستحضر الذكريات، استقبلتني بابتسامة دافئة تحمل في طياتها ألم الفقد وروح الفخر، وكأنها تحاول أن تحافظ على توازنها بين الحزن العميق والإيمان العميق أيضًا في قيمة تضحيات أبنائها.
قالت لي إن كل زاوية في البيت تذكّرها بإسلام، من رائحة ملابسه التي ما زالت كما تركها، إلى الصور المعلقة على الجدران التي تروي قصة شابٍ أحب الحياة، وأحب مصر أكثر.
حين سألتها عن طفولة ابنها، ارتسمت على وجهها ابتسامة بعيدة تمزج الحنين بالحزن، وقالت: “إسلام منذ صغره كان يحب أن يظهر حبه للناس، وكان دائمًا يساعد من حوله دون مقابل، كانت روحه مليئة بالحنان، لكنه كان قويًا في شخصيته، يتحمل المسؤولية منذ أن كان صغيرًا، لم يكن طفلًا عاديًا، كان يحمل في داخله حبًا عميقًا لوطنه، وكان يُخبرني دائمًا أنه يريد أن يكون سببًا في سعادة الآخرين.”
استمر الحديث عن مراحل حياة إسلام، وتذكرت والدته تفاصيل كثيرة عن أيام المدرسة والجامعة، وكيف كان يحلم بتحقيق ذاته، وكيف اختار الالتحاق بكلية الشرطة، ليس فقط لأنه حلم عائلي، بل لأنه كان يشعر بأن الواجب الوطني نداء داخلي لا يمكن تجاهله.
قالت وهي تمسح دمعة خفيفة: كنت أخاف عليه، لكنني كنت فخورة بقراره، كان دائمًا يقول لي: يا أمي، أنا بشوف مصر في قلبي قبل أي شيء، بلدنا تستحق أن نحميها بكل قوتنا.
ثم انتقل الحديث إلى الأيام التي سبقت استشهاده، قالت بصوتٍ مرتجف لكنه ثابت في معانيه: “إسلام لم يتزوج، كان على وشك أن يبدأ حياة جديدة، كان يتحدث عن حلم زفافه وكأنه يعيش في حلم جميل، كنت أراه يحلم باليوم الذي سيقف فيه بجانب شريكة حياته، يخططان للمستقبل، يعيشون حياة مليئة بالحب والأمل، كنت أجهز له المفاجآت، أختار الألوان التي يحبها، وأتخيل معه تفاصيل يومٍ جميل سينتهي بابتسامة لا تُنسى.”
حين شرحت لها أن هذا الجزء من الحديث يجعل الألم أقرب، تنهدت بعمق وقالت: “كنت سأفقد ابني في يومٍ لم يكتمل فيه الفرح، رحل قبل أن يرى الزفاف، قبل أن يرى السعادة التي خطط لها لنفسه، لكن في لحظة الحقيقة، علمت أن الوطن أغلى من العمر، وأن دماء الشهداء تكتب قدرًا جديدًا للمحبة والبقاء في ذاكرة هذا الشعب، هذا ما كان إسلام يؤمن به دومًا، قال لي في إحدى المرات: يا أمي، لما أكون جنود في ميدان الشرف، هحس أن قلبي بيتسارع فرحًا لأنني بخدم بلدي.”
سألتها عن شعورها في ذكرى الاستشهاد، وكيف تتعامل مع وجع الفقد في كل عام، قالت بصوتٍ يفيض صمتًا وروحًا: “الوجع ما زال عالقًا في قلبي، لا يموت، لكنه يصبح أعمق في معناه، كل عام في هذه الأيام، أشعر أنني أعيش ذكريات ليست لي فقط، بل لكل أم فقدت ابنها في سبيل هذا الوطن، أشعر بوجود إسلام في كل مكان، في صوت السلام الوطني، في علم مصر يرفرف عاليًا، في دموع المواطنين الذين يدعون له، وفي فخر كل من يعرف قصته.”
لم تكتفِ والدة إسلام بالحديث عن الماضي فقط، بل ربطت بين ذكريات ابنها ورسالة تود توجيهها للشباب اليوم، قالت: “الشباب هم أمل هذا الوطن، وعليهم أن يفهموا أن حب مصر ليس مجرد كلمة تُقال، بل فعل يتطلب التضحية، والوقوف في وجه التحديات، إسلام كان يؤمن بذلك، وكان دائمًا يقول لي: يا أمي، لازم نكون واقفين في المكان الصحيح، ونحمي الناس اللي حواليينا، هذا ما أريده أن يعيه الشباب اليوم.”
ثم حوّلت كلامها إلى رسالة شخصية لروح ابنها، وكأنها تخاطبه مباشرة في حضرة الذكرى، قالت: “إسلام، ابني، لقد تركت فراغًا في القلب لا يمتلئ، لكن ذكراك جعلتني قوية، لقد جعلت من ألم الفقد قوة تدفعني للاستمرار، لأحكي للآخرين عنك، لأجعل اسمك نبراسًا لكل من يحب هذا الوطن، أنت لم ترحل، بل بقيت في قلوبنا، في كل دعاء، في كل تحية يرفعها مصري لكل من ضحى بنفسه من أجل هذا الوطن.”
حين انتهى الحوار، شعرت بأن الكلمات لم تكن كافية لوصف هذا المزيج من الفخر والحزن الذي يعيشه كل الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، لكن حديث هذه الأم كان أقرب إلى القلب، لأنه لم يكن مجرد سرد للذكريات، بل كان لحنًا من الحب، الفداء، والوفاء للوطن.
على جانب أخر، جلسنا لنستمع من الأب الذي عاش ألم الفقد وفخر الوفاء، لنرسم معًا لوحة إنسانية عن البطولة، التضحيات، والذكريات التي لا تنطفئ.
ابتدأ اللواء محمد مشهور حديثه بابتسامة هادئة، تحمل في طياتها عبء الحزن وثقل الفخر: “هذا العيد مختلف بالنسبة لنا، ليس مجرد احتفال رسمي، بل مناسبة نستحضر فيها روح إسلام وكل أبطال الشرطة الذين ضحوا بحياتهم من أجل حماية المصريين، كل ذكرى للشهداء تذكرنا بأن الوطن أغلى من كل شيء، وأن دماءهم لم تذهب هباء.”
حين سألته عن طفولة ابنه، ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة والفخر في آن واحد، وقال: “إسلام منذ صغره كان يتحلى بالشجاعة، وكان دائمًا يحب أن يساعد الآخرين، لم يكن مجرد ولد عادي، بل كان دائمًا يفكر في الوطن قبل أي شيء، كنت أراه يلعب مع أصدقائه وهو يحاكي رجال الشرطة، ويقول لي: يا بابا، لما أكبر هخدم مصر وأحميها، كان حلمه أن يكون جزءًا من قوة تحمي الناس وتحافظ على أمن الوطن.”
لم يكن الحديث عن حياة إسلام قبل استشهاده مجرد ذكريات، بل نافذة لفهم الشخصية التي شكلت مثالًا للوفاء والتضحية. وأضاف والده: “عندما التحق بكلية الشرطة، شعرنا جميعًا بالفخر، لكننا كنا ندرك حجم المسؤولية التي تقع على عاتقه، لم يكن يبحث عن الشهرة أو المكانة، كان يبحث عن خدمة الوطن، وكان دائمًا يقول لي: أنا عايز أكون عند حسن ظن مصر بي.”
وعندما انتقلنا للحديث عن اللحظات الأخيرة قبل استشهاده، خفّت الابتسامة قليلاً، وحلت محلها وقفة صامتة للحظات، قال: “اليوم الذي استشهد فيه كان أصعب يوم في حياتي، تلقيت الخبر وأنا عاجز عن الكلام، لكن في داخلي كنت أعرف أن إسلام وزملاءه لم يخافوا لحظة واحدة، وأنهم أدوا واجبهم بكل شجاعة، كان مستعدًا للتضحية بحياته من أجل أمن المصريين، الشهادة ليست نهاية، بل بداية لذكرى تبقى خالدة في قلوب كل المصريين.”
تحدث اللواء مشهور عن كيفية تعامل العائلة مع الفقد، وقال: “الألم لا يزول، لكن ذكريات إسلام تملأ البيت، كل تحية من مواطن، وكل كلمة فخر من زملائه في العمل تجعلنا نشعر أن روحه لا تزال معنا، نحن نعيش بذكراه، وكل دمعة نزفها في ذكرى ابني تحمل معها دعاءً لمصر بالأمن والاستقرار، ولعائلات الشهداء بالصبر والسكينة.”
ثم تطرق الحوار إلى رسالة الأب للشباب: “الشباب هم مستقبل الوطن، وعليهم أن يفهموا أن حب الوطن والتضحية من أجله ليست كلمات تُقال، بل أفعال تُثبت في المواقف الصعبة، يجب أن يكونوا على استعداد للوقوف في وجه كل تحدٍ يهدد الوطن، عليهم أن يتعلموا من تضحيات الأبطال مثل إسلام أن الواجب أسمى من كل شيء، وأن التضحية ليست خيارًا بل واجبًا.”
حين سألت اللواء مشهور عن شعوره في لحظة رفع العلم المصري أو سماع النشيد الوطني، قال: “أشعر بفخر عميق، كل مرة أرى العلم يرفرف، أشعر أن إسلام وزملاءه لم يذهبوا هباء، وأن تضحياتهم حاضرة في كل بيت مصري، ذكرى عيد الشرطة ليست مجرد احتفال، بل عهد جديد مع الشهداء، وعرفان بتضحياتهم التي تحمي وطننا.”
وفي نهاية الحوار، قال بصوت يملؤه الحنين والفخر: “إسلام كان بطلاً في حياته، وبطلًا في لحظة استشهاده، ذكراه لن تموت، وستظل مصدر إلهام لكل من يحمل حب الوطن في قلبه، نحن، كعائلة، نحتفل به كل يوم، ليس بالدموع فقط، بل بالفخر بما قدمه وبما يذكرنا دائمًا أن الوطن أغلى من كل شيء.”
بين الحزن والفخر، تتجسد قصة حياة الشهيد وإرثه في كلمات والده، لوحة إنسانية تمزج العاطفة بالشجاعة، لتظل ذكرى النقيب إسلام مشهور حاضرة في وجدان المصريين، محفورة في تاريخ الوطن، ودرسًا للأجيال القادمة عن معنى البطولة، التضحية، وحب مصر.