حازم حسين

هندسة الصورة وإملاء القرار.. نتنياهو ودلالة الإعلان عن فتح معبر رفح على لسان شعث

الإثنين، 26 يناير 2026 02:00 م


يدير نتنياهو ملفات إسرائيل المفتوحة كلها لحسابه، وبقدر ما تنطوى تلك الفكرة على استبدادية فردانية بالقرار دون حسابات عاقلة؛ فإنها لا تخلو من إمكانية ترويضه والقفز على طموحاته الخاصة، حال توافرت الإرادة لدى راعيه الأمريكى على وجه التحديد.

ويبدو أن شيئا من هذا القبيل يحدث تواليا على مدار الأسابيع الأخيرة، باستحداث هياكل الإدارة الانتقالية فى غزة بدءا من مجلس السلام والمجلس التنفيذى ولجنة التكنوقراط، مرورا بالاتجاه إلى إلزامه قريبا بفتح معبر رفح، ووصولا فى مرحلة لاحقة إلى تشكيل قوة الاستقرار الدولية بما لا يوافق هواه، أولا لأنه لا يريدها من الأساس، وثانيا والأهم لأنها قد لا تكون على مقاس تصوراته أو تراعى سوابق الاشتراطات التى ساقها وظل يتشدد بشأنها طويلا.

وآية الشخصنة أنه رفض طلبا من الإدارة الأمريكية بأن يحل رئيس الدولة إسحاق هيرتزوج ضيفا على المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس السويسرية، ويوقع على الميثاق التأسيسى لمجلس السلام مع الموقعين.

وبحسب تقارير صحفية أمريكية؛ فإنه لم يُعلل موقفه بالصلاحيات الدستورية وفق تركيبة الحكم وتوازن السلطات بين الحكومة والرئاسة؛ إنما اختصر الرد فى كون الدعوة وُجّهت له شخصيا، مع اضطراره للغياب بموجب وضعه القانونى المشمول بمذكرة جلب من المحكمة الجنائية الدولية.

فكأنه يُدارى رفضه للفكرة وراء الظرفية المانعة للحضور، أو يضحى بمقعد تل أبيب على الطاولة انتصارا لأناه المتضخمة، وكى لا تُجيّر الخطوة لحساب طرف آخر؛ ولو لم يكن خصيما أو منافسا له فى المكانة الآن، أو على القيادة فى أقرب استحقاق انتخابى.

والغريب أن لديه مصلحة معلقة على أكتاف هيرتزوج، ما يفرض عليه بمنطق المواءمة ألا يستعديه، أو يظهر كمن يصطنع معه مماحكة بلا مبرر أو ضرورة.

لكنه يطمئن على ما يبدو لاتساع صدر البيت الأبيض إزاء نزواته المتجددة، وأن ترامب لن يتخلّى عنه فى موضوع العفو وإسقاط اتهامات الفساد، بما يُبرّئ ساحته ويتيح له استئناف مسيرته السياسية من موقع قوة، لا يجد معها أنه فى حاجة إلى تقديم تنازلات داخلية لأحد، أو إشراكه فى ثمار جولاته الحربية الطويلة، سواء وافقت رغباته فى السير على حد السكين، أو فُرضت عليه بمنطق التسوية الناعمة وإرخاء الحبل فى جبهة؛ لانتظار ما ستفسر عنه بقية الجبهات.

وهو يتحرك فى مجاله الحيوى تحت تأثير ثلاثة مثيرات: نوازعه التى لا يتقدم فيها شىء مطلقا على الذاتية المفرطة، وتركيبة الائتلاف التى تقيده بقدر ما توفر له شبكة أمان وهامشا لاحتواء الضغوط، وخريطة المعارضة المتشظية على نفسها دون ضمانة أبدية لعدم توحدها والاحتشاد له تحت مظلة واحدة.

وفوق كل ذلك، تتربع الإرادة الأمريكية بما دخل على التزامها الأصيل تجاه الدولة العبرية من أولويات تيار ماجا و»أمريكا أولا»، ومزاجية الرئيس وتقلباته الانفعالية غير القابلة للتوقع، ولا لمجرد المغامرة بالمناكفة وإبداء موقف يحمل رائحة الرفض أو المعارضة؛ ولو من بعيد وبلغة دبلوماسية مخاتلة ومحسوبة.


لا حل لديه إلا أن يُطيل أمد المراحل إلى أقصى فسحة ممكنة، ويلتمس الحدود لآخرها كمن يعبر فى حقل ألغام، متحسسا مواضع قدميه حتى لا يدوس على عصب أمريكى نافر، قد يكون أخطر على حاضره ومستقبله وإرثه السياسى من كل الحروب التى خاضها وأسلحة محور الممانعة رأسا وأطرافا.

ورغم أنه تلقى إشارة واضحة بالأولويات، فما يزال مصرا على اختبار مدى المواءمة والمسموحات التى قد يقبل بها ترامب، أو يتوه عنها فى زحام الملفات الساخنة إقليميا ودولي؛ لكنه جاهز دوما للهبوط الهادئ بقدر مهارته فى الإقلاع البطىء، ويعرف الركن الذى عليه أن يلتزم بالبقاء فيه.

ولا يجد غضاضة فى ابتلاع الأوامر والإملاءات، بعدما يكون قد فرغ من تقديم نفسه لحلفائه فى صورة المقاوم الصلب، ووظّف الاندفاعة الأمريكية بذكاء فى امتصاص غضبة الغاضبين داخل المعسكر، وترشيد خطاب المناوئين من خارجه تحت سقف الرغبة الجماعية فى إرضاء الرجل الذى لا بديل عن ممالأته، ولا مأمن لكائن من كان لو تجرأ على تحديه والتمرد على خياراته المعلنة؛ خصوصا أن كان من الأصدقاء، وبشكل أخص عندما يمتلئ بيقين أنه يعرف مصلحته أكثر منه، وقدم له ما لم يقدمه سواه على طول تاريخ العلاقة بين البلدين.

وتشعر بالمراقبة العامة من بعيد؛ كأن واشنطن تدير اللعبة مع زعيم الليكود بطريقة لا تخدش صورته، أو تقدمه فريسة سهلة لشركائه المخابيل أو أعدائه المترصدين. إذ لا مبرر للاصطبار على حماقاته سوى أنها لا تريد التضحية به، كما أنه تجدُّ فى حبكة الدراما وإخراجها بصيغة تتيح له تبرير القبول بها أو إخراج نفسه من المعادلة أصلا، وبتلك الطريقة أُدير ملف معبر رفح بتتابع زمنى لا يحرجه، ولا يعطل ما يريده الأمريكيون أيضا.

قبل أسبوع واحد فقط عقد اجتماعا للمجلس الوزارى المصغر «الكابينت»، خلصت مداولاته أو استصدر منه قرارا بإبقاء المعبر مغلقا لحين الوفاء بآخر بنود صفقة التبادل المعلقة على جثمان وحيد.

وكان بمقدور ترامب أن يعلن موقفا مضادا، أو يُعقب على موقف حليفه نقدا وتقريعا؛ لكنه عوضا عن ذلك اختار أن يمرر الخطوة بأخفت صوت ممكن، ومن فوق الرؤوس جميعا إلا رأس بيبى.

وتحقق ذلك عبر إعلان رئيس لجنة الإدارة الوطنية الفلسطينية، على شعث، عن تشغيل رفح بالآلية سابقة التحديد فى غضون أيام، أى أن يعمل فى الاتجاهين، ومن دون مشاركة أو وصاية أمريكية. والطبيعى أنه لن يخرج عن تركيبته المعتادة بموجب اتفاقية المعابر الموقعة فى العام 2005 بعد «فك الارتباط» مع القطاع من طرف واحد إبان حكومة شارون.

وهى ذات الآلية التى عمل بها خلال الهدنة السابقة فى يناير 2025، بشراكة ثلاثية بين مصر والاتحاد الأوروبى ومخابرات السلطة الوطنية؛ ولو اضطُر الطرف الأخير إلى الظهور بلباس مدنى اتساقا مع ترتيبات إرجاء استحضار حكومة رام الله لحين اكتمال الفترة الانتقالية ومقتضيات الإصلاح والتأهيل المطلوبة.
جرى الإعلان على هامش منتدى دافوس، وبالتزامن مع عرض جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد أرفع مستشاريه ومبعوثيه للمهام الخاصة، ملامح رؤيته لإعادة إعمار غزة فى المدى الزمنى وتتابع المراحل وتكاليفها.

وغالب الظن أن «شعث» كان يتحدث بلسان الإدارة الأمريكية، لا على معنى أنه تلقى معلومة وبادر بإعلانها من تلقاء نفسه؛ إنما أنه كان فى تلك اللحظة شديدة الخصوصية والتعيين أقرب إلى عضو فى الإدارة الأمريكية، يحمل رسالة مقصودة من جانبها، أو بالأحرى قرارا نهائيا لا رجعة فيه.

ولكن لم يُرَد لها أن تُساق على لسان واحد من الرسميين، لا الرئيس ولا الوفد المصاحب له؛ حتى لا تكون صفعة ثقيلة على وجه نتنياهو الغائب عن الحدث، والذى يتحمل كلفة تغييب إسرائيل أيضا بعد اعتراضه على سفر هيرتزوج بديلا، وبما يترك له متسعا لتمرير الأمر من خلال الحكومة، دون أن يفتقد المبادرة ولو شكليا، ولا أن يبدو الوزراء كأنهم يُحشدون إلى اجتماع محسوم سلفا، ومن قبيل تحصيل الحاصل بلا مجال للنقاش فيه أو إبداء الرأى.

وما يؤكد نهائية الخطوة، أن كوشنر طار مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف من أبو ظبى إلى تل أبيب، مساء السبت، بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا. ومبعث الاستعجال أن يستبقا اجتماع المجلس الوزارى الأمنى فى اليوم التالى؛ ليُثبّتا الموقف المعلن تحت سماء دافوس أواخر الأسبوع الماضى، ويقطعا الطريق على أية ترتيبات احتيالية يحضرها زعيم الليكود للإفلات من الكمين، والتذرع بانفلات وزراء الأحزاب التوراتية والمستوطنين من عقال سلطته عليهم.

فالهامش المتاح له حاليا ينحصر فى نطاق هندسة الصورة، لا الطموح فى تغييرها أو قلبها رأسا على عقب. والحضور المادى للضامن الأمريكى يُمكن أن يُفهَم على معنى الترويض، كما يصح تفسيره بالإسناد وإغناء رئيس الحكومة استباقيا عن كلفة المناكفات البينية، بما يؤكد لشركائه أن رسالة على شعث مشمولة فعلا بعلم الوصول، بل ومعها وجهان بارزان للاستيثاق من فتحها وقراءة محتواها وضمان الالتزام به دون مماطلة أو مناورة.

سبق أن عبر نتنياهو عن امتعاضه من تشكيل لجنة التكنوقراط، وقال إن المجلس التنفيذى لم يُستَحدَث بالاتفاق مع إسرائيل، كما لا يراعى أولوياتها وثوابت سياستها بشأن القطاع. وتردد فى الصحافة العبرية أنه سمع كلاما غليظا فى هذا الشأن، وأُخطِر صراحة بأن غزة صارت موضوعا أمريكيا.

وجه اعتراضه على التركيبة التى يتغلب فيها الوسطاء والضامنون على تل أبيب، لا سيما حضور ممثلين رفيعى المستوى عن تركيا وقطر. وأوعز من خلال الصحافة اليمينية الموالية له، بأن الاختيار لطمة عقابية مقصودة من ويتكوف وكوشنر، مع التلميح إلى علاقاتهما الإقليمية وما تنطوى عليه من شراكات اقتصادية ومصالح خاصة.
وقد بدا أنه ينهج أيسر السبل وأكثرها أمنا للتعبير عن الرفض، وبما يُعرّض بالوكيل ولا يمس حصانة الأصيل وقداسته المرعية. وترامب من جانبه لا غضاضة لديه فى أن يعلن قائمة تفضيلاته للطعام؛ شريطة أن يبتلع الطبخة التى يضعها أمامه فى النهاية، وإن لم يمتدح جودتها، فأقله لا ينتقد مذاقها أو دقة مقاديرها. وعليه؛ فالعبرة بالمآلات لا بما يُقال فى المسافة من طاولة الحكومة إلى طاولة العشاء.

بقوّة الحقائق؛ فإن مجلس السلام صار واقعًا، ودونه المجلس التنفيذى ولجنة التكنوقراط، وكما تشكّلت الأخيرة بوفاق جزئى، أو بالأحرى خلاف جزئى على بعض أعضائها، وفوجئ الصهاينة بالأول دون مشورة أو تمهيد؛ فستمضى الأمور باتجاه تشكيل قوّة الاستقرار الدولية بقائمة لا تُوافق هوى نتنياهو وعصابته، سواء حلّت فيها تركيا التى يرفضونها، أو أى طرف آخر لا يكون وجوده مريحًا لتيّار اليمين الذى لم يأخذ عِلمًا بعد بفشل مُخطط التهجير، وبأن غزّة عائدة إلى ما كانت عليه؛ ولو طالت رحلة الرجوع.

يربط الاحتلال موقفه من معبر رفح بتصوّره السابق عن أن يكون منفذًا للطرد لا الاستجلاب. وبعدما رفضت مصر فكرة أن يُفتَح فى اتجاه واحد مرّة بعد أخرى، تراجع نتنياهو خطوة إلى الوراء نسبيًّا؛ لكنه ما يزال تحت المظلّة ذاتها، ورغبته أن تكون أعداد الخارجين أكبر من الداخلين، ومع انعدام فرص أن يكون مُشرفًا على البوابتين الأصليتين فى جهتى غزة وسيناء؛ فقد تفتّق ذهنه بحسب المتواتر فى صحافة إسرائيل، عن استحداث نقطة تفتيش تالية للمعبر، تفحص العابرين وحمولاتهم، وتتأكد من المُعادلة الحسابية المأمولة.

وحال التزامن بين تثبيت وقف الحرب، وتمكين الإدارة الانتقالية، وبدء مسار التعافى المبكر وتكثيف المساعدات، مع تخطيط معالم إعادة الإعمار والسير على هديها، فلن تكون غزة كما هى اليوم، بل أفضل مما عاشته طوال سنتين، مع وعد بالمزيد فى مقبل الأيام.

أى لن تعود بيئة طاردة، بما لا يُحفّز أهلها على المُغادرة بما يُشكّل موجة عارمة، أو يُقلّص التركيبة الديموغرافية إلى مدى يُرجّح كفة المخططات الإسرائيلية، على حساب تطلعات التأهيل والإلحاق بالضفة الغربية تحت مظلة السلطة الشرعية فى أمد غير بعيد.

لن يكون بإمكان إسرائيل أن تردّ العائدين إلى القطاع طالما أنهم يستوفون شروط الدخول، ولا قِبَل لها بنزح المقيمين أو دفعهم إلى مُغادرتها، وقد نشطت طوال الشهور الماضية فعلاً فى سبيل تلك الغاية؛ وما تحصّلت إلا على بضع مئات أو آلاف سرّبتهم بريًّا عبر الغلاف إلى طائرات حملتهم من مطار رامون لوجهات عِدّة، كانت أبرزها جنوب أفريقيا وتسبّبت فى فضيحة مع انكشاف عملية الاحتيال والخديعة وإلقاء المستجيبين لها إلى المجهول.

باختصار؛ الأمن وحده ضمانة للبقاء، وتفعيل أدوار الإدارة الانتقالية مع بدء الإعمار كافيان لاجتذاب الطيور الشاردة، وبهذا لن تكون جردة الحساب بالسالب غالبا، وإن لم تَمِل المعادلة فى اتجاه الدخول؛ فلن تنحرف عن التعادلية فى أسوأ الأحوال.

لن تتوقف محاولات نتنياهو عن المراوغة والانفلات من الاتفاق وبنود خطة ترامب؛ إنما سيُفتح المعبر على الأرجح فى تلك المرّة، لأن مجلس السلام ما يزال يبحث عن شرعية تُغطّيه فى مواجهة الشكوك والاعتراضات الغربية، ورئيسه يتطلّع إلى تحقيق إنجاز يصبُّ فى مسار تثبيت صورته كصانع سلام أوّلاً، وفرض آلية عمله الجديدة على النظام الدولى الذى يختصمه ويُدفّع فى اتجاه تداعيه.

