فى يناير يجب أن نتعلم دائما، والأمم الفتية الحية هى التى تتعلم من دروسها، وتتمسك بوحدتها، ولطالما أثبت المصريون أنهم يمتلكون وعيا مكّنهم من تجاوز الكثير من التحديات، ويفصلون بين كون يناير مناسبة للتغيير، وأنها عيد للشرطة وبطولات مهمة فى مواجهة الاستعمار، وأهم دروس يناير، أن الدولة والمجتمع والناس يجب أن ينتبهوا ويتعلموا من الدروس والممارسة، فقد هبّت الطبقة الوسطى المصرية وملحقاتها، لتطالب بالتغيير للأفضل، بتصورات بسيطة، ونيات حسنة لدى الأغلبية، ونيّات غامضة لدى آخرين، لم يكونوا يمثلون الشعب كما زعموا، وإنما يمثلون أجندات وأطرافا خارجية، ظهرت فى نماذج من حولنا، تمثل بيانا علينا أن نتعلم منه، تضم ميليشيات تمثل دولا وأجهزة استخبارات، وكان الهدف كله إعادة تقسيم المنطقة، بقص ولصق، ووجدنا تحت رايات التغيير أنظمة تسلم أراضيها للاحتلال طوعا، وتتنازل عن خرائطها بكل سهولة، لنكتشف أن تنظيمات التطرف والحروب بالوكالة، تعمل تحت رايات دينية لأهداف تقسيمية.
كان أهم ما نتج فى يناير 2011 هو الأمل، ووجود إمكانية لتغيير الواقع، وبناء مستقبل أفضل، بسرعة انقلبت الصورة وظهرت تفاصيل لم تكن مطروحة ولا علاقة لها بمشهد الميدان، وخلف هذه الصورة الأيقونية كانت التداخلات والتقاطعات والتشابكات، والعلاقات التى بدت حتى أكبر ممن كانوا يتصدرون المشهد، بل إن الحدث كشف عن تسلط يسكن عقول كثيرين ممن كونوا قبل يناير، مطالب التنوع والاختلاف والحوار، فقد كشف طلاب الحرية والديموقراطية - يمينا ويسارا - عن تسلط أكثر عمقا وأشد تجذرا مما كان، ورأى كل فريق أنه يجب أن يحكم، وأن وجهة نظره هى التى يجب أن تسود، وبدا أن الصناديق والانتخابات غاية للوصول إلى أهداف ونتائج، وأن يركب فصيل قدم نفسه على أنه الأفضل وأنه شريك وجزء من الصورة فإذا به يقفز على الصورة ويتحول إلى فاشية بسرعة، وقبل حتى أن يتمكن.
خلال عام واحد فقط، كانت هناك أفكار بإنتاج وتشكيل ميليشيات وجيوش وعصابات، وتم إخراج إرهابيين ثبت إرهابهم من السجون ليحتلوا مكان المحافظ والوزير، وراجت أفكار الميليشيات لدى تنظيم عاش كل حياته فى الظلام، والواقع أن الإخوان حصلوا على السلطة بمباركة ومساعدة وتضامن نخب قدمت نفسها على أنها ثورية، واتضح أنهم مجرد ديكتاتورات يريد الواحد منهم منصبا وسلطة معنوية أو مادية، ولا يزال بعض هؤلاء يعيش حالة من التسلط متمسكا بأفكار بلاستيكية، ويعيشون استقطابا يمنعهم من الاعتراف بحق الآخر فى الاختلاف مع أفكارهم.، هكذا كشفت التفاصيل التالية للانتفاضة أن التسلط تحت جلد أطراف كثيرة تطالب بالحرية لنفسها وليس للكل، وترفض الاعتراف بحق الآخرين فى الاختلاف واعتناق ما يشاءون من أفكار.
ونعود لنكشف أن ما تبقى من زعامات الادعاءات الثورية، من تباهَى بالحرق، وحرض - وما زال يحرض - على العنف، أو يتباهى بموقفه الداعى للفوضى وتحطيم الدولة، ولم تُلفت نظرهم دول تفككت أو دخلت فى الفوضى، وفى وقتٍ ما بدا الأمل بعيدا، والسبب هو الانتهازية والطمع والسعى لسرقة إرادة الناس، وتقسيم الشعب فى ظل حكم المرشد والسمع والطاعة «إحنا وأنتم»، وهى سياسة أنهت دولا حولنا، وقادت أخرى إلى طريق بلا عودة، تم تقسيم الشعب بأشكال مختلفة لصالح استقطابات دينية وسياسية وتصنيفات، وظهرت حملات التكفير والتخوين لأهداف سياسية عندها هزم التطرف وأصبحنا أمام ديكتاتورية فاشية تجمع بين الدين والسياسة وتضع المختلفين فى دوائر التهديد.
كل هذه التفاصيل تختفى خلف غبار الزحام، البعض نسى او يحاول التغطية، ونجد رموز التغيير وهم يتباهون بحمل أسلحة ومتفجرات، او تافهين يتصدرون المشهد ويصطف خلفهم تائهون محبطون، وربما ي;ون من حسن الحظ أن الأجيال التى خدعتها الصور والشعارات عاشوا ليشاهدوا زعماءهم بلا غطاء، مجرد انتهازيين ومتمولين، فاحت روائحهم حتى فى الغرب الذى احتضنهم يوما، وبالتالى فإننا بحاجة لتذكر ما جرى، والتعلم منه، وأيضا التعلم من تجربة أتاحت الفرصة للانتفاضة باستمرار التكويش والتكلس والفشل والتحالفات المشبوهة بين المال والسلطة.
ربما يكون أهم درس ألا نصل إلى تكلسات وتقاطعات ما قبل يناير، وفى نفس الوقت نفرق بين ضرورة التغيير، وتداول السلطة، وتوسيع المجال والمشاركة، واستيعاب كل المواطنين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وبالتالى على الجميع أن يفرقوا بين حكماء فعلا، وهم أقلية لم تظهر، وبين انتهازيين أو ممثلين لمصالح وأجهزة من أجل التمويل.