أسرار من قلب الشبكات العاطفية المظلمة.. اليوم السابع يفتح ملف «العياشة» لاستغلال النساء الأجنبيات.. قصص حقيقية ومأساوية تكشف خريطة الاحتيال الرومانسى..غرفة السياحة ترد: سلوك فردى والتوعية تحمى من الاستغلال

الثلاثاء، 27 يناير 2026 02:00 م
أسرار من قلب الشبكات العاطفية المظلمة.. اليوم السابع يفتح ملف «العياشة» لاستغلال النساء الأجنبيات.. قصص حقيقية ومأساوية تكشف خريطة الاحتيال الرومانسى..غرفة السياحة ترد: سلوك فردى والتوعية تحمى من الاستغلال زواج الأجانب

كتب سمير حسنى

الاحتيال الرومانسى .. حين يصبح النصب بديلا عن العمل

لم يعد الاحتيال الرومانسي انحرافا عاطفيا أو قصصا فردية تنتهي بكسرة القلب، بل تحول إلى نشاط منظم، له قواعده، وتسلسل مراحله، وأدواته، وأرباحه، في هذه القضايا لا نتحدث عن شاب عاطل استغل سيدة، بل عن منظومة اقتصادية غير رسمية تقوم على استنزاف الضحايا عاطفيا وماليا، حتى يصبح النصب بديلا عن العمل، وأكثر ربحا منه.

ينحدر عدد كبير من الجناة من قرى ونجوع تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة، في البداية، يكون العامل في المدن السياحية محدود الدخل، لا يتجاوز راتبه الشهري مبلغا صغيرا، لكن مع أول علاقة عاطفية مع سائحة أو أجنبية، تتغير المعادلة، قصة مرض الأم، أو الحاجة لإجراء عملية، أو أزمة طارئة، تتحول إلى مصدر دخل سريع.

حينها يطرح الجاني السؤال الفاصل، لماذا أعمل، إذا كان بإمكاني تحصيل ما يعادل شهورا من الراتب في أيام قليلة؟ هكذا تبدأ المهنة.

مع الوقت، بعضهم ينظم علاقاته في جداول، ويحسب توقيت الطلبات، ويطور أدواته، الأخطر أن الظاهرة لا تتوقف عند الفرد، بل تتوسع لتشمل شبكة اجتماعية كاملة، عائلات الجناة تشارك أحيانا في الجريمة، الأب والأم، بل والزوجة في بعض الحالات، يتحولون إلى ممثلين في مسرحية محكمة، الضحية تستقبل داخل البيت، تجلس وسط الأسرة، ترى الأطفال، تشاركهم الطعام، كل التفاصيل مصممة لإلغاء الشك، وبناء ثقة كاملة، تجعل الضحية ترى علاقتها باعتبارها طبيعية، بل نموذجية.

ومع تطور النشاط، ظهرت مستويات أكثر قسوة، بعض الجناة استعانوا بأشخاص يتقاسمون معهم العائد، مقابل السيطرة النفسية الكاملة على الضحية، الهدف لم يعد فقط الحصول على مبلغ، بل إخضاع الضحية تماما، واستنزافها إلى أقصى حد ممكن، هنا تتحول الجريمة إلى ما يشبه عمل العصابات، بأدوار موزعة، وأرباح مشتركة.

الاحتيال الرومانسي ليس ظاهرة محلية فقط، بل هو ظاهرة عالمية لها انتشار واسع في دول أوروبا والولايات المتحدة وغيرها، وغالبًا ما يحدث عبر الإنترنت وتطبيقات المواعدة قبل حتى لقاء الضحية في أي مكان آخر، ففي بريطانيا تم رصد ارتفاع في حالات الاحتيال الرومانسي عبر الإنترنت، مع تضاعف عدد الضحايا الذين تلقوا تحذيرات من جمعيات دعم الضحايا، هذا يشير إلى أن الظاهرة في أصالتها جزء من نمط عالمي من الاحتيال القائم على العلاقات العاطفية الوهمية.

 

ظاهرة عالمية

مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة يحذر سنويًا من romantic scams عبر الإنترنت، مسجلًا خسائر مادية كبيرة للضحايا بسبب طلبات المال تحت مسميات الحب أو الدعم.

أجرينا جولة مطولة داخل مجموعات مغلقة على موقع فيس بوك، تضم نساء من جنسيات أوروبية وغربية، أنشئت خصيصًا لتبادل التحذيرات حول ما يعرف بالاحتيال الرومانسي في مصر، وفق الشهادات الموثقة، تتجاوز آثار العلاقات الشخصية لتصل إلى تشويه سمعة البلاد، إصدار تحذيرات سفر، وحتى رفع دعاوى قانونية في محاكم خارجية.

المجموعات لم تنشأ كمنصات كراهية، بل كمساحات دعم وتحذير، إلا أن تكرار التفاصيل المتشابهة في القصص يفتح تساؤلًا بالغ الخطورة، هل نحن أمام حوادث فردية، أم نمط استغلال منظم يشبه في خطورته جرائم الاتجار بالبشر، حيث تصبح العاطفة وسيلة لتحقيق مكاسب مالية؟

 

ضحايا الاحتيال الرومانسي

أجرى "اليوم السابع" تحليلا استنادًا إلى من منشورات عاملة متداولة داخل مجموعة فيس بوك،  اعتمد التحليل على محتوى لعينة مكونة من  30 منشورا، جرى تصنيفها وفق طبيعة الشكوى ونوع الانتهاك، مع حساب النسب المئوية يدويًا، أوضحت النتائج أن غالبية ضحايا الاحتيال الرومانسي من النساء الأوروبيات أو الغربيات، تتراوح أعمارهن بين 40 و65 عامًا، ومعظم هؤلاء النساء يعشن بمفردهن أو مررن بتجارب شخصية صعبة مثل الطلاق أو فقدان شريك، مما يجعلهن أكثر عرضة للاستجابة للعلاقات العاطفية الوهمية، حيث تأتي هذه الضحايا سواء كسائحات في رحلات، أو بعد تعارف إلكتروني عبر الإنترنت، حيث يسهل على المحتالين استغلال حاجتهن العاطفية والوحدة لتحقيق مكاسب مالية.


 

 

أشارت العديد من الشهادات إلى الاحتياج العاطفي والوحدة والرغبة في الحب والاهتمام، كعوامل تم استغلالها بذكاء شديد، حيث أكدت إحدى المشاركات أنها جاءت إلى مصر بحثًا عن رحلة اقتصادية، لكنها وجدت نفسها في علاقة بدت بريئة في البداية، لكنها انتهت بخسائر مادية ونفسية كبيرة.

رسم بياني
رسم بياني

أظهر تحليل المحتوى نمطًا شبه ثابت في حالات الاحتيال الرومانسي، يبدأ بالتعارف السريع سواء عبر الإنترنت أو أثناء السياحة، يلي ذلك إغراق عاطفي مكثف منذ البداية، غالبًا ما تقدم وعود بالزواج خلال أسابيع قليلة، مع استخدام القسم الديني لإضفاء مصداقية زائفة على العلاقة، بعد ذلك، يمارس ضغط على الضحية للسفر أو العودة بسرعة، ويطلب دعم مالي مباشر أو غير مباشر، أحيانًا ضمن صيغ زواج غير موثقة (عرفي)، وعند رفض الضحية، يظهر فتور أو اختفاء مفاجئ، وتشير أكثر من ثلثي الشهادات إلى وجود ضغط نفسي واضح وتحميل الضحية مسؤولية مشاعر الطرف الآخر.


رسم بياني
رسم بياني

 

مناطق ساخنة وخطورة الظاهرة

أظهرت الشهادات أن ظاهرة الاحتيال الرومانسي تتركز في بعض المناطق السياحية، حيث يسهل الاحتكاك بالسائحات وتكثر العلاقات العابرة، ولا يقتصر الضرر على الفرد، بل يمتد ليشمل تشويه صورة المجتمع في الخارج، وتغذية تحذيرات السفر غير الرسمية، وخلق سرديات سلبية في الإعلام الأجنبي، بالإضافة إلى توتر العلاقات الثقافية والسياحية.


رسم بياني
رسم بياني

 

أدوات الاحتيال

تعتمد شبكات الاحتيال العاطفي على مجموعة أدوات متكررة، أبرزها تواصل يومي ورسائل مكثفة مع السيدات لخلق ارتباط سريع، ويستخدم التدين كأداة لبناء ثقة زائفة من خلال القسم المتكرر بالله، إلى جانب التسريع غير المنطقي بالحديث عن الزواج خلال أسابيع قليلة، كما يظهر الضغط النفسي والابتزاز العاطفي عبر تحميل الضحية مسؤولية سعادة الطرف الآخر، وصولًا إلى استغلال المال والهدايا، سواء في صورة تحويلات مالية مباشرة، أو دفع مصاريف، أو تمويل سفر وإقامة.

 
 
نموذج من الشكاوي
نموذج من الشكاوي

 

مؤشرات رقمية ودلالات خطيرة

أظهر تحليل الشهادات أن 70% من الضحايا تعرضن لضغط نفسي وعاطفي، بينما تكبدت 60% خسائر مالية مباشرة، وشملت 45% تحويلات مالية متكررة، كما تناولت 30% من الحالات صيغ زواج غير موثقة، وسجلت نسبة ملحوظة اختفاءً مفاجئًا للجاني فور رفض الدفع أو السفر، وتشير هذه البيانات إلى نمط متكرر ومنظم وعابر للحدود، يحمل آثارًا إنسانية واجتماعية واقتصادية خطيرة.

تم الاستعانة بمحتوى شهادات ومنشورات متاحة علنا على منصات تواصل اجتماعي، تناولت تجارب عاطفية لنساء أجنبيات مع رجال مصريين.

 
رسم بياني
رسم بياني

 

وجرى التعامل مع هذه الشهادات باعتبارها مادة بحثية أولية لا تستهدف اتهام أفراد بعينهم، وإنما رصد أنماط سلوكية متكررة مرتبطة بما يعرف دوليا بالاحتيال الرومانسي، حيث تم استبعاد الأسماء الحقيقية، وأي بيانات تعريفية يمكن أن تشير إلى أشخاص أو وقائع محددة، التزاما بقواعد حماية الخصوصية، وعدم التشهير، ووفق المعايير المهنية للعمل الصحفي.

 
 
نموذج من بعض الشكاوي
نموذج من بعض الشكاوي

وتعكس الرسوم البيانية المصاحبة اتجاهات نسبية تقريبية مستخلصة من العينة محل التحليل، ولا تمثل إحصاءات رسمية أو بيانات صادرة عن جهات حكومية، وإنما مؤشرات تساعد على فهم الظاهرة ووضعها في سياقها الاجتماعي والقانوني.

 
 
نموذج من الشكاوي
نموذج من الشكاوي

 

استطاع "اليوم السابع" التواصل مع كريم دياب محامي عدد من الضحايا الأجانب ليروى شهادته الصادمة عن الظاهرة.

الأخطر في الشهادة كلها، ربما، هو ما كشفه عن لجوء بعض الجناة إلى السحر كأداة سيطرة، المحامي يروي واقعة كان شاهدا عليها بنفسه داخل مكتبه، الضحية كانت حاضرة جسديا، لكنها غائبة تماما، لا تجيب، لا تعترض، تنفذ الأوامر فقط، يشبه حالتها بفلاشة موصولة بجهاز كمبيوتر، تعمل دون وعي، حاول التحذير، حاول إيقاف التعاقد، ورفض المشاركة حين أدرك أن ما يحدث نصب واضح.

كريم دياب المحامي
كريم دياب المحامي

 

بعد أكثر من عام، عادت الضحية إليه، منهارة، تؤكد أنها لا تتذكر وجودها في مكتبه من الأساس، سنة كاملة من حياتها ضاعت من ذاكرتها، كشفت لاحقا، عبر محادثات واتساب مترجمة، أن الجاني استعان بشخص استخدم متعلقات شخصية لها في أعمال سحر، وكان يتابع معه كل خطوة، حتى بعد انكشاف الأمر، لم ينته التأثير، بحسب قولها، إلا حين انقطعت العلاقة بين الجاني وهذا الشخص بسبب خلافات على اقتسام الأموال، وتزامن ذلك مع تعاطي الجاني للمخدرات وعنفه المتصاعد، ما منحها فرصة نادرة للهروب وطلب النجدة.

هذه الشهادة، كما يراها المحامي، تفتح بابا مظلما لا يرغب كثيرون فى الاعتراف بوجوده، لكنها تؤكد أن الاحتيال الرومانسي تجاوز حدود الخداع النفسى، ودخل مناطق أكثر خطورة وتعقيدا، حيث تختلط الجريمة بالثقافة، وبالقانون، وبمعتقدات تستغل بلا أى وازع.

 

مفهوم مصطلح العياشة

في إحدى أخطر النقاط، يكشف المحامي عن مصطلح دارج في بعض المناطق، يستخدم لوصف السيدة الأجنبية التي يتم استغلالها ماديا، وهو لفظ «عياشة». يقول دياب: «مصطلح العياشة يستخدم محليًا للإشارة إلى النساء الأجنبيات اللواتي يتم استغلالهن ماليًا، فالعياشة ليس مجرد كلمة، بل يعكس ثقافة كاملة، حيث يشجع بعض الآباء أبناءهم على البحث عن "عياشة" فور بلوغهم، لتكون وسيلة للعيش، ولهذا سميت «عياشة»، هذا المصطلح يوضح كيف أصبح الاحتيال الرومانسي وسيلة معيشة في بعض المناطق، معترف بها اجتماعيًا ضمن دوائر محددة.

