بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم "كومة جريد" مهملة في إحدى قرى الصعيد والدلتا، كان هناك خلف البحار، في "ميونخ" الألمانية، من يضع لمساته الأخيرة على طاولة فاخرة مصنوعة من نفس ذلك "الجريد" الذي نعتبره عبئا، ففي مصر، مملكة النخيل الأولى عالمياً بـ 16 مليون نخلة، نسير فوق كنزٍ أخضر لا نرى منه سوى الثمر، بينما نلقي بـ "ذهبنا الخشبي" في المصارف أو نتركه وقوداً للحرائق الموسمية، اليوم، لم تعد القصة مجرد تدوير لمخلفات زراعية، بل هي "ثورة خشبية" تقودها عقول مصرية لتحويل "سعف النخل" إلى بديل عالمي للأخشاب المستوردة، في محاولة لفك شفرة المعادلة الصعبة، وهى كيف نحمي البيئة، وننقذ العملة الصعبة، ونعيد صياغة هوية الأثاث المصري بلمسة ريفية ذكية؟.
أطنان من "الخشب الضائع"ولغة الأرقام الصادمة
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مصر تمتلك ثروة تقدر بنحو 16 مليون نخلة، تنتج سنوياً ما يزيد عن 250 ألف طن من مخلفات "الجريد" والسعف، وفي الوقت الذي تئن فيه ميزانية الدولة من فاتورة استيراد الأخشاب التي تتجاوز مليار ونصف مليار دولار سنوياً، تظل نسبة الاستفادة من هذه الثروة المحلية لا تتعدى 20%، بينما يتحول الباقي إلى "قنابل موقوتة" قابلة للاشتعال في الحقول، أو عبء بيئي في المصارف المائية.
من "السحابة السوداء" إلى "الصالونات الفاخرة"
لم يعد الجريد مجرد مادة لصناعة السلال البدائية أو أقفاص الخضروات؛ فالتكنولوجيا الحديثة استطاعت تحويل "ألياف النخيل" إلى ألواح خشبية عالية الجافة (MDF) تضاهي في جودتها خشب الزان والسويد.
يقول الدكتور مجدى علام الخبير البيئى فى تصريحات خاصة لليوم السابع ، إن خشب النخيل يتميز بـ "بصمة كربونية" منخفضة جداً، كما أنه يقاوم النمل الأبيض والرطوبة بشكل طبيعي، مما يجعله المطلوب الأول في الأسواق الأوروبية التي تفرض قيوداً صارمة على استخدام الأخشاب التقليدية الناتجة عن قطع الغابات.
رحلة "الذهب الأخضر" من الدلتا والصعيد إلى أوروبا
داخل إحدى الورش المتوسطة فى دمياط بكفر البطيخ التي تحولت إلى مصنع تصدير، التقي اليوم السابع بـ "سيدة ابو حسين "، قرر انه يستثمر في جريد النخيل، ويحولة من حرفة تقليدية مصرية عريقة، تستخدم جريد النخيل لصناعة للتصدير بقطع أثاث عملية وجميلة مثل الأسرة والكراسي والطاولات والأقفاص، وتعتمد على أدوات بسيطة مثل المنجل والساطور.
يقول أبو حسين : "كنا نشتري الجريد من المزارعين بمليمات، وبعد معالجته وتحويله إلى أثاث عصري، أصبحنا نصدر القطعة الواحدة لمتاجر في باريس واوروبا ، والعالم الآن يبحث عن قصة خلف المنتج، وعندما يعلم المشتري أن هذه المنضدة أنقذت البيئة من حريق محقق وخلق فرصة عمل لمزارع في احدى القرى ، يشتريها وهو فخور، مؤكدا انه تمر القطعة بمراحل تجهيز تبدأ بالتقطيع والتجفيف والتقشير وصولًا للتجميع والتشكيل، وتتميز المنتجات بخفة الوزن والبرودة ومقاومتها للحشرات، وتُدمج أحيانًا مع خامات أخرى للتطوير.
