فكرة الاتحاد الأوروبي عندما ثارت على السطح الدولي، في الخمسينات من القرن الماضي، كانت تهدف في الأساس إلى إذابة الخلافات الداخلية بين القوى الأوروبية، وهو الأمر الذي تطور مع الزمن، حتى توقيع اتفاقية ماستريخت في أعقاب الحرب الباردة، عندما تحولت أوروبا الموحدة إلى كيان فوق الدول، يحمل سيادة صريحة، ورؤية سياسية واقتصادية يفرضها على الأعضاء، تراوحت بين مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتجارة الحرة والعملة الموحدة مرورا بالحدود المفتوحة وغيرها، ليقدم نموذجا جديدا نسبيا لما يمكننا تسميته بـ"السيادة متجاوزة الوطنية"، وهو ما ساهم في تواري الخلافات البينية، بينما أذاب في الوقت نفسه ما تحظى به كل دولة من خصوصية ترتبط بالإرث والثقافة والهوية.
النموذج الأوروبي يبدو من الثراء إلى الحد الذي يمكن استلهامه في حينه، في ضوء تطلعات، ربما غلبت الرومانسية السياسية بعضها، لتطبيقه في مناطق أخرى من العالم، دون جدوى، والسبب الظروف الزمنية والسياسية والاقتصادية، فالتطور الكبير في مسيرة الاتحاد، جاء على اعتاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو ما يراه أنصار الاندماج ضرورة ربما لملأ الفراغ الناجم عن هذا الانهيار، ناهيك عن الضعف الروسي وغياب المنافسه الدولية مع الولايات المتحدة مع انطلاق حقبة الهيمنة الاحادية، وكذلك الظروف الاقتصادية المواتية، وهي أمور لم يحظى بها الاتحاد السوفيتي في ضوء التغيير الكبير في السياسات وتفشي الفساد، وحالة الفقر المضجع الذي اصاب جمهورياته، بالإضافة إلى الصراع مع الولايات المتحدة وتجنيد حركات تحررية ساهمت في تفجير الوضع من الداخل.
الطرح سالف الذكر يكشف حقيقة مفادها أن النجاح المبكر لفكرة الاتحاد الإقليمي لم يكن نتاجا للفكرة بذاتها، وإنما في واقع الأمر مرتبط بالأكثر بلحظة دولية استثنائية، لم تتكرر وربما لن تتكرر في المستقبل القريب، وهو ما يقدم تفسيرا مهما لفشل محاولات الاقاليم الأخرى لتكرارها او استنساخها، وربما يعكس على الجانب الآخر عجز حالة الاتحاد القاري عن إذابة خلافات تاريخيّة، سواء بين الأعضاء او حتى داخل الدولة الواحدة مع احتفاظ مناطق برغبتها عن التحرر عن دولها المركزية، على غرار جزيرة جرينلاند الخاضعة لسيادة الدنمارك بحكم القانون الدولي، وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كانت فكرة "السيادة متجاوزة الوطنية"، قابلة للاستدامة خارج السياق التاريخي اللحظى، بحيث تكون عملية مستمرة لا تتأثر سلبا او ايجابا باختلاف الظروف الدولية.
الواقع أننا في هذه السطور لسنا بصدد تقييم التجربة الأوروبية، وإنما رصدها حتى يمكن الاستفادة منها، في ضوء العديد من المتغيرات الدولية الكبرى، سواء على مستوى طبيعة النظام العالمي في صورته الكلية، أو في إطار طبيعة الدور الذي يمكن أن نقوم به القوى الدولية الكبري الحاكمة للعالم فيما يتعلق بتقديم حلول فعلية للازمات الاقليمية المرتبطة بمناطق تبتعد عنها جغرافيا، وهو ما يتطلب النظر بموضوعية أكبر لمفهوم "السيادة متجاوزة الوطنية"، عبر إعادة تعريفه بما يتلائم مع الظرف الدولي الراهن.
ولعل الحديث عن "السيادة الجمعية" كبديل عن نظيرتها متجاوزة الوطنية، يمثل ضرورة قصوى في ادارة الأزمات الاقليمية الكبرى، خاصة وان اللحظة الراهنة لم تحتمل استيراد حلول، مع عودة النزعة الاستعمارية إلى الواجهة، حتى وان كانت ليست بالصورة التقليدية المتعارف عليها قديما، والقائمة على الاحتلال العسكري المباشر، وانما باتت تعتمد بصورة اكبر على السيطرة على القرار السياسي للدول، مما يعزز اهمية الحالة الجمعية في إطار ضرورة اضفاء الشرعية الدولية للقرار الاقليمي، ولكن يبقى الامر مشروطا بعدم تجاوز دور الدول او التدخل في شؤونها او انتهاك دورها السيادي الطبيعي.
وتختلف السيادة الجمعية، بهذا المعنى، عن نماذج الاندماج الصلب، في كونها لا تقوم على توحيد السياسات أو فرض مسار واحد، وإنما على الاعتراف بتباين المصالح واختلاف الأولويات، مع العمل على بناء أرضيات مشتركة تُدار من خلالها الأزمات، وهو ما يمنح الدول هامش حركة أوسع، ويقلل في الوقت ذاته من فرص استفراد القوى الكبرى بكل دولة على حدة، عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية.
الأزمة الحقيقية التي لاحقت أنصار الوحدة من غير الأوروبيين تجلت في التواكل المطلق على استنساخ نموذج جاهز في لحظة لمعانه، بينما تجاهلت، كما تجاهل الاتحاد نفسه، ولو نسبيا، احتمالات تغير الظروف الدولية، او انهيار التحالفات التقليدية، وهي أمور من المهم ان يضعها صانعو السياسة في الحسبان، إذا ما كانت الاولوية لديهم تحقيق المصالح على المدى الطويل وليس مجرد الفوز بمكاسب لحظية
وهنا يمكننا القول بأن الرهان الحقيقي لا يكمن في بناء كيانات فوق وطنية جديدة، بقدر ما يكمن في إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والإقليم، على نحو يضمن للدولة حماية قرارها، ويمنح الإقليم قدرة جماعية على إدارة أزماته، دون الوقوع في فخ الاندماج القسري أو التفكك المتسارع.