الأكثر خطورة أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن المعرفة العامة، على العكس، هي تتعلم من القصص المنشورة، ومن تحذيرات الإعلام، كل قضية تكشف، تتحول إلى درس تطبيقي للجولة التالية، إذا كان النمط القديم يعتمد على عزل الضحية عن الأهل، فإن النمط الجديد يفعل العكس، إدخالها إلى قلب الأسرة، لإبطال كل تحذير سبق أن سمعته.

تطور الأمر في بعض القطاعات إلى ما يشبه الاستثمار المرحلي، جزء من الأموال المستولى عليها من ضحية، يعاد تدويره لاستقطاب الضحية التالية، خاتم ذهب، ساعة فاخرة، سيارة مستأجرة، مظهر اجتماعي مصطنع، كلها أدوات لإقناع الضحية الجديدة بأن المال لا يمثل مشكلة، وأن الجاني ليس محتاجا، بل كريما وقادرا، بعد بناء هذه الصورة، تبدأ المرحلة الأخطر، عروض الشراكة، بزنس مشترك، عقار بربع ثمنه، فرصة لا تتكرر.

يؤكد كريم دياب أن ما يظهر للإعلام ليس سوى قمة جبل الجليد، القضايا التي تحظى بالضوء، غالبا ما تكون تلك التي انكشفت مبكرا، أما الحالات الأعنف، والأكثر تعقيدا، فتبقى بعيدا عن التداول، رغم أنها بالعشرات، هذا التضخم العددي لا يحتاج إلى إحصاءات رسمية، فكل مكتب محاماة في المدن السياحية بات يعج بقضايا نصب، تضاعفت أضعافا مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

 

ثغرات القانون… كيف يهرب الجناة من العقاب؟

يوضح دياب أن أحد أخطر أسباب تفشي الظاهرة هو الثغرات القانونية في توصيف جريمة النصب، فالقانون يشترط وجود طرق احتيالية محددة، مصحوبة بأعمال خارجية تثبت القصد الجنائي، هذا الشرط، بحسب قوله، أتاح للجناة التحايل على النص القانوني، عبر تصوير الأموال كهدايا، أو تقديم علاقات عاطفية في صورة زواج عرفي، يحصنهم قانونيا. ويستشهد بقضية لسائحة أمريكية اشترت هاتفا حديثا ومنحت مبالغ مالية نقدية لشخص ارتبطت به عاطفيا، ورغم صدور حكم إدانة في البداية، انتهت القضية بالبراءة لعدم كفاية الأدلة، وهو ما منح الجاني خبرة قانونية جديدة استثمرها لاحقا، فصار يتجنب أي محادثات مكتوبة، ولا يترك رسائل صوتية، ويحرص على أن تكون كل الطلبات شفهية.

في إحدى القضايا، التي يصفها المحامي بأنها نموذج واضح على هذا التعقيد، شارك أربعة أفراد في عملية النصب، اثنان أجانب واثنان مصريون، عائلتان كاملتان تعاونتا ضد الضحية، لا أوراق، لا شهود، لا تحويلات مالية مباشرة، فقط جلسات عادية في كافيتريا، دردشات ودية، وثقة مطلقة، الأموال تسلم طواعية، دون أي أثر مادي يمكن تتبعه، الذكاء هنا لا يكمن في الخداع فقط، بل في محو الدليل.

حين حاول المحامي تتبع مسار الأموال، اكتشف أن الضحية الإنجليزية جاءت ضمن مجموعة سياحية تضم نحو عشرة أفراد، في رحلة غطس، استغل الجناة هذا التفصيل بدقة شديدة، فجرى تقسيم المبلغ المالي الكبير على أفراد الرحلة، كل شخص يحمل الحد الأقصى المسموح به قانونا، ثم يعاد تجميع المال فور الوصول، نقدا، دون تحويل، دون إيصال، دون شاهد، المال يسلم في دقائق، وكأنه لم يكن موجودا أصلا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، الجاني كان قد أعد نفسه مسبقا، سجلات تجارية، حسابات بنكية، أوراق رسمية، كل شيء يبدو قانونيا تماما، مشروع الأتوبيس، الذي كان غطاء القضية، لم يكن فكرة عشوائية، بل واجهة معدة سلفا، تمنع أي تتبع مالي لاحق، المحامي يصف المتهم هنا بوضوح، ليس مبتدئا، بل محترف تعلم من قضايا سابقة وطور أدواته.

ورغم كل ذلك، يؤكد المحامي أن هذه القضية، على بساطتها الظاهرية، تعد من أبسط القضايا التي تمر على مكتبه، النموذج الأكثر شيوعا، والأكثر خطورة، هو الزواج الرسمي نفسه، يتزوج الجاني الضحية، ثم يبدأ الحديث عن المشاريع الكبرى، سيارة، شقة، شركة، استثمار، الأموال تدفع، الممتلكات تشترى، لكنها تسجل كلها باسمه، وبعدها، يختفي الحق تماما.

يكشف دياب عن عدد من القضايا الإنسانية التي مرت عليه، من بينها قضية سيدة بريطانية تجاوزت الثمانين من عمرها، كانت على أجهزة التنفس الصناعي، وفي مرحلة ما قبل الوفاة، النصاب لم يكن شابا صغيرا، بل رجل في السبعين من عمره، متعلم، ويشغل وظيفة مرموقة، تابع تطورات حالتها الصحية بدقة، وعندما تأكد من اقتراب النهاية، تحرك لتعطيل تسجيل وصيتها، ليستولي برضاها الكامل على عقاراتها وحساباتها البنكية، مستخدما ثقتها المطلقة فيه.

الصدمة لم تكن في الجريمة وحدها، بل في الصورة التي قدم بها نفسه للجميع، باعتباره الرجل الحنون الحريص على صحتها، إلى أن اكتشف الورثة الحقيقة بعد وفاتها. وفي قضية أخرى، استطاع أحد الجناة بالنصب على سيدة من ذوي الإعاقة، واستولى على أموالها ولم يكتفي بذلك، بل ساتولى أيضا على الإعانة التي تمنحها لها الدولة، مستخدما أوراقها الرسمية، المبرر، كما ينقله المحامي، يتكرر بشكل يكاد يكون نمطيا، «أنا ضيعت شبابي معها، وهي بتضيع عمري»، معلقا بقوله«منطق معوج، يقتل الضمير قبل أن يسرق المال».

وتتضاعف المأساة في قضية سيدة أصيبت بالسرطان بعد أن استولى شريكها على عدة عقارات تملكها، حين اكتشفت الحقيقة وطلبت منه فقط ما يساعدها على العلاج أو العودة إلى بلدها، طردها من الشقق، وأبلغ عنها الشرطة باعتبارها دخيلة، مستندا إلى غياب أي أوراق تثبت حقوقها، كل ما طلبته، كما تقول، لم يكن سجنه، بل شقة واحدة فقط لتعيش، وأخرى تبيعها لتتعالج، الرد كان قاسيا، فالجانى يتحجج «أنا ضيعت عمري معاها».

ولا تتوقف الصورة عند هذا الحد، يروي دياب عن سيدة كانت تمتلك عقارات، انتهت إلى التسول في الشوارع، بعد أن فقدت كل شيء وفقدت عقلها، مثل هذه الحالات، يحذر المحامي، ليست استثناءات، بل مآلات محتملة إذا استمر ترك الظاهرة بلا ردع، النتيجة إما ضحايا مشردون، أو جرائم قتل، أو سمعة دولية مشوهة تترجم إلى تحذيرات سفر على منصات السياحة العالمية، حيث باتت التحذيرات من العلاقات العاطفية في مصر تتصدر نقاشات السفر.

 

الزواج العرفي والتحويلات… أدوات التحصين القانوني

بحسب المحامي، أصبح الزواج العرفي أداة مركزية في الاحتيال الرومانسي، ليس بدافع الارتباط، بل لأنه يوفر غطاء قانونيا لتبادل الأموال، فبمجرد توقيع الضحية على عقد عرفي، يمكن للجاني تبرير أي تحويلات مالية باعتبارها مساعدة زوجية أو عائلية، خاصة مع تشديد شركات تحويل الأموال على إثبات العلاقة، هنا يظهر ذكاء الجناة، الذين يسبقون التحويل بإتمام العقد، لضمان مرور الأموال دون مساءلة.

 

إدارة الضحايا… قوائم وهواتف وخطط

في أعلى مستويات الاحتراف، يتحول الجاني إلى مدير شبكة، يحتفظ بقوائم تضم مواعيد وصول الضحايا، جنسياتهم، أماكن إقامتهم، ويتعامل مع أكثر من هاتف، كل واحد مخصص لجنسيات مختلفة، لا يقيس العلاقة بالزمن، بل بعدد الزيارات، ويحدد سقف ما يمكن تحصيله من كل ضحية خلال فترة قصيرة، قبل الانتقال إلى أخرى.

ومع تطور الخبرة، لم يعد الجاني ينتظر الضحية وهو عامل بسيط، بل يستثمر جزءا من الأموال للإقامة في فنادق فاخرة كزبون، ويقدم نفسه كرجل أعمال أو مستثمر، محاط بأصدقاء متفقين مسبقا على دعم الرواية، في بعض القضايا، لم يرتكب المتهم أي فعل احتيالي مباشر، بل قامت به أجنبية أخرى، صديقة للمجني عليها، نجحت في الاستيلاء على أصول بملايين الجنيهات ضمن شبكة علاقات مصطنعة.

الخطورة لا تقف عند حد الجريمة الفردية، بل تمتد إلى سمعة البلد نفسها، فبحسب المحامي، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعات تحمل أسماء مثل بلاك ليست غردقة، وبلاك ليست الأقصر، وبلاك ليست كايرو، حيث تبدأ الضحايا في سرد تجاربهن فور مغادرتهن مصر، محذرات غيرهن من الزيارة أو التعامل مع المصريين، هذه الشهادات، التي كان ينظر إليها سابقا باعتبارها تشويها متعمدا، يتضح الآن أن جزءا كبيرا منها يستند إلى وقائع حقيقية.

الأدهى من ذلك، كما يكشف الحوار، هو التعاطف المجتمعي مع الجاني، كثير من التعليقات تبرر الجريمة، تلقي اللوم على الضحية، وتتعامل مع النصب باعتباره «فهلوة أو شطارة»، يتم استدعاء الفوارق العمرية والدينية والجنسية لتبرير ما حدث، وكأن استنزاف الأجنبي أصبح سلوكا مقبولا، هذا المنطق، بحسب المحامي، لا يضر الضحية وحدها، بل يضرب في صميم صورة المجتمع والدولة.

هذا التصور الثقافي يظهر بوضوح حتى في تفاصيل صغيرة، يروي المحامي واقعة لسائحة تعرضت لاستغلال فاضح من سائق تاكسي طلب منها مبلغا خياليا لمسافة لا تتجاوز دقائق، السائحة دفعت المبلغ لأنها لا تعرف قيمة العملة ولا المسافة، معتقدة أن الأمانة ستدفعه لإعادة الفارق، كانت تلك أول زيارة لها لمصر، وكانت الأخيرة، نموذج بسيط، لكنه يعكس ذهنية ترى الأجنبي غنيمة لا ضيفا.

المحامي يلفت إلى أن الظاهرة ليست محلية فقط، بل موجودة في أوروبا والولايات المتحدة، لكن الفارق يكمن في طريقة المواجهة، هناك، يتم التعامل مع الاحتيال الرومانسي باعتباره جريمة مالية ونفسية مكتملة الأركان، ويتم التحقيق فيها بشكل موسع، مع اتجاه قضائي رادع وأحكام حبس حقيقية.

من هنا، يرى دياب أن الدولة المصرية قادرة تماما على التصدي للأمر، كما تصدت لملفات أخطر، لكن المشكلة أن حجم الظاهرة لم يصل بعد إلى دوائر صنع القرار بالصورة الكاملة.

في نهاية الصورة، يصبح الاحتيال الرومانسي أقرب إلى الاتجار بالبشر، وربما أشد قسوة، جريمة منظمة، عابرة للعلاقات، تهدد الاقتصاد، وتضرب سمعة البلاد، وتخلق مبررات دولية لتحذيرات السفر والدعاوى القضائية بالخارج، ورغم ذلك، لا تزال محاصرة داخل خانة الاجتهاد، تنتظر تشريعا يعترف بها، ويضع لها اسما، ويغلق الباب أمام محترفي العاطفة.

في مواجهة هذا الواقع يرى المحامي أن الحل لا يكون بالوعظ، بل بالتشريع الرادع، نقل هذه القضايا إلى إطار المحكمة الاقتصادية، وفرض غرامات ضخمة، كفيل بتحطيم الجدوى المالية للجريمة، بدون ذلك، ستظل "عياشة"، بمسمياتها المختلفة، مهنة مفتوحة، تحصد الضحايا، وتستنزف الثقة، وتترك وراءها أنقاضا إنسانية يصعب ترميمها.

 

التواصل مع بعض المتورطين

حاولنا التواصل مع عدد من الشباب المتورطين في عمليات الاحتيال العاطفي مع أجانب، إلا أنهم رفضوا الإدلاء بأي تصريحات، ويأتي هذا الرفض نتيجة حساسية الموضوع والمخاطر القانونية والشخصية المرتبطة بالكشف عن مثل هذه القضايا، وهو ما يعكس الطبيعة المعقدة لهذا النوع من الاحتيال.

 

عضو بغرفة شركات السياحة عن الاحتيال الرومانسى: سلوك فردي وتحدث في كل دول العالم

من جانبه، قال مجدي صادق عضو غرفة شركات السياحة، إن بعض الشباب يستغلون الزواج العرفي للحصول على مكاسب مالية أو اجتماعية، مشيرا إلى أن بعض النساء الأجنبيات يعتقدن أن الزواج العرفي صحيح طالما هناك محام وشهود.

وأوضح مجدي صادق عضو غرفة شركات السياحة في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن القانون المصري يحمي المرأة من أي استغلال مالي، وأي تحويل أموال أو أخذها دون حق يمكن أن يحاسب عليه الزوج أو الشريك.

وأشار مجدي صادق عضو غرفة شركات السياحة إلى ضرورة إصدار تعليمات واضحة لشرطة السياحة والآثار والنيابة العامة للتصرف السريع في حالات الشبهات المالية أو الاستغلالية في إطار الزواج العرفي لضمان حقوق المرأة وسلامتها القانونية.

وأكد مجدي صادق عضو غرفة شركات السياحة، أن التوعية القانونية ضرورية للضحايا لتفهم حقوقهن، وأن الإبلاغ عن أي مخالفة يضمن اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وإحالة المخالف للنيابة العامة والحصول على التعويضات اللازمة.

وأضاف مجدي صادق عضو غرفة شركات السياحة، أن هناك حالات ناجحة من الزواج بين المصريين والأجنبيات في المدن السياحية، مشيرا إلى أن الظاهرة ليست مهنية أو منظمة، بل سلوك فردي لشباب يبحثون عن تحسين دخلهم أو إقامة علاقة عاطفية مع الأجنبيات، وتحدث في كل دول العالم.

 

محام: القانون المصرى لا يحتوى على نصوص صريحة لمعاقبة الاحتيال الرومانسى

ومن ناحيته، قال أحمد عباس محامٍ إن القانون المصري لا يملك نصوصًا صريحة باسم "احتيال رومانسي"، لكنه يمكن تطبيق مواد النصب، الابتزاز، والجرائم الإلكترونية لحماية الضحايا، مشيرًا إلى الفروقات القانونية مع أوروبا والولايات المتحدة وطرق دعم الضحايا.

وأوضح في تصريحات لـ"اليوم السابع"، أن القانون المصري لا يحتوي على نصوص صريحة لمعاقبة الاحتيال الرومانسي، لكنه يمكن الاستناد إلى مواد النصب والاحتيال المالي (المادة 312 وما بعدها من قانون العقوبات) أو الابتزاز النفسي (المادة 306) أو الجرائم الإلكترونية لملاحقة أي رسائل أو تحويلات مالية مشبوهة.

وأضاف أن إثبات الجريمة في مصر صعب، لأن الحب أو العلاقة المزيفة قد تقدم كنية شخصية وليست احتيالًا، وغالبًا ما تكون الأدلة رقمية تحتاج إلى خبراء لتوثيقها قانونيًا، خاصة إذا كان الضحايا أجانب، كما أن ربط الضرر النفسي بالتصرف الجنائي أمر معقد. ونصح الضحايا بتوثيق كل المحادثات، التحويلات المالية، الرسائل الصوتية والفيديو، كون هذه الأدلة حجر الأساس لأي دعوى ناجحة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تصنف الاحتيال الرومانسي ضمن الجرائم الاقتصادية الإلكترونية وتتابعه وحدات متخصصة لدى الـFBI، كما يمكن تصنيف التحويلات المالية المشبوهة تحت غسل الأموال أو النصب.

وأوضح أن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تعتبر الجريمة إلكترونية واقتصادية ويمكن مقاضاة الجاني حتى بدون عقد رسمي إذا تم استغلال الضغط النفسي والمال، فيما تعتبر ألمانيا وفرنسا أن الطلب المالي مقابل الضغط العاطفي يعد جريمة حتى بدون عقد مكتوب.

وأضاف أن الضحايا الأجانب لديهم حماية إضافية يمكنهم من خلالها رفع دعاوى في بلادهم أو التعاون مع وحدات دعم قانوني ونفسي، بينما حماية الضحايا في مصر محدودة وتعتمد على توثيق الأدلة وتحريك النيابة أو التعاون مع السلطات الدولية.

 

آليات دعم النساء المتضررات

وأوضح أنه في مصر لا توجد آليات رسمية مخصصة، لكن يمكن استشارة محامٍ متخصص أو الإبلاغ عن الابتزاز الإلكتروني لمكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية، بينما دوليًا توجد برامج دعم نفسي وقانوني، مثل وحدات الـFBI Victim Assistance Unit في الولايات المتحدة أو برامج الاتحاد الأوروبي للمساعدة القانونية والنفسية.

نصائح احترازية للضحايا
 

نصح أحمد عباس محامٍ بعدم إرسال أي أموال قبل التأكد من هوية الطرف الآخر، والاحتفاظ بكل الأدلة الرقمية، وعدم الصمت والتوجه فورًا للجهات القانونية، واستشارة محامٍ دولي إذا كانت العلاقة مع شخص أجنبي لضمان حماية قانونية متعددة المستويات.

 

رأى علماء الاجتماع

بينما يرى محللون وخبراء علم الجريمة وعلم الاجتماع، إن ظاهرة الاحتيال الرومانسي"، عبارة عن استهداف بعض الشباب للنساء الأجنبيات والكبار سنًا الباحثات عن الحب والانتماء العاطفي، غالبًا ما تكون الضحايا عرضة للعزلة أو فقدان الدعم الاجتماعي، ما يجعلهم هدفًا سهلاً للتلاعب النفسي والابتزاز العاطفي.

ويؤكد الخبراء أن الجناة يستغلون ضعف الآخرين عاطفيًا لتحقيق مكاسب مالية واجتماعية، مستخدمين الإقناع والضغط النفسي الذي يؤدي إلى اتخاذ الضحايا قرارات غير عقلانية مؤقتًا، ويترك آثارًا طويلة على الثقة بالنفس والعلاقات المستقبلية.

وتوضح التحليلات أن اختلاف الخلفيات الاجتماعية والقيمية بين الضحية والجاني يسهل عمليات الاحتيال، بينما توفر البيئة السياحية للمناطق المذكورة ظروفًا ملائمة للتلاعب بسبب قصر مدة الإقامة وثقة السياح الأولية، كما يشير خبراء إلى أن ضعف الوعي بالمخاطر الاجتماعية والنفسية والقانونية يسهم في انتشار الظاهرة. وتشمل آثار الاحتيال الرومانسي أبعادًا نفسية واجتماعية واقتصادية، من بينها الاكتئاب وفقدان الثقة والعزلة الاجتماعية، بالإضافة إلى تأثير سلبي على سمعة السياحة في مصر وخلق تصورات سلبية لدى الزوار الأجانب.

وفي بعض الحالات، يمكن أن تتقاطع هذه الممارسات مع جرائم الاتجار بالبشر إذا تم استغلال السفر أو الزواج لتحقيق مكاسب مالية.

 

حكم قضائى

المثير أن سيدة نشرت بوست أعلنت خلاله تعرضها لتجربة احتيال عاطفي في مصر، وحصلت على حكم قضائي بحق الجاني وتم سجنه سنتين، مؤكدة أهمية الدعم القانوني والوعي بحماية الحقوق.

ويؤكد التحقيق على حماية هويات الضحايا والجاني بعدم نشر أي بيانات شخصية أو معلومات قد تكشف هويتهم، مع التركيز على تسليط الضوء على الظاهرة ورفع الوعي حول الاحتيال العاطفي وأهمية الدعم القانوني.

 

مواجهة الظاهرة

في النهاية، نرى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا قانونيًا واجتماعيًا، وتضافر جهود الدولة والمجتمع المدني لرفع مستوى الحماية، وتعزيز التعليم الرقمي والقانوني للزوار، والتأكيد على أن الحب لا يمكن أن يكون أبدًا وسيلة للابتزاز أو التجارة، فكلما فهمنا العوامل التي تؤدي إلى الاستغلال، كلما استطعنا بناء بيئة أكثر أمانًا وسلامة، ليس فقط للسياح الأجانب، بل لمجتمعنا ككل، حتى لا تتحول رحلة البحث عن الحب إلى تجربة من الألم والخسارة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة