نحرص فى المناسبات الرسمية على الحديث عن حقوق الطفل، ونحتفى باتفاقية حقوق الطفل، ونتبادل البيانات والتصريحات حول أهمية التنشئة السليمة وبناء الإنسان. لكن بعيدًا عن المنصات والمؤتمرات، تكشف الممارسة اليومية فى البيوت والمدارس عن مفارقة واضحة بين ما نعلنه من مبادئ، وما يُمارس فعليًا على أرض الواقع.
نقول للطفل إن من حقه التعبير عن رأيه، ثم نطالبه بالصمت. نؤكد له أن جسده ملك له، ثم نبرر العنف بحجة التربية. نحدثه عن الحرية، ثم نقصى أى محاولة للاختيار أو السؤال. وبهذه الازدواجية، لا نُنمّى وعى الأطفال بحقوقهم، بقدر ما نغرس فيهم الخوف من المطالبة بها أو ممارستها.
اتفاقية حقوق الطفل لا تقتصر على شعارات عامة، بل تقوم على أربعة حقوق أساسية: الحق فى البقاء، والحق فى النمو، والحق فى الحماية، والحق فى المشاركة. غير أن الواقع يكشف فجوة واسعة بين النصوص والتطبيق. ففى كثير من البيوت، يُكافأ الطفل على الطاعة المطلقة، ويُعاقَب على الاعتراض. وفى المدارس، يُطلب من الطالب التفكير، لكنه يُحاسَب إذا تجاوز الإجابة النموذجية أو عبّر عن رأى مختلف. وهكذا، ينشأ الطفل على رسالة غير معلنة مفادها أن الحقوق تُذكر فى الخطاب، لكنها لا تُمارس فى الحياة اليومية.
أخطر ما يُستخدم لتبرير هذا التناقض هو تكرار جملة شائعة مفادها أن كل ما يُمارس ضد الطفل إنما يتم «لمصلحته». بهذه الصيغة، تُبرر الإهانة، وتُقبل السيطرة، وتختلط مفاهيم الحماية بالتحكم، والاحترام بالطاعة، والسلطة بالأمان. ويكبر الطفل وهو مقتنع بأن الصمت أكثر أمانًا من التعبير، وأن الاعتراض مخاطرة غير محسوبة.
وفى هذا السياق جاءت تصريحات رئيس الجمهورية مؤخرًا محذِّرة من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعى على الأطفال، وداعية إلى دراسة وضع ضوابط وتشريعات تنظم استخدامهم لهذه المنصات، حمايةً لهم من التأثيرات السلبية المتزايدة على السلوك والقيم والصحة النفسية. وهى مخاوف حقيقية ومشروعة، فى ظل ما يشهده العالم الرقمى من تنمر إلكترونى، ومحتوى غير ملائم، وإدمان متزايد، وتأثير عميق على وعى النشء. وفى هذا الإطار، لا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، بل تصبح مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع؛ الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، وصنّاع المحتوى، إلى جانب الدولة. فحماية الأطفال فى العالم الرقمى لا تتحقق بالتشريع وحده، وإنما بتكامل الأدوار وتحمل كل طرف لمسئوليته فى التوعية والمتابعة وبناء الوعى.
غير أن التحدى الحقيقى لا يرتبط بالإجراءات وحدها، بل بكيفية إعداد الأطفال للتعامل مع هذا العالم الجديد. فالاكتفاء بالحظر أو التضييق، دون بناء فهم حقيقى لدى الطفل، قد لا يحقق الحماية المنشودة، بقدر ما يفتح الباب أمام القلق أو البحث عن بدائل خارج أى رقابة. ويبقى الرهان الأهم على تمكين الطفل من التمييز، وتعليمه الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ويظل حق المشاركة من أكثر حقوق الطفل التى نحترمها نظريًا، ونتحفظ عليها عمليًا. نخشى الطفل الذى يناقش، ونتوجس من الطفل الذى يطرح الأسئلة، ونخلط أحيانًا بين الجرأة وقلة الأدب. وبدلًا من تدريب الأطفال على الحوار واحترام الاختلاف، نوجّههم إلى تجنب العقاب، وقراءة مزاج الكبار، وتقديم السلامة على التعبير. ثم نفاجأ لاحقًا بشباب إما مترددين فى إبداء الرأى، أو غاضبين يفتقرون إلى أدوات الحوار الهادئ.
التشريع ضرورى، والحماية واجبة، والتنظيم مطلوب، إن التربية الحقيقية تقوم على بناء الوعى وتنمية القدرة على الاختيار المسؤول. فالطفل الذى يُحترم رأيه، حتى وإن لم يُؤخذ به، يتعلم أن الاختلاف ممكن، وأن الحوار آمن، وأن الكرامة قيمة ثابتة لا ترتبط بالخضوع أو الصمت.
لا تكمن المشكلة فى الأطفال، ولا فى الاتفاقيات الدولية، ولا فى التكنولوجيا ذاتها، بل فى طريقة تعاملنا نحن مع فكرة الحقوق. ويبقى السؤال مطروحًا بهدوء ووضوح: هل نريد أطفالًا مطيعين؟ الإجابة لا تبدأ من القانون فقط، بل من البيت، ومن المدرسة، ومن نظرتنا للطفل بوصفه إنسانًا كامل الحقوق، لا مجرد مشروع طاعة مؤجلة.