ومع دخول لجنة على شعث سيبدأ ضبط المنظومة الأمنية داخليًّا، مع تكثيف المساعدات وإطلاق بدايات إعادة الإعمار، ودون تأثيرات جانبية لحماس، لا سيما مع ترداد أحاديث فى الأروقة الأمريكية عن مُهلة تمتد مائة يوم، وجولات حوار قد تجمع ويتكوف مع خليل الحية، وإشارات إيجابية من الحركة عن تجميد سلاحها أو التخلى عنه، وفتح مسار يُؤطّر وجودها ويُعيد تأهيل حضورها فى المشهد من زاوية سياسية.

وسواء أسفر ذلك عن وقائع ملموسة أو تعطّل؛ فالفترة كافية لتشكيل قوّة الاستقرار ونشرها، أى إتمام عملية تدويل الصراع فى غزة، روحا وجسدا، وبعدها لن يعود الوضع إلى ما كان عليه مهما تشبّث به زعيم الليكود واستمات فى القبض على أهداب الزمن القديم.

صحيح أن الخشية تظل قائمة إزاء مزاجية ترامب؛ إلا أن الطريق مرصوفة ببنود خطته، وأهل القطاع مُقبلون عليها، ولن يطول الوقت على حماس قبل الانخراط فى الموجة، كما أن الوسطاء والضامنين يُمثّلون قوّة ضغط معنوية لا يُستهان بها، وكفّتهم ستترجّح على كفّة نتنياهو؛ لا لشىء سوى أنهم يلتزمون بالمُتّفق عليه مع واشنطن، ويسعى الأخير إلى نقضه أو تحريفه والانقلاب على مُقرّراته ورغبات الحليف الكبير.

أى أن الضمانة الحقيقية الآن مُتحققة بمُجاراة سيد البيت الأبيض، وأعلى تناقضاته مع المنطقة وقواها الإقليمية كانت فى السابق ومضت لحالها، فيما التناقضات الحالية على خطّ تل أبيب عند أقل منسوب لها، وهى أقرب إلى التصاعد من غيرها؛ ما لم يرتدع تيّار الحُكم اليمينى، أو يقبل بكل مُوجبات ما بُنِى بالأساس من مُنطلق العناية بمصالح إسرائيل.

يؤمن ترامب أنه أعلم بحليفته وشواغلها الحقيقية، وأكثر إخلاصا لها من حُكّامها. وهكذا يبدو نتنياهو كما لو أنه فى قفص جميل مُذهّب، يُترَك له هامش للحركة؛ غير أنه لا يستطيع المُغادرة أو الذهاب بعيدًا عن المدى المُحدد له.

لن يمل بالتأكيد من محاولات المُناكفة والتشغيب والانفلات من قيود واشنطن، ولن ينجح فى الوصول إلى أبعد مما هو عليه، ولا مجرد الحلم بتجديد لحظة من لحظات حروبه التى تفاخر بها على سبع جبهات.

سوريا الرسمية تضبط علاقتها مع الأكراد بتوافقات فُرِضَت على تل أبيب، وقد يتحصل عن مقابل لها جنوبًا، ولبنان لن يتعرّض لأسوأ مما يتعرّض له بالفعل. وأى تصعيد مع إيران لن يُغير التوازنات المستقرة حاليا فى غزة.

وعليه أن يُلملم نُثار الأوراق ليتحضّر للانتخابات، بالعفو أو من دونه، لكن المشهد الراهن يتردد صداه فى أسماعه بإنجليزية واضحة، وفق اللكنة الأمريكية التى يُجيدها: الحرب توقفت، وما جرى فى الميدان صار ماضيًا، وحاضره ومستقبله لن يكونا حسب الوصفة السابقة، ولا تحت النار، أو التجميد وإرخاء الحبل إلى ما لا نهاية.

بقيت حماس أم لا، ونُزِع سلاحها أم جُمِّد فى المخازن، وبالريفييرا أو الخطة العربية الإسلامية، لا قرار لزعيم الليكود فى كل الأحوال، ومُهلته فى الانقضاض على القطاع انتهت، والخرائط التى استعصت عليه فى زمن الحرب، لن تكون أقل استعصاء فى التهدئة؛ فضلا على أن الأولى كانت بإرادته، والثانية بالإرغام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة