ارتكزت الحلول في اطار معالجة القضية الفلسطينية منذ التسعينات من القرن الماضي على الاطار الجغرافي، باعتباره النواة التي تبنى عليه الدولة المنشودة، بينما لم تكن السيادة، وهي احد اهم العناصر التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة، اولوية كبيرة، حيث اكتفى المجتمع الدولي آنذاك بالاعتراف بالسلطة في رام الله، رغم الحدود الضيقة لما تملكه من سلطة، فيما يتعلق بالأمور السيادية، سواء الجانب الامني او الاقتصادي، وغيرهما لصالح الدولة القائمة بالاحتلال، وهو ما دفع نحو حالة من الترهل، دفعت الدولة العبرية نحو المزيد من المماطلة، بل وانتهاك الجغرافيا المتفق عليها في مدريد (الضفة الغربية وغزة)، بينما لعب اختلال البعد السيادي دورا أساسيا في انقسام فلسطين بعد ذلك بين حكومتين، ليكون هذا الوضع بمثابة الطامة الكبرى، التي دفعت الى العديد من الصراعات سواء في الداخل الفلسطيني او بين فصائل المقاومة والدولة العبرية.
الحالة الفلسطينية بالمسار سالف الذكر تطرح تساؤلا جوهريا يدور حول ما إذا كانت الجغرافيا كافية لولادة دولة مستقلة ذات سيادة أم ان البعد السيادي ينبغي أن يكون ثابتا منذ بداية المخاض، بينما يلوح سؤالاً آخر في الأفق حول الكيفية التي يمكن بها تثبيت هذا البعد، وهو الأمر الذي ينبغي التركيز عليه في المرحلة الراهنة، مع تحول مسألة السيادة إلى حالة مركزية تتجاوز منطقتنا نحو مناطق اخرى في العالم حظت بقدر كبير من الاستقرار لعقود طويلة من الزمن، وعلى رأسها أوروبا، منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، ثم بعد ذلك التحول الأمريكي الأخير نحو الاستحواذ على جزيرة جرين لاند الخاضعة لسيادة الدنمارك
ولعل مفهوم السيادة يرتبط في الاساس بالعديد من الابعاد، منها الاعتراف الدولي بسيادة الدولة على رقعة جغرافية محددة، وهو ما حظت به السلطة في حالة فلسطين، بينما ترتبط في بعد آخر بالقدرة على اتخاذ قرار يمنحها السيطرة الفعلية على الارض والبشر الذين يقطنونها، سواء كان قرارا أمنيا او سياسيا او اقتصاديا، وهو ما افتقدته السلطة باعتبارها خاضعة للاستعمار بالمفهوم التقليدي، فصارت سيادتها منقوصة طبيعيا بوصفها مرهونة بصانع القرار في دولة الاحتلال
الا ان غياب القرار السيادي لم يقتصر على ظروف الاستعمار بالمفهوم التقليدي، حيث طرأت ظروف دولية جديدة، وضعت القرار السيادي في الدول التي تتمتع بالسيادة الكاملة على الجغرافيا المعترف بها دوليا، وهو ما يبدو في نموذج جرينلاند، فهي جزيرة تخضع قانونيا ودوليا لسيادة الدنمارك، إلا انها تملك فعليا قرارها بعيدا عن السلطة المركزية القابعة في كوبنهاجن، وهو ما دفع نحو مسارين متوازيين، أولهما يدور حول حدود السيادة التي تحظى بها الدولة المركزية، بينما يدور الثاني حول سيادة الجزيرة نفسها مع التحركات الأمريكية الأخيرة.
والواقع ان معضلة السيادة المجتزأة، ليس وليد اللحظة الراهنة، فقد شهدت إرهاصات غير محسوسة خلال ثلاثة عقود من الزمن، ربما أبرزها ما يمكننا تسميته ب"التآكل الذاتي" للسيادة، وهو ما بدا في نموذج الاتحاد الأوروبي، عندما تخلت الدول الاعضاء طواعية بجزء من سيادتها لصالح كيان أكبر "أوروبا الموحدة"، فيما يتعلق بقضايا الاقتصاد والعملة والهجرة وهي قضايا سيادية بامتياز، بينما سبقت ذلك بعقود، عندما سمحت ب"التهام" سيادتها أمنيا تحت مظلة التحالف مع قوى من خارج أوروبا وهي الولايات المتحدة.
وهنا تتجلى الاهمية الكبيرة لمفهوم "بناء السيادة" باعتبارها جزء لا يتجزأ عن الدولة بمفهومها الطبيعي، وهو ما يرتبط بالعديد من الابعاد الأخرى، لا تقتصر في جوهرها على القرارات الصلبة، المرتبطة بالسياسة والامن والاقتصاد، رغم اهميتها، ولكنها تمتد إلى مسارات أخرى ناعمة كالهوية والتراث والإرث، وهي مسارات محورية في إبراز ما تحظى به كل دولة من خصوصية، وهو ما يفسر على سبيل المثال لجوء الاحتلال إلى تغيير الهوية الثقافية لمدينة القدس، وكذلك تغيير المناهج التعليمية في مدارس الفلسطينيين، وذلك جنبا الى جنب مع خطوات اخرى اقتصادية وسياسية وعسكرية، تعكس رغبة ملحة في فرض واقع مختلف يمكن من خلاله الالتفاف على الشرعية الدولية القائمة على فكرة الاعتراف التقليدي بالجغرافيا.
ولكن كيف تبنى السيادة؟ سؤال يبدو ملحا في اللحظة الراهنة، خاصة مع ترهل المفهوم، وتاكله، ليس فقط من قبل الخصوم، على غرار الحالة الفلسطينية، وإنما امتد إلى تطلع بعض الحلفاء إلى السيطرة الصريحة على القرار في اراضي حلفائهم، بل والاستحواذ على أراضيهم، وان كان ذلك بعيدا عن آليات الاستعمار التقليدية.
مسألة "بناء السيادة" تختلف في كل حالة عن الأخرى باختلاف الظروف الاقليمية، ففي الحالة الفلسطينية، تبدو المسألة في حاجة الى دور قوى من الخارج، باعتبارها تحت الاحتلال المباشر، وهو ما يبدو في الدور الذي تلعبه مصر والقوى الاقليمية الأخرى خاصة فيما يتعلق بتشكيل ادارة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، لتدير عملية اعادة الإعمار والحياة اليومية لسكانه، بينما في حالات اخرى ترتبط عملية البناء بالقدرة الذاتية على فرض السيادة، وهنا ليس المقصود فرضها بالقوة، وانما عبر تعزيز الهوية والإرث باعتبارهما أكبر الابعاد التي تعزز الانتماء الوطني لدى سكان الرقعة الجغرافية المعترف بها دوليا باعتبارها خاضعة تحت علم الدولة المركزية.
وهنا يمكننا القول بأن معضلة السيادة لم تعد مسألة نظرية أو قانونية مرتبطة بالاعتراف الدولي وحده، بقدر ما أصبحت اختبارًا عمليًا لقدرة الدول على امتلاك القرار وحمايته، فالتجربة الفلسطينية كشفت مبكرًا خطورة بناء الدولة على الجغرافيا دون تثبيت البعد السيادي، بينما أظهرت نماذج أخرى، من أوروبا إلى جرينلاند، أن السيادة نفسها باتت قابلة للتآكل حتى داخل الدول المستقرة، ليبرز نموذج الدولة التي تسعى إلى تحصين قرارها دون الانزلاق إلى مغامرات القوة أو الارتهان لتحالفات مكلفة، وهو ما يفسر توجهات بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر، نحو التعامل مع السيادة بوصفها عملية بناء مستمرة، لا شعارا سياسيا، عبر الربط بين الاستقرار الداخلي، والقدرة على إدارة الأزمات الإقليمية، وتقديم حلول واقعية تقوم على تثبيت القرار قبل إعادة رسم الخرائط، وهو النهج الأقل صخبا، لكنه أكثر قابلية للاستمرار.