عاد التابوت الأخير إلى إسرائيل وانقضت صلاحية الذريعة؛ غير أن كيفية الاستعادة تُنبئ عن خفايا اللعبة طوال الفترة الماضية. التصق ظهر نتنياهو بالجدار؛ فمد يدّه إلى المقبرة لينبشها ويُلملم رفات الجندى ران جفيلى. وبهذا؛ كأنه يُلقى عمليا آخر الأوراق التى كانت فى حوزته، مكرها لا مُختارا، وتحت ضغط الاضطرار لا فى فسحة من البدائل والألاعيب.
انتهت المرحلة الأولى من اتفاق غزة، وكان يُفترَض أن تُختَتم قبل خمسة عشر أسبوعا على الأقل. مداها الأصلى بحسب خطّة ترامب يدور فى نطاق ثلاثة أيام، تُنجَز خلالها مُبادلة الرهان بين الجانبين، ويُفتَح معبر رفح، ليتبع ذلك الانتقال إلى ما بعدها بإدارة تكنوقراطية تحت مظلة دولية، وما كان التعطيل الطويل إلا لأن صاحب القرار فى تل أبيب أراد تجميد الأمور على حالها، أو إعادة تحرير الشروط والتفاصيل الإجرائية، نافذا من ثغرة التردد الأمريكى، ومستندًا إلى استخلاص أسراه وانعدام الخيارات لدى حماس.
أخطأت الحركة فى أغلب الوقائع منذ الطوفان؛ باستثناء موقفها من طاولة التفاوض الأخيرة ومُجمل الترتيبات المُتفق عليها فى شرم الشيخ. التزمت بالحرف والفاصلة، وكانت واضحة منذ البداية بشأن صعوبة العثور على كل الجثامين فى أجل قريب، وبعدما تشدّدت واشنطن فى تلك النقطة، يبدو أنها أخضعت الرسائل لاختبار كشف الصدقية، وتيقّنت من أن الاستعصاء يعود إلى غيبة المعرفة بالفعل، لا إلى الرغبة فى المماطلة والتسويف.
على أن زعيم الليكود لم يكن يتمنى غير هذا، وقد اعتبره فرصة مثالية لاستيفاء حقوق المرحلة الأولى، مع هامش للانفلات من واجبات الثانية. فأبقى المعبر مُغلقًا، وأحال عملية الانتقال وتكوين هيكلية الإدارة المؤقتة على الإرجاء الطويل، وظل متشبثًا بموقفه المُتشدّد حتى استنفد فترة السماح من جانب الأمريكيين، ووجد نفسه فى مواجهة قرار له طابع الإملاء، وبلا أية مشاورة أو اعتناء بتفضيلاته، ولا حتى بالبرنامج الزمنى الذى يُوافق هواه.
متوالية أحداث تتابعت بإيقاع مُتسارع، لا يُشبه ما جرت به المقادير لأكثر من ثلاثة أشهر منذ التوقيع، ولم تكن الحكومة اليمينية تتوقع أن تسرى النبضة الكهربائية فى شريان الاتفاق بما لا يُبقيه حيًّا فحسب؛ بل يُنشّطه ويرفع طاقته إلى حدود لا يتيسّر استيعابها أو النجاة من وهجها وحرارتها. مُفاجأة يبدو أنه لم يتخيّلها، أو تلكّأ فى قراءة مقدماتها؛ فدهمته على غير يقظة أو استعداد.
المفارقة أنه استُدعى إلى فلوريدا قبل موسم عيد الميلاد، وفى الغالب أُخطر برغبة الإدارة الأمريكية فى تحريك المياه الراكدة، وأن ما تُرِك له فى الفترة الماضية لم يكن بغرض تفخيخ المسار أو الانقلاب عليه، بل لتأهيل الفصائل نفسيا، ضمن رؤية واعية لترتيب التفاصيل العملية، وترويض الرؤوس الحامية من الطرفين.
وإلى وقت قريب، كان بالإمكان القول إن «بيبى» مارس عملية احتيال على شركائه فى الائتلاف. بمعنى أنه توافق مع ترامب وفريقه فى زيارة الولايات المُتحدة، وسلّم لهم بإخراج المشهد على الطريقة التى لا تخدش صورته، ولا تُعرّضه لمُمانعة داخل الحكومة أو إحراج أمام المعارضة والشارع.
ولا يزال الرأى السالف صالحًا للتفسير؛ إلا أن وقائع الأيام الأخيرة قد تُرجّح أنها لم تكن دراما مكتوبة بكاملها، وكان فيها مجال للارتجال الحُر، الذى عرف الصهيونى الماكر مُقدّماته، ولم تتوافر له صورة كاملة عنه، أو معرفة وافية بالمآلات.
أعلن ستيف ويتكوف إطلاق شرارة المرحلة الثانية، تلاها وضع الملامح الأولى لمجلس السلام، وإطلاق هيئة جديدة لم ترِد مُسبقًا بمُسمّى «المجلس التنفيذى»، ثم تشكّلت اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزّة فى الفترة الانتقالية.
وما خرج على السطح حمل إشارة إلى ما يعتمل فى الكواليس؛ ذلك أن نتنياهو غامر للمرة الأولى بالاختلاف علنًا مع إرادة واشنطن، وقال إن جانبًا من المُعلَن لم تُستَشَر فيه إسرائيل، ولا يتناسب مع سياستها ومصالحها.
اختار الكُلفة الأقل؛ بالتصويب على المبعوث الأمريكى، ومعه صهر الرئيس وأحد مستشاريه جاريد كوشنر. وحفّز الصحافة اليمينية الموالية على التهجّم عليهما، وإحالة التفسير إلى أنهما يُعاقبان الدولة العبرية على رفضها لفتح معبر رفح، إو إبطاء ديناميكية الخطة الرئاسية ذات البنود العشرين، مع التلميح بأنهما ينطلقان من باعث شخصى، وفى ضوء علاقاتهما الخاصة ومصالحها المباشرة مع بعض دول الإقليم.
إبداء الضيق عبر صيغة رسمية فى بيان عن مكتب رئيس الحكومة، قابله التهوين من أثر الخطوة فى البداية، تأسيسًا على أن ترامب ترك الإعلان لويتكوف ولم يضطلع به كعادته فى الملفات المهمة والقضايا المفصلية، ما يعنى بحسب تخريجته أنها دفعة معنوية لها طابع استعراضى، ولن تكون مُثمرة بالأثر المادى، كما لن تُغير الوقائع الميدانية والتوازنات المُثبّتة بالنار والبارود والحضور الثقيل على أرض القطاع.
وكان تفكيرا رغائبيًّا على ما يبدو؛ إذ سرعان ما دخل سيد البيت الأبيض على الخط بقوّته، فاستكمل الإعلان أو منحه بريق الرجل الأول، ودعا عشرات الدول إلى عضوية مجلس السلام، ورتّب انطلاقته فى حيّز ضيق من الوقت، ليكون تدشينه وتوقيع ميثاقه التأسيسى ضمن فعاليات مُنتدى دافوس الاقتصادى فى غضون أسبوع واحد. لكن الأهم ما جرى على هامش الحدث نفسه؛ عندما أوعز رجاله إلى رئيس لجنة التكنوقراط، على شعث، بتأكيد فتح معبر رفح من الاتجاهين فى الأسبوع التالى مباشرة.
هنا تجسّد المأزق على أشدّ صوره عُمقًا وخطورة. فقد سعى ابتداء إلى احتواء الخطّة دون صدام، ثم إلى التسرّب من شقوق اليوميات لتفخيخها من الداخل، أو على الأقل أن يُمرِّر ما يُجبَر عليه اضطرارا فى الحدود الآمنة بحسب تصوّره، ويُعلّق ما يراه مُضادًّا لأجندته على حبل الانتقال المقطوع من أثر الشد والجذب بينه وبين حماس. أى بالحد الأقصى أن يبتلع المجلسين واللجنة، ويُجمّد موضوعى المعبر وقوّة الاستقرار الدولية.
كان خياله أن بوابة رفح لن تكون إلا للخروج، أى للتهجير وإعادة تكييف ديموغرافيا القطاع مرحليا بما يوافق تطلعاته، وعلى المدى الطويل بما يُمكّنه من تصفية القضية وتصديرها إلى ما وراء حدود فلسطين التاريخية. عرض تشغيله فى اتجاه واحد قبل أسابيع، وظلّت مصر على رفضها القديم، فاكتفى بأن يُبقيه مُوصَدًا تحت ذريعة الجثة الباقية من قائمة الرهائن والمخطوفين فى هجمة السابع من أكتوبر.
النقطة الأخيرة أهم ما يجب الوقوف عليه الآن، وينفتح تحت ظلالها «صندوق باندورا» الخاص بنتنياهو وطريقة إدارته للصراع من بدايته إلى خواتيمه التى تلوح الآن من بعيد. قالت حماس إنها لم تُوفَقّ فى التوصل إلى الجثمان، رغم كثافة البحث والتتبع واقتفاء أثر الأسير وحُرّاسه، وارتاح غريمها إلى العجز باعتباره تكئة يستند إليها فى الرفض، ذاهلا عن التناقضات التى تراصفت بالتتابع، وانفجرت فى المُنتهى دفعة واحدة.
صرّع غير مرّة، على مدى الشهور الماضية، بأن الحركة تعرف مكان الجندى «جفيلى» وتُنكر عِلمها به، وبأنها تُماطل فى تسليمه لاستبقاء ورقة تتفاوض عليها أو تحتمى بها لاحقا. وبعيدًا من لا منطقية أن تُسلّم الأحياء ومعهم 27 قتيلاً، لتتستّر فى واحد تعلم يقينا أنه لا وزن له لدى نتنياهو وحكومته؛ فإن إشاراته المُتتابعة انطوت على حديث عن معلومات لدى إسرائيل، أى أنه لا يُخمّن، ويتحدث من مُنطلق الاستبطان والثقة الكاملة.
وفى التفاصيل المُذاعة لاحقا؛ أن جيش الاحتلال توصّل إلى بداية خيط عن مكان دفن الجثمان قبل ثلاثة أشهر، وطلب الإذن بتنفيذ عملية بحث عنه؛ لكنه رُدِع عن ذلك من جانب المستوى السياسى.
ويقول رأى آخر إن جهاز الشاباك جمع نُثارات من أحد عناصر حركة الجهاد الإسلامى، اختُطِف قبل شهر من غزّة، وأدلى بوقائع ومشاهدات تُرجّح الموقع، والمفارقة أنها النقطة ذاتها التى عُثِر عليه فيها بالفعل.
سرايا القدس التابعة للجهاد، قالت على لسان مُتحدثها الرسمى «أبو حمزة»، إنها أرسلت إحداثيات المكان إلى العدو عبر الوسطاء قبل ثلاثة أسابيع، وتبعتها حماس بالمعنى نفسه دون تحديد المدى الزمنى، وبناء عليه جرى انتشاله فى غضون عِدّة ساعات، بحسب الإفادة الواردة فى بيانى الحكومة والجيش عن «عملية واسعة النطاق» فى شمالىّ غزّة.
أول ما يلفت فى تلك الحالة؛ مبعث الانحراف عن آلية البحث عن الجثامين واستخراجها بالطريقة المُعتمدة منذ إنفاذ الاتفاق. إذ كان الُمعتاد أن تتولاها حماس بمفردها فى مناطقها، أو بمعاونة الصليب الأحمر فى المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال وراء الخط الأصفر، وعندما عجزت إمكاناتها الذاتية عن الاضطلاع بالمهمّة، دُعِمَت بتجهيزات وعناصر من دول وجهات أخرى غير الإسرائيليين. لكنها تلك المرة مُنِعَت من الوصول إلى هدفها، وطلب نتنياهو الإحداثيات ليتولّى انتشال الرفات بمعرفته، وبعيدا من عيون الجميع.
ومجموع الكلام المتواتر من غزة وفى الإعلام العبرى، يدور بين عِدّة آجال: معرفة الجيش منذ ثلاثة أشهر، أو توصّل الشاباك للمكان قبل شهر عبر أحد المُعتقلين، أو موافاة الاحتلال بالإحداثيات من الجهاد منذ أسابيع، ومن حماس فى مدى غير مُحدَّد، لكنه قد لا يختلف عن الميقات المشار إليه فى كلام الحركة المُتحالفة معها والتابعة لها عمليا. وكلها تسبق بدء البحث عن جفيلى، وتتعاظم دلالة تحديد موعده اتصالا بما سبقه وتزامن معه من وقائع وأخبار.
كان الحديث عن تشغيل معبر رفح يوم الخميس الماضى، والمهلة أسبوعًا؛ أى بحلول الخميس المقبل على أقصى حدّ. ذهب ويتكوف وكوشنر إلى أبوظبى لرعاية ورشة حوار ثلاثية مع الروس والأوكرانيين، وطارا من هناك إلى تل أبيب نهار السبت، لإخطار نتنياهو على ما يبدو بأن القرار لا يقبل النقاش أو التأجيل، واستباق اجتماعه مع مجلسه الوزارى المصغّر «الكابينت» فى اليوم التالى؛ ليكون توقيعًا على الخطوة لا تشغيبا عليها أو نقضًا لها.
ساعات قليلة تلت هبوط طائرة الموفدين الأمريكيين؛ لتنطلق قوّة نظامية من الجيش إلى الموقع المُحدد، تحت ستار من القصف الجوى والمدفعى وتحليق المسيّرات الهجومية والاستطلاعية، فخّخت المكان ثم عبرت الخط الأصفر إلى تمركزاتها السابقة، وبعد الانفجار كررت الرحلة لتنبش القبر وتعود بالتابوت/ الذريعة.
إنها مقبرة البطش فى حى التفاح، شرقىّ مدينة غزة. تبعُد عن خط الفصل الحالى ما لا يزيد على 500 متر، وبعدما حرّكه الاحتلال عِدّة مرات طوال الأسابيع الماضية، صارت مُتاخمة له أو على التماس. ما يُفسّر لماذا امتنعت حماس عن الذهاب لانتشال الجثمان بنفسها، ويُثير تساؤلات ضرورية عن تقاعس الجيش منذ تعرّف على المكان بجهود الأجهزة الاستخبارية، أو أُخطِر به عبر الفصائل والوسطاء.
علم نتنياهو أنه لا مناص من تشغيل المعبر؛ فتخلّى عن الذريعة بإرادته، كى لا يبدو كمن يتنازل عن ثوابته، أو يُقدّم ما فى حوزته لقاء لا شىء. وقد حوّل العملية المتأخرة عن موعدها شهورًا إلى نصر مزعوم بالفعل، فقال: «هذا إنجاز استثنائي. لقد وعدنا - ووعدتُ أنا - بإعادة الجميع. وقد أعدناهم جميعا، حتى آخر رهينة. إنه إنجاز عظيم للجيش الإسرائيلي، وللدولة ومواطني إسرائيل».
صمت عن علمٍ لمصلحة شخصية؛ ثم عندما تكلم كان لامتصاص أثر الوصاية الأمريكية، وتجييرها لحسابه بدل أن تكون عبئًا عليه. وإلى ذلك؛ فقد ورّط الجيش معه فى لعبة احتيال ترقى إلى الخيانة من منظور وطنى، ولا تقل فداحة عن تفويت الطوفان أو الإخفاق فى منعه واحتواء تداعياته. فإمّا أنه أجبر المستوى الأمنى على إخفاء معلومة مهمة، ومنعه من التحرك بموجبها، أو أنهما تواطآ معًا باتفاق مقصود، هو من نتاج نجاحه فى تسييس المؤسسات وإلحاقها بسلطته الفردية من دون شك، بعدما أطاح بالمناوئين، واستبدل بهم فريقًا من التابعين والموالين له سياسيا وأيديولوجيا.
وإلى تهم الفساد، وما تواتر بعدها من تمرير هجمة الغلاف أو توظيفها لخدمة أجندته الفردية، تُضاف اتهامات جديدة. حروب هائجة بلا أفق سياسى، وذهاب إلى المحطة نفسها من طريق أطول وبتكاليف أعظم، ثم الكذب والتدليس حتى على جثث الرهائن، وأخيرًا الاتّضاع للوصاية الأمريكية وتقبّل إملاءاتها، وكلها لا تنُمّ عن بلد ديمقراطى أو واحة فى محيط من البداوة والشمولية، بل عن جمهورية موز تُدار بكاملها لفائدة شخص واحد.
وما يهمنا فى السياق الراهن، حصيلة ما أفضى إليه مكر الصهيونى العجوز، وما ساقته إليه الظروف الخارجة عن إرادته، أو صنائع يده التى تحوّلت إلى ضدّها. إذ مع فتح المعبر تُغلَق المرحلة الأولى تماما، وهى عمليا آخر ما يجمعه مباشرة مع حماس.
ستدخل اللجنة الانتقالية، وتتكثف المساعدات، ويُفتَرض أن تنطلق عملية إعادة الإعمار، بالتزامن مع تكوين ونشر قوّة الاستقرار الدولية، أما الذريعة الأخيرة بشأن سلاح حماس فلن تكون من اختصاصه، وبعد تتمة الإجراءات الباقية على الفاصل الانتقالى، ستُنزَع ورقتها من يده لتُوضَع فى عُهدة طرف آخر.
الحركة وقعت عمليًّا على شروط تخص الحُكم والسلاح، وبعيدًا من الخلاف المفاهيمى والإجرائى بين النزع والتجميد، أو نقل الملكية للإدارة الجديدة وعناصرها الأمنية، وغير ذلك من أفكار ومقترحات؛ فإن غاية ما يُمكن أن يذهب إليه الحماسيون لن يتجاوز المماطلة لتحسين الشروط، قبل الهبوط الناعم والوصول إلى توافقات ضامنة لاستدامة المسار الجديد.
وفى كل الأحوال؛ فليس لدى الاحتلال مجال لتجديد الاشتباك. أخطرته الولايات المتحدة فعلاً بأن الحرب انتهت، وسيتعين عليه الانسحاب من الخط الأصفر إلى الأحمر، وحتى إن تمرّد على ذلك وأرخت واشنطن حبلَه؛ فستكون القوات الدولية حدًّا فاصلا بين الطرفين. المرحلة الأولى كانت ثنائية بين إسرائيل وحماس، أما الثانية فصارت ثلاثية، ولا يتعامل فيها كل طرف مع الآخر مباشرة، بل من خلال وسيط، ومُبتدأ اتصال كل فريق ومُنتهاه عند المجلس التنفيذى وقوّة الاستقرار.
وعليه؛ فإن السلاح لو طال أمد بقائه، أو تعقّد التفاوض بشأنه، فلن يصلح ذريعة لتجديد الحرب أو إعادة الانتشار فى جغرافيا القطاع مُجدّدًا. ونجاح الصفقة ليس فى وقف إطلاق النار؛ بل فى التعافى وتأهيل غزة الجديدة، ووَصلها سياسيًّا مع المكون الفلسطينى الأكبر وصاحب الشرعية الدولية والقانونية فى الضفة الغربية؛ بما يضمن الاستدامة ولا يجعل التهدئة فاصلاً بين حربين.
وإن صدقت رغبة الولايات المتحدة فى الإنجاز، وكان ترامب يُراهن حقيقة على سردية صانع السلام، وتثبيت مجلسه الجديد؛ فكل الخلافات المُتوَقّعة والمُحتَملة فى المُقبل لن تكون كافية لتفخيخ مسار التسوية، ولا لإعطاء نتنياهو ذريعة جديدة أمام حليفه وبيئته والعالم.
ربح فى التكتيك كيفما شاء وطالت يده؛ لكنه خسر فى الاستراتيجية. لا أباد الغزيين، ولا نجح فى طردهم، ولا حتى أبقى الجمود على حاله وحافظ على الميدان مُشتعلاً لحين تصفية صراعاته الداخلية والوصول إلى صندوق الانتخابات تحت النار.
خسر حماس التى راهن عليها وكانت أداته لتعميق الانقسام، وذريعته لتغييب السياسة دائمًا، ولم يربح مُتعة الرقص على قبرها بين أطلال القطاع. إذ لا معنى لانكسارها أو تآكل عناصر قوّتها؛ طالما أن غزة ما زالت واقفة على ساقين وقادرة على الابتعاث من بين الركام وتطبيع الحياة مُجدّدًا. خسر لأنه على باطل أوّلاً، وكان مدفوعًا بشهوته لا غيرها، ونكّل ببلده مثلما بطش بضحاياه الأبرياء.
وليس أسوأ من قتل الآخر، إلا خداع دولة كاملة، واستزلامها، وتحويل الصهاينة، أحياء وأمواتًا، إلى وقود للحرب أو منصة للتجارة، ورصيدًا لهالته الشخصية وذاته المتضخّمة. وهذا مما يُعمّق جريمة إسرائيل؛ لأنها تُقدّم أردأ ما فيها عنوانًا على وحشيتها المفرطة، والتى لا تستثنى أحدا حتى الذين يصدّقون أكذوبة الوطن اليهودى، ويحترقون فى ناره الدائمة.