أكرم القصاص

أوباما وجيفارا والمرشد.. دروس يناير بعيدا عن المدرجات

الإثنين، 26 يناير 2026 10:00 ص


بين التقديس غير المشروط واللعنات غير المحدودة، تضيع فرص التعامل المنطقى مع 25 يناير 2011، الحدث الذى يمثل أحد المفاصل التى لا يمكن تجاهلها فى التاريخ المعاصر، لكنه مثل كل الأحداث، عندما يتحول من حدث متنوع ومتعدد الأوجه إلى مباراة ومشجعين لفرق متناقضة، تضيع الفرصة لمناقشات ودروس واستنتاجات، والسبب فى بعض الأحيان، الحدية التى رسختها أيديولوجيات جامدة فقدت قدرتها على التحليل، واستمرت فقط بالقصور الذاتى أو اندمجت فى عولمة وخلطة من الحقوقية والنشطائية  وأفكار «الجانك فود».


هناك اختلاف حول توصيف هذه الخطوة، ما إذا كانت ثورة أو انتفاضة أو مظاهرات، أو مؤامرة، وفى كل الأحوال هى خلخلة أطاحت بنظام حاكم قوى استمر 30 عاما، ومعه تساقطت أحزاب، وتراجعت أفكار وتركت المجال فارغا، ومع اختلاف الصور والزوايا، تظل حدثا مهما فاصلا يستحق التفهم والدراسة.


هزة ضخمة أحدثت تغييرا فى قمة هرم السلطة، وأدخلتها فى سنوات من التحولات تزامنت مع تحولات عنيفة فى المنطقة والعالم، بعد سنوات من الأحداث الضخمة والحروب التى خلفت دولا مفككة وإمبراطوريات تحللت، وبدت الصورة السياسية فى الشرق الأوسط مستقرة وعصية على التغيير، تحت حكم أنظمة متسلطة وفردية فشلت فى خلق تنوع أو استيعاب التعدد فى المجتمعات، وانتهى الأمر بزلازل اقتلعت بعضها وأطاحت بالبعض الآخر وانتهت إلى وضع غير مستقر أشبه بما بعد تفكك الذرة، الذى يترك طاقة غير مستقرة وإشعاعا وتداعيات، لكن المفارقة امتدت إلى كل التفاصيل.


الولايات المتحدة الأمريكية ظلت على مدى عقود الحرب الباردة تحارب الثورة أو أى أفكار ثورية، أصبحت تعلن دعمها للربيع العربى، تسامحت مع رفع صور تشى جيفارا فى الميادين، الذى كان عدوا لدودا للولايات المتحدة، وهى التى اغتالته لمنع الثورة، وبدا باراك أوباما راضيا عن صورة جيفارا فى ميادين يناير، وراجت مقولات نقلا عن أوباما بأنه يريد أن يكون الشباب الأمريكى مثل الشباب المصرى، وعندما صدق بعضهم وذهبوا إلى وول ستريت لممارسة تقليد ثورى، تمت مواجهتهم بعنف، ومع هذا تمت دعوة بعض أصدقاء الكاميرات لشرح الثورة أمام هيلارى كلينتون، وكانوا يشرحون أمرا لا أحد يعرف له رأسا من قدمين، مثلما تم مع توكل التى تم تصنيع أيقونتها من دون أن تظهر أى علامة، وبدا أن هذا النموذج الممسوح بلا أى مبادئ أو علامات هو المطلوب، عنون لربيع مختلط، ظهرت نتائجه فى تنظيمات خرجت من تحت الأرض لتغطى على كل الأفكار والتغيير.


المفارقة الأخرى أن تنظيم الإخوان الذى كان طوال الوقت ضد الثورة ومع العنف، تحول إلى داعية للديمقراطية، وجذب خلفه أكثر التنظيمات السلفية المتعصبة والمتطرفة، التى أصبحت تتكلم عن الصناديق والانتخابات، وهم من ظلوا يحرموها لعقود، بعد يناير أصبح الأمر يصب لصالح الأكثر تعصبا وتطرفا، خرج الإرهابيون من السجون وجلس التنظيم على مقاعد السلطة، لتبدأ تجربة غريبة وخلطة عجيبة، بدا أن الربيع العربى يصب فى حجر تنظيمات قضت كل حياتها ضد التداول والتفكير، ومع السمع والطاعة.
ساهم غباء التنظيم وانتهازيته، وتحالفاته وتهديداته وانقلاباته السريعة، فى كشف النوايا مبكرا، خاصة وقد استغل سذاجة النخب حديثة العهد بالسياسة والثورية فى القفز على المقاعد، وتنصل من وعود المشاركة، وأسفر عن وجه ينفذ أجندات خارجية، وعى المصريين واجه انتهازية التنظيم، خاصة أن الصورة اكتملت فى المنطقة مع ربيع تحول إلى صراعات وفتن وعنصرية وطائفية وقتل على الهوية، مما أنهى الدول وجعلها مجالا للعبة خارجية وميليشيات تخوض حربا بالوكالة.


وسواء اتفق البعض على اعتبارها ثورة أو رأها البعض مجرد انتفاضة ومظاهرات غاضبة، فقد ظلت حدثا كبيرا، يفرض على كل الأطراف قراءته وتقييمه بعيدا عن مدرجات جمهور متعصب، يشجع بلا عقل أو يرفض بلا تسامح، بينما الحدث يفرض نظرة أخرى إلى تطورات تتواصل وتحولات تستمر بالعالم كله، وأجيال ولدت بعد سنوات من يناير، أو نضجت خلال سنوات بعدها.


سقطت أنظمة مستبدة احتكرت السلطة والثروة، وعجزت وتعامت عن قراءة تحولات السلطة فى العالم، ومنعت المشاركة والتنوع، وفشلت تيارات ترفع شعارات اليسار، وتعتنق شعارات تنظيمات الفوضى والإرهاب. 


يناير يفترض أن يتضمن قراءة وتفهما، وترمومترات للشارع والناس، وفرض تكافؤ الفرص والمساواة وتقديم الكفاءة وإبعاد التوريث فى المناصب والثروات، هناك حاجة من كل الأطراف لقراءة متفهمة تراعى الحوار والمشاركة، وتقبل الاختلاف فى الرأى وتفسح المجال للخيال والاجتهاد، بديلا عن التعصب والانغلاق، وأيا كان الرأى ومع تنوع زوايا النظر والمواقف،  فإن يناير يقدم دائما دروسا لا يجب تجاهلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة