حازم حسين

عن ذاكرة مصر وأيامها الناصعة.. عيد الشرطة وفضيلة الموضوعية والمراجعة فى يناير

الأحد، 25 يناير 2026 02:00 م


أربع وسبعون سنة مرت على الحدث، والزمن من عادته ألا يُبقى وهج الأيام الأولى على حالها، فتتقادم المناسبات فى وعى الناس؛ حتى وإن ظلت تتردد على ألسنتهم. وما كان فى الإسماعيلية قبل أشهر قليلة من ثورة يوليو 1952 لم يكن عاديا فى الشكل أو المضمون، وتأسست عليه سردية وطنية كانت جديرة بالاحتفاء، وما تزال؛ ذلك أنها لخصت سلسلة طويلة سبقتها من النضال فى مواجهة الاحتلال، وتجسدت فيها رغبة التحرر والتقاء الشعبى مع الرسمى على موجة واحدة؛ فكأنها كانت امتدادا للثورة الهادرة فى مارس 1919، ثم الاستقلال الجزئى فى 1922، ودستور 23، وحكومات الوفد سريعة التشكل والسقوط، ومعاهدة 1936 ثم إلغائها بقرار النحاس نفسه بعد خمسة عشر عاما، وصولا إلى حريق القاهرة وحركة الجيش التى احتضنها الشارع، فصارت ثورة شعبية بزغت فيها الجمهورية من بين ركام الملكية والفساد وسطوة الاستعمار الإنجليزى وخرابه العميم.

وأول استحقاقات البطولة على شط القناة، أن يوم الخامس والعشرين من يناير انتُزع من أجندة التقويم، ليُضاف إلى أيام مصر اللامعة. فصار عيدا لجهاز الشرطة عن جدارة لا مراء فيها، ومُلكية وطنية للأجيال ممن عاصروه أو جاءوا بعدهم، بحيث لم يعد يقبل الشطب أو الإلغاء، فقد يُضاف إليه ما يُستجد من وقائع تستأهل الاستبقاء والحفاوة، إنما لا يمكن أن تطغى طبقاته على بعضها، ولا أن تطمس إحداها الأخرى تحت أية ذريعة أو مبرر. فالذين استُشهدوا أو أُصيبوا فى ذلك اليوم البعيد، وثقوا بدمائهم الطاهرة حضور المناسبة فى الوعى العام إلى الأبد، ويُطلّون علينا من عليائهم فى كل سنة؛ ليُعاينوا حقيقة أنهم ما زالوا محل اعتزاز وتقدير من الأبناء الذين مُنحوا فرصة عظيمة للفخر، لا تنطفئ أضواؤها ولا تضيع روائحها الزكية.

شهد رئيس الجمهورية الاحتفالية السنوية بعيد الشرطة، أمس، كعادته التى لا تنقطع. صارت تتقدم يوما على موعدها؛ لظروف الأجندة الرئاسية أو مقتضيات اختصاصها بيوم لا تتنازعه الأحداث والذكريات، وفى الصبيحة التالية تكون كلمته الخاصة بمناسبة ذكرى ثورة 25 يناير. كلاهما يحمل التاريخ نفسه، ولا سبيل إلى التغيير أو تحريف التقاويم، وليس شرطا أن تنزاح مناسبة لحساب الأخرى؛ إذ يمكن أن تتجاورا ويحدث التوفيق بينهما بوعى يوقن أن الأوطان مركبة تركيبا عميقا ومعقدا، لا يجوز اختزاله فى عنوان، ولا يصح التبسيط فيه أو يتيسر من الأساس؛ شريطة أن يُنظر فى الأمور بعمق وحصافة، وأن تُمنح فضيلة المراجعة موقعها الواجب فى صدارة المشهد، بما لا يُسطّح الحاضر الذى نحياه، ولا يجور على التاريخ الذى نستند إليه ويشكل حيزا مهما من الذاكرة والهوية الجمعية.

فضلا على الكلمة البروتوكولية؛ أفسح الرئيس مجالاً عريضًا لحديث التقييم والمراجعة والتقويم، متناولا عناوين التطوير والكفاءة والإتقان، وما يجب أن تصير عليه المؤسسات داخليا، وفى علاقتها ببعضها. خرج على النص كثيرًا؛ ليُوجّه رسائل شديدة الأهمية، يُمكن أن تتنوع قراءتها لدى كل الأطياف بحسب موقعها من الإدارة؛ غير أنها تدور فى جوهرها على تخوم الحاجة الدائمة إلى النظر والفرز والإصلاح، واعتناء كل جهة بما عليها من أدوار ومسؤوليات؛ ثم الشراكة الجماعية التى تسمح بتجميد الأوضاع، ولا تُبقى المهام المطلوبة مُعلّقة على المبادرات الفردية أو فروق التوقيت بين الجهات.

البلد بكامله فى قارب واحد، وهكذا تكون البلدان أصلا، ولا أحد يختطف قطعة منها دون البقيّة، أو يحتكر الرؤية والرأى فى التفاصيل المملوكة للجميع على قدم التساوى. على أن ما يجوز مع الكيانات ذات الشخصية الاعتبارية، يجرى على الأفراد أيضًا، ويُلزم كل طرف بأن يستطلع صورته فى مرآة الآخر، بقدر ما ينشغل باستقراء مواقف المتفقين والمختلفين معه. وليس الغرض أن تُذاب الفروق والتمايزات بين الأطياف، أو يُنمّط المجتمع بتنوعاته فى صيغة واحدة؛ إنما أن نمتلك الحد الأدنى، اللازم والكفء، للتوصّل إلى لُغة تخلق الوفاق، وتستبعد الشقاق، وتُجيّر التنوّع لصالح الإثراء لا التنازع والتعطيل.

وليس أفضل من عيد الشرطة لإثارة المسألة؛ ذلك أنه مأثرة وطنية لها أبطال معروفون، وسياق لا يُداخله الشك، وسيرة زمنية طويلة هذّبت الخاص فيها، وأحالتها إلى دفتر المشاعية والعموم. بحيث لم تعد محصورة فى أصحابها الأصلاء، ولا موقوفة على الجهاز الذى يُمثّلهم وظيفيا، دون غيرهم من المُمثّلين فيه بحكم المصلحة والصلة التنظيمية، والنيابة عن المجموع فى تنظيم شؤونهم. أى أن رمزية المناسبة تجاوزت أطرافها جميعًا، ولم تعُد يوما يُمكن الاقتراب منه بمعزل عن سوابقه ولواحقه من أيام المجد المصرى، وبطبيعة الحال لا يجوز المساس به، ولا يؤثر فيه الادّعاء عليه بأحداث حقيقية أو مُتوهّمة.

بات التزامن بين عيد الشرطة وثورة يناير واقعا، وسيُلازم أعوامنا المُقبلة إلى أمدٍ بعيد، سواء أحب البعض ذلك أو كرهه آخرون. ولا أجد غضاضة لدى الدولة فى ذاك التلازم الذى فُرِض عليها ولم تختره؛ إذ تحتفى ببطولة رجال الأمن، ولا تُفوّت إحياء ذكرى الانتفاضة الشعبية أيضًا. والأخيرة تنص عليها مسوّدة الدستور الصادر فى 2014، ويُداوم الرئيس على تهنئة المصريين بها سنويا، وقبل أيام رفع رئيس الوزراء برقية تهنئة إلى الرئاسة بها، واشتمل قراره بشأن إجازة الخامس والعشرين من يناير على ذِكر المناسبتين معا.

يُصرّ البعض على اختراع خصومة وهمية، وممارستها بأثر رجعى ولا طائل منه؛ ذلك أن ما جرى قد جرى بالفعل، ولا مفر من الاعتراف به اليوم واقعًا، وليس فى إمكان أحد أن يعود فى الزمن إلى الوراء ليُصوّب مسار التاريخ. والموقف الرسمى أنضج كثيرًا من مواقف قطاعات عديدة، للمفارقة أنها من النخبة لا عوام الناس. وسواء جاء بعد مُراجعة أم بتصالُحٍ بديهى مع الحقائق؛ فإنه يُعبّر عن جِدّة عقلية فى مقاربة الأمور دون حرج أو تحسُّس، وبلا مراهقة لا معنى لها، وهو ما يغيب عن بعض تيّارات المجتمع المدنى للأسف.

لا وجه لإثارة خلاف التعريف بشأن اليوم، وهل يخص العيد أم الثورة. فالحال؛ أن للشرطة سابقة بطولة فيه، لا يُنكرها أحد حتى الذين تغلُب الأيديولوجيا والقراءات الساذجة للوقائع على فكرهم وسلوكهم. وفى المقابل؛ فإن توالى الأحداث عليه لن يُغيّر حقائقه المستقرّة، وما البساطة هنا وهناك إلا نتاج عجز عن استيعاب التعقيد الطبيعى فى أحوال البلدان ومعاشها، وغياب للقدرة على التوفيق بين الحكايات التى صار تجاورها نهائيًا ولا مجال لتعديله. والغالب أن قطاعًا عريضًا من أهل المجال العام، ما زالوا يفتقدون الحصافة والنضج، وفى حاجة إلى المراجعة الغائبة.

كُنت مع الغاضبين فى يناير قبل خمس عشرة سنة، وأخذتنا الدراما المُعقّدة من فُسحة التبصّر والتدبر، فغلب على كثيرٍ منا نُزوع إلى التبسيط، وتعبئة الغثّ والسمين فى الكيس ذاته. وإن كانت للسنوات الماضية فضيلة تُذكَر؛ فهى أنها أتاحت لنا نطاقًا عريضًا للرؤية على فاصل من السخونة والاحتدام، وأن نُعيد قراءة ما عبرناه لاهثين، بقدر من التؤدة والتعمُّق فى الإشارات ومضامينها؛ من دون ادّعاء للبطولة، أو توهّم للعصمة، ولا أن يعمينا الاعتداد بالذات، عن الاعتراف بالعثرات.

وأوّل ملاحظة تستوجب التوقف؛ أن اختيار اليوم لم يكن بريئا على الإطلاق. لم تكن الأوضاع مثالية فى السياسة والإدارة، ومآخذ الشارع لم تكن خيالية ولا غضبه مُصطنَعًا، وحتى لو امتدت الملاحظات إلى الحالة الأمنية؛ فإن تحديد الخامس والعشرين من يناير لم يكن خصومة مع حاضر ردىء؛ بل تصويبًا على ماضٍ ناصع، يخص البلد بمؤسساته ومواطنيه، بقدر ما ينتمى إلى الشرطة أو أكثر. وما كان يُضير الداعين أن يتقدموا أو يتأخّروا يومًا؛ بل إن التصعيد الفعلى جرى بعد ذلك بثلاثة أيام، ما يُشير إلى رغبة لا نعرف مصدرها؛ لانتزاع تاريخ بعينه من الروزنامة المصرية، وتحويل ما يخص الجميع معًا، إلى منصّة للتصويب على النظام السياسى وقتها.

وفيما وراء ذلك، ما تزال الغوامض أكثر وأعلى من المُعلن والمطروح على قارعة الطريق. لا فى اقتحام الحدود والسجون وإحراق مراكز الشرطة فحسب، وكلها تجاهلتها القوى السياسية والثورية وقتها، بل فى خروج مُتّهمى جماعة الإخوان من زنازينهم إلى واجهة المشهد بين بقية التيارات، وجلوس قادة الأحزاب المدنية معهم على طاولة واحدة، وانخراط آخرين تحت عباءتهم فى الانتخابات وغيرها، وصولاً إلى الصمت أو الحياد الرمادى حتى اليوم من بعضهم، فى مواجهة خروقات التنظيم المادية الخشنة بين 2011 و2013، وممارساتهم الدعائية التى لا تقل خشونة وإجرامًا من الخارج حتى الآن.

اضطُرّت المؤسسات الرسمية إلى التعاطى مع الحالة السائلة واستيعابها؛ لأن الأجواء كانت مشحونة ويُنفَخ فى نارها قصدًا، وأهل السياسة من كل الأطياف وفّروا غطاء مدنيا للرجعية الدينية، أو توقّفوا عن اختصامها والتصدّى لأفكارها الحارقة، رغبة فى النجاة من يدها الباطشة، أو طمعًا فى اقتسام المكاسب معها عندم تلوح لهم سانحة.

لم يعتذر بعض الناصريين ممّن ترشحوا على قوائم الحرية والعدالة بعد، ولا تاب الاشتراكيون الثوريون ومَن شابههم عن التنسيق مع الإخوان، ودعم مرشّحهم للرئاسة بدلاً من بقيّة الخيارات التى كانت مطروحة، وأدناها الرفض والمُقاطعة. أُغلِق الملف عمدًا على الشراكة فى الفعاليات الثورية وعلى المنصات، واختراق عناصر الجماعة لائتلاف شباب الثورة وغيره، والتوافقات المشبوهة فى فيرمونت، وما قبلها وبعدها، بل لم يعتذر أصحاب سقطة الدبلوماسية الشعبية فى إثيوبيا، وشركاء المعزول مرسى على طاولة المؤتمر المُذاع تليفزيونيا عن سد النهضة، وكانا من أسباب تعقيد الملف وإضعاف موقف مصر فيه، عندما كان المشروع الأسود فى بواكيره ولم يتجسّد واقعًا، أو تتوافر له التمويلات قبل تلك النزوات المُراهقة.

أتصوّر أن البعض لم يُغادروا خيام التحرير فى وعيهم حتى اليوم، فضلا على فريق لم يستوعب ما جرت به مقادير الأعوام التالية، أو يُكابر رغم استيعابه رافضًا الإقرار بما انزلقت إليه النخب والأحزاب من ممارسات فجّة أو ساذجة. وربما لولا الرمادية السياسية والانقسام على الذات؛ ما تمكّن الإخوان من اختطاف البرلمان والسلطة التنفيذية بالسهولة التى رأيناها، ولا عاثوا فسادًا فيهما خلال أقل من سنة واحدة كما حدث، أو كلّفونا ما تكبّدناه بعدها لسنوات طويلة تالية مع الإرهاب وحروب التشنيع والدعايات المُوجّهة.

أفاض كثيرون فى الحديث عن الأيام الثمانية عشر الطاهرة، وكانت لُعبة احتيالية أكثر من كونها حقيقة فعلية. ذلك أن الاندفاعة الشعبية لم تفرز ولم تنتقِ، واختلط فيها الحابل بالنابل، والطيبون مع الأشرار، وما رُفع العنوان وقتها إلا لرغبة فى تنزيه الفعل البشرى عن اللوم والمؤاخذة الساريين على بنى آدم جميعًا فى كل الظروف، ثم اتخاذ تلك الصورة المُتخيّلة مرجعية تُقاس عليها الوقائع التالية، فيكون بوِسع الإخوان ومَن رغب معهم من الراغبين أن ينتقدوا مُعارضيهم لاحقا، بزعم