أحياناً، لا تحتاج العلاقات بين الدول إلى خطابات رسمية أو بيانات مشتركة كي تزدهر؛ يكفي خيطٌ ملون، أو لحنٌ قديم، أو عمل فني صغير يحمل ذاكرة شعبين.
هكذا تبدو العلاقة بين مصر والمغرب، علاقة لا تُقاس فقط بالاتفاقيات، بل بما راكمته القرون من محبةٍ وتلاقٍ روحي وجمالي.
منذ زمن القوافل الأولى، حين كانت الطرق تمتد من فاس إلى القاهرة مروراً بالحكايات والتجارة والعلم، ظلّ بين البلدين حوار صامت، لا ينقطع. حمل المغاربة علم الأزهر إلى مدنهم، وأخذ المصريون من الأندلسيات المغربية موسيقى تعبّر عن الشجن ذاته وإن اختلف المقام. وفي الأدب، والمسرح، والسينما، ظلّ كل طرف يرى في الآخر مرآة قريبة، لا غريبة.
لكن ما يجعل هذه العلاقة حيّة اليوم ليس التاريخ وحده، بل الإيمان بأن الثقافة هي أقوى أشكال الدبلوماسية. ففي زمن تحدث فيه التغيّرات بسرعة، يبقى الفن هو اللغة التي لا تخون.
في هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الجهد الثقافي الذي يبذله السفير المصري بالمغرب، أحمد نهاد عبد اللطيف، الذي يراهن على الفن كجسر إنساني، ويعمل على تحويل العلاقات الرسمية إلى تفاعل حي بين المبدعين والجمهور، بين الذاكرة واللحظة الراهنة.
من هنا يكتسب معرض "حوار تحت الخيمة"، الذي تنظمه السفارة المصرية بالمغرب بالتعاون مع جاليري عبلة عبايو للفن المعاصر بالرباط، والمقرر افتتاحه يوم الخميس 29 يناير في السادسة والنصف مساءً، دلالة تتجاوز كونه حدثاً فنياً عابراً. إنه استعارة كبيرة: الخيمة ليست فقط تراثاً، بل فضاءٌ للقاء، للحكي، وللاعتراف المتبادل.
فن الخيامية المصري، بما يحمله من زخارف مطرزة يدوياً وصبرٍ متوارث عبر الأجيال، لا يقف هنا بوصفه حرفة قديمة، بل كذاكرة حيّة تتجاوب مع الفنون النسيجية المغربية، التي تحمل بدورها روح الأندلس، ودفء المدن العتيقة، وألوان الأسواق القديمة. في هذا التلاقي، يصبح القماش صفحةً تُكتب عليها قصة مشتركة، وتتحول الإبرة إلى قلمٍ ثقافي يرسم ملامح أخوّة عميقة.
قد يبدو حديثي عن المعرض مبكرًا، وهو لم يفتتح بعد، لكن الفكرة في حد ذاتها ضرورية وتستحق التوقف عندها، فهذا المعرض بما يضمه من أعمال لفنانين ومصممين مصريين ومغاربة، لا يقدّم فناً فقط، بل يقترح نموذجاً لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الدول: تعاون لا يفرض نفسه، بل يُنسَج؛ حوار لا يُلقى من على المنصات، بل يُطرَّز بالصبر والجمال.
رأيي، كمواطنة مصرية تعتز بانتمائها المصري وترى في الثقافة جسرا أوسع من الجغرافيا، أن مستقبل العلاقات بين مصر والمغرب لن يُحسم في القاعات المغلقة بقدر ما يُحسم في المعارض، والمسارح، والمهرجانات، وورش الحرف، حيث يلتقي الناس بعيداً عن البروتوكول، وجهاً لوجه، وقلباً لقلب.
حين تتصافح القاهرة والرباط عبر الفن، لا يكون ذلك مجرد ترف ثقافي، بل فعل مقاومة ضد النسيان، وضد التفرقة، وضد اختزال العلاقات في الأرقام. فالثقافة هي ما يبقى، وهي الجسر الذي لا ينهار مهما هبت العواصف.
ربما، في كل غرزة خيامية تُطرَّز بين مصر والمغرب، هناك رسالة صامتة تقول: إن ما يجمعنا أعمق من أن يُقال… وأجمل من أن يُختصر.
إن تقوية أواصر العلاقة بين مصر والمغرب عبر الثقافة والفنون ليست مجرد مبادرات موسمية، بل مسار طويل يحتاج إلى دعم مستمر من المؤسسات الرسمية والمستقلة، وإلى إيمان راسخ بأن الإبداع هو اللغة الأصدق للتقارب بين الشعوب. ومع جهود دبلوماسية وثقافية مثل تلك التي يقودها السفير أحمد نهاد عبد اللطيف، تتجدد الآمال في بناء مستقبل تتعانق فيه القاهرة والرباط عبر الفن، كما تعانقتا عبر التاريخ.