عقبات "التصنيع الشامل"
رغم الإمكانيات الهائلة، لا تزال هناك تحديات لوجستية، فالمشكلة تكمن في "سلاسل التوريد"، حيث تنتشر النخيل في مساحات شاسعة، مما يجعل تكلفة تجميع ونقل الجريد إلى المصانع المركزية مرتفعة، وهنا كانت مطالب احد المستثمرون لإنشاء "مراكز تجميع" أولية في المحافظات الرئيسية التى تنتشر فيها اشجار النخيل مثل الشرقية، والغربية و الوادي الجديد، أسوان، لتقطيع وفرم الجريد قبل نقله، مما يقلل تكلفة الشحن بنسبة 50%.
من مخلفات لصناعة وطنية
إن تحويل "مخلفات النخيل" إلى صناعة قومية ليس مجرد رفاهية بيئية، بل هو ضرورة اقتصادية حتمية، حيث إن مصر تمتلك المادة الخام، والعمالة، والسوق المتعطش، ولا ينقصها سوى "إرادة التنظيم" لربط المزارع بالمصنع بالمصدر، فكل نخلة في مصر هي "بئر بترول" متجدد فوق الأرض، فهل نستمر في حرق ثروتنا بأيدينا، أم نعلن رسمياً ولادة "عصر الأخشاب المصرية"؟ الإجابة تكمن في تحرك الدولة لدعم هذا القطاع بآليات استثمارية واضحة، تجعل من "الجريدة" رمزاً للصناعة الوطنية بدلاً من أن تكون وقوداً للنيران.
مصانع خشب الـ MDF
لقد اتخذت الدولة خطوات استراتيجية جادة لتحويل "الجريد" إلى رمز للصناعة الوطنية من خلال عدة آآليات منها إنشاء المصانع الكبرى (مشروع خشب الـ MDF)، وكانت هذه الخطوه هى أهم تحرك للدولة، حيث كان البدء في إنشاء أكبر مصنع في الشرق الأوسط لإنتاج خشب الألواح الليفية (MDF) من مخلفات النخيل (السعف) في محافظة الوادي الجديد، بالتعاون بين وزارة الإنتاج الحربي واحدى الشركات العالمية، بهدف التوقف عن استيراد خشب الـ MDF بالعملة الصعبة وتصنيعه محلياً من جريد النخيل الذي نمتلك منه ملايين الأطنان سنوياً.
دعم "التجمعات الإنتاجية"
كما سعت الدولة لبدأ التتعامل مع الجريد كـ "عنقود صناعي" وليس حرفة يدوية بسيطة، من خلال دعم القرى المشهورة بهذه الصناعة مثل بعض قرى الفيوم والقليوبية والوادي الجديد، من خلال تزويدهم بآلات تقطيع وكبس حديثة، وتوفير قروض ميسرة عبر "جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة" لورش تصنيع الأثاث البيئي من الجريد.
إحياء الحرفة عبر التصميم العصري
المشكلة سابقاً كانت أن أثاث الجريد يرتبط بـ "الفقر" أو "البساطة الزائدة"، ولكن الدولة تدخلت بآليات تسويقية، من خلال مركز تحديث الصناعة الذى قام بالاستعانة بمصممين عالميين لتطوير تصميمات الأثاث المصنوع من الجريد ليصبح "مودرن" وينافس في القصور والفنادق الكبرى كـ أثاث بيئي فاخر، وإشراك منتجات الجريد في معرض "تراثنا" ومعارض الأثاث الدولية بدمياط والقاهرة، لتقديمه كمنتج "Made in Egypt" موجه للتصدير.
الجانب التشريعي والبيئي
اقرت الدولة عدد من القوانين منها قانون المخلفات الجديد، الذى وضع إطاراً يمنع حرق المخلفات الزراعية ومنها سعف النخيل ويحفز القطاع الخاص على تجميعها وتوريدها للمصانع، مما خلق "سوق تداول" للجريد أصبح فيه الفلاح يبيعه بدلاً من أن يحرقه.
"الجريد" وقود للصناعة بدلاً من الحرق
مع حظر الحرق واتاحة فرص عمل استثمارية لمشروعات بيئية تم إنتاج ألواح خشبية صلبة تستخدم في صناعة المطابخ والأثاث بديل للخشب المستورد، واصبح الأثاث البيئي مطلوب جداً في الفنادق البيئية في سيوة والجونة وأوروبا، و بدأت بعض التجارب الناجحة لتحويل ألياف الجريد إلى أرضيات شديدة التحمل باركية طبيعى باستخدام الايبوكسى.



