قانون الكهرباء تحت القبة.. انقسام بين تغليظ العقوبة وحماية المواطن.. فاقد بالمليارات وعقوبات بملايين.. كيف نجح رئيس اللجنة التشريعية ووزير الشئون النيابية فى احتواء غضب النواب؟.. وتأجيل الحسم لاجتماع لاحق

الأربعاء، 28 يناير 2026 07:00 م
قانون الكهرباء تحت القبة.. انقسام بين تغليظ العقوبة وحماية المواطن.. فاقد بالمليارات وعقوبات بملايين.. كيف نجح رئيس اللجنة التشريعية ووزير الشئون النيابية فى احتواء غضب النواب؟.. وتأجيل الحسم لاجتماع لاحق اجتماع لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب

نور على

لم يكن اجتماع لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب هذا الأسبوع، مجرد جلسة عادية، بل بدأ وكأنه اختبار حقيقي لفلسفة التشريع وحدود العدالة الاجتماعية.

أرقام تُطرح عن فاقد بالمليارات، ونواب يحذرون من حبس الفقراء، وحكومة تدافع عن حق الدولة في التحصيل، وبين هذا وذاك، حُسمت الموافقة المبدئية على تعديل قانون الكهرباء بفارق ثلاث أصوات فقط، لتفتح الباب أمام واحدة من أكثر القضايا التشريعية إثارة للجدل تحت القبة.

وافق 12 نائبًا على المشروع من حيث المبدأ، مقابل رفض 9، بينما غاب 8 أعضاء عن الاجتماع من أصل 29 عضوًا باللجنة،  وامام مطالبات النواب المعترضين  ببيانات وإحصائيات دقيقة عن حجم الفاقد فى الكهرباء التجارى والفنى وديون الجهات الإدارية الحكومية لوزارة الكهرباء والأثر التشريعى للتعديلات التى تمت على القانون فى  2025 و2020، وقام  رئيس اللجنة بتأجيل مناقشة مواد القانون للاجتماع المقبل لحين حضور وزير الكهرباء وتقديم الحكومة بيانات وإحصائيات تفصيلية طلبها النواب المعترضون.
 

لماذا تعود الحكومة بتعديل قانون الكهرباء؟

تقول الحكومة إن قطاع الكهرباء يواجه تحديًا مزمنًا يتمثل في ارتفاع نسبة الفقد، التي بلغت وفق بيانات رسمية نحو 29%، وهو ما يشمل فاقدًا فنيًا مرتبطًا بكفاءة الشبكات، وآخر تجاري ناتج عن سرقات التيار والتلاعب في العدادات، في وقت ارتفعت فيه تكلفة إنتاج ونقل الكهرباء بشكل كبير.

ملامح التعديل: عقوبات مشددة وباب واسع للتصالح

ينص مشروع القانون على تشديد العقوبات على سرقة التيار الكهربائي، سواء من الموظفين أو المواطنين، مع مضاعفة العقوبة في حالة العود، وإلزام المخالف برد مثلي قيمة التيار المسروق وتحمل تكاليف الإصلاح، وفي المقابل، يفتح المشروع بابًا واسعًا للتصالح في جميع مراحل الدعوى، بما يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية فور السداد، في إطار فلسفة تشريعية تركز على تحصيل حقوق الدولة بدلًا من العقاب المجرد.


 

المعارضون: قبل العقوبة.. أصلحوا المنظومة 

أكد المستشار طاهر الخولي، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، أن الحكومة سبق وأن قامت بتعديل نص المادتين (70، 71) من قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015، بموجب القانون رقم 192 لسنة 2020، والذي تضمن تغليظ العقوبات ورفع الحدين الأدنى والأقصى للغرامات على جرائم توصيل الكهرباء دون سند قانوني، أو الاستيلاء على التيار الكهربائي بغير وجه حق، أو الامتناع عن تقديم الخدمة.

وتساءل النائب طاهر الخولي: هل حقق القانون رقم 192 لسنة 2020، منذ صدوره وحتى الآن، الهدف المرجو منه في تقليل أو الحد من سرقات التيار الكهربائي؟، مشيرًا إلى أنه إذا لم يحقق هذا القانون الردع العام والخاص، بدليل تقدم الحكومة بعد مرور نحو خمس سنوات بمشروع قانون جديد لتشديد العقوبات بصورة أكبر، فإننا نكون بصدد ظاهرة لا يكفي لمواجهتها الاكتفاء بتغليظ العقوبات فقط.

وأوضح وكيل لجنة الشئون الدستورية والتشريعية أن مواجهة ظاهرة سرقات الكهرباء تتطلب من الحكومة البحث الجاد في الأسباب الأخرى المؤدية إلى الفاقد في التيار الكهربائي، وعلى رأسها الأوضاع في العشوائيات والمناطق النائية، وحالات البناء المخالف التي لم يُحسم وضعها بعد، رغم صدور قانون التصالح، فضلًا عن صعوبة توصيل المرافق بشكل قانوني في بعض المناطق

وشدد الخولي على أن تشديد العقوبات وحده لن يكون كافيًا للحد من سرقات التيار الكهربائي، والدليل على ذلك أنه تم تغليظ العقوبات في عام 2020، واليوم تعود الحكومة مجددًا لتشديدها ومضاعفة الغرامات لتصل إلى ما يقارب عشرة أمثال ما كانت عليه آنذاك.

وأكد طاهر الخولي وكيل اللجنة التشريعية أن الحل الحقيقي يكمن في تبني رؤية شاملة تعالج جذور المشكلة، وتوازن بين الردع القانوني وتيسير إجراءات توصيل المرافق، وتسوية أوضاع البناء المخالف، وتحسين آليات المتابعة والتحصيل، بما يحقق حماية المال العام دون تحميل المواطنين أعباءً إضافية.

 

ضياء الدين داود: أين الأثر التشريعي؟

رفض النائب ضياء الدين داود مشروع القانون لغياب بيان الأثر التشريعي للقانون القائم رغم تعديله مرتين سابقًا، مطالبًا بتوضيح الفرق بين الفقد الفني والتجاري، وكشف حجم ديون الجهات الحكومية لوزارة الكهرباء، وانتقد مشكلات العدادات الكودية واختفاء الأرصدة، متسائلًا عن آليات التظلم وأسس تقدير مبالغ التصالح.

واعترض النائب مصطفى بكري على مساواة القانون بين المواطن الفقير وصاحب المصنع أو الكمبوند، محذرًا من أن الغرامات المرتفعة قد تؤدي إلى حبس أعداد كبيرة من المواطنين، مطالبًا بضبط صلاحيات مأموري الضبط القضائي.

واعتبر النائب عاطف مغاوري أن بدء دور الانعقاد بتغليظ العقوبات “فأل غير حسن”، منتقدًا ارتفاع أسعار الكهرباء وغياب حلول جذرية قبل العقاب، ومؤكدًا أن توفير بدائل قانونية ميسرة يمنع الجريمة قبل وقوعها.

فيما رفض نواب آخرون، بينهم بسام الصواف، ومصطفى إسماعيل، وعمر علي، وضياء داود، وحسن هريدي، المشروع لأسباب تتعلق بعدم التناسب الاجتماعي للعقوبة، ومخالفات دستورية محتملة، وغياب الضمانات ضد التعسف في الضبط وتقدير الاستهلاك.

 

المؤيدون: سرقة التيار جريمة بلا حسن نية

من جانبه، أكد المستشار محمد عيد محجوب، رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية، أن جرائم سرقة الكهرباء لا تتوافر فيها حسن النية، وأن التصالح ينهي الدعوى الجنائية، بينما يظل الردع ضرورة لحماية المال العام.

 

طارق الملا: الفاقد يهدد أمن الطاقة

وقال النائب طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة، إن تضخم ظاهرة سرقة الكهرباء يهدد أمن الطاقة، موضحًا أن الدولة تستهدف خفض نسبة الفقد إلى 12%، وأن القانون يحقق التوازن بين تشديد العقوبة والتوسع في التصالح.

 

صلاح فوزي: العقوبة تُقاس بأثرها

وأيد الدكتور صلاح فوزي المشروع، معتبرًا أن العقوبة لا تُقاس بالمشاعر بل بقدرتها على مواجهة الظاهرة، وأن التصالح سياسة تشريعية عالمية بديلة للحبس.

 

محمود فوزي في قلب الجدل.. تهدئة سياسية وفتح باب البيانات

ولعب المستشار محمود فوزي، وزير الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، دورًا محوريًا في احتواء حالة الجدل التي شهدتها اللجنة التشريعية أثناء مناقشة مشروع تعديل قانون الكهرباء، حيث حرص على تهدئة الأجواء وتخفيف حدة الاعتراضات، مؤكدًا منذ البداية احترام الحكومة الكامل لمجلس النواب وللجنة التشريعية، ومشددًا على أن الحكومة ليست في عجلة من أمرها لتمرير مشروع القانون.
وأكد فوزي أن الحكومة منفتحة على النقاش، ومستعدة لتقديم جميع البيانات والإحصائيات التي طلبها النواب، وعلى رأسها بيان الأثر التشريعي للقانون القائم، وأرقام الفقد الفني والتجاري، وآليات الضبط والتظلم، وهو ما اعتبره عدد من النواب المعترضين خطوة إيجابية تُسهم في توسيع مساحة التفاعل السياسي داخل اللجنة.
وفي رده على الانتقادات المتعلقة بتغليظ العقوبات، شدد وزير الشئون النيابية على أن مشروع القانون لا يتضمن أي تجريم جديد، موضحًا أن جريمة الاستيلاء غير المشروع على التيار الكهربائي قائمة بالفعل في التشريع الحالي، وأن التعديل يستهدف تنظيم آليات الردع والتحصيل، لا استحداث جرائم جديدة، لافتًا إلى أن الدولة أنفقت خلال السنوات العشر الماضية مليارات الجنيهات لتوسيع شبكة الكهرباء وإيصال الخدمة إلى مناطق لم تكن مخدومة من قبل.

وتساءل فوزي، خلال مداخلته، عن منطق ترك الجريمة دون ردع، معتبرًا أن التساهل مع سرقة التيار يظلم المواطن الملتزم ويفرض عليه تحمل تكلفة المخالفين، قائلًا إن غياب الردع العام والخاص يؤدي إلى نتائج مخالفة للعقل والمنطق، ويقوض مبدأ العدالة بين المواطنين.

وعقب على ما أُثير بشأن وجود نزعة “انتقامية” في مشروع القانون، مؤكدًا أن أي تشريع يحمل هذا الطابع يكون موصومًا بعدم الدستورية، مستشهدًا بأحكام المحكمة الدستورية العليا التي أرست مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، مشددًا على أن العقوبة لا يجب أن تكون ضعيفة غير مؤثرة، ولا غليظة على نحو انتقامي، وإنما رادعة بقدر ما تحمي الصالح العام.

كما تطرق فوزي إلى المخاوف المرتبطة بمشكلات العدادات الكهربائية، مؤكدًا أن هذه المسائل تخضع لقواعد الإثبات أمام القضاء، وأن مبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” يظل الحاكم لأي نزاع، ولا يجوز تحويل الشك الفني أو الخلاف حول الاستهلاك إلى إدانة تلقائية.

وأكد وزير الشئون النيابية أن جوهر الفلسفة التشريعية للمشروع يتمثل في تحصيل حقوق الدولة لا العقاب المجرد، وهو ما انعكس في التوسع في نظام التصالح، الذي يسمح بانقضاء الدعوى الجنائية في أي مرحلة بمجرد سداد المستحقات، معتبرًا أن هذا التوجه يتسق مع السياسات التشريعية الحديثة التي تفضل التسويات على العقوبات السالبة للحرية.


وشهد الاجتماع سجالًا بين فوزي والنائب عاطف مغاوري، الذي اعتبر أن الحكومة وضعت اللجنة في موقف محرج ببدء دور الانعقاد بمشروع قانون عقابي، ليرد فوزي بأن اللجنة لم تختر مشروع القانون، وأن المسؤولية السياسية تقع على الحكومة، قبل أن يؤكد في الوقت ذاته أن اللجنة التشريعية تمثل ساحة حقيقية للحوار وتبادل الرؤى.
واختتم فوزي حديثه بالتأكيد على أن الحكومة لا تخشى النقاش البرلماني، وأنها ترى في تأجيل مناقشة مواد القانون فرصة للوصول إلى صيغة أكثر توافقًا، توازن بين حماية المال العام وضمان حقوق المواطنين، وهو ما أسهم في امتصاص قدر كبير من حدة الاعتراض داخل اللجنة.

 

وزارة الكهرباء تستعرض أرقام الفقد والعدادات الكودية وحوكمة الضبط

قال أمجد سعيد، المستشار القانوني لوزير الكهرباء، إن التعديل لا يستهدف معاقبة المواطنين، بل تشجيعهم على تقنين الأوضاع وتقليل الفقد التجاري، مؤكدًا تشديد العقوبة على الموظف المنحرف داخل المنظومة.
وأوضح أن الدولة ركبت منذ يوليو 2024 نحو 2.2 مليون عداد كودي، محققة تحصيلًا بقيمة 4.7 مليار جنيه، مع إنشاء منظومة إلكترونية موحدة لمحاضر سرقة التيار، مرتبطة بوزارة الداخلية وجهاز تنظيم الكهرباء، لضمان الحوكمة والشفافية.
وكشف أن الفقد الفني يقدر بنحو 7%، بينما يصل الفقد التجاري الناتج عن السرقات إلى نحو 12%، معتبرًا أن تشديد العقوبة يحمي المواطن الملتزم بالقانون.

ومع تأجيل مناقشة مواد القانون، يبقى المشروع معلقًا بين الإقرار والتعديل، في انتظار ما ستقدمه الحكومة من بيانات، وما إذا كانت ستنجح في الوصول إلى صيغة أكثر توازنًا تراعي العدالة الاجتماعية وتضمن حماية المواطن قبل العقاب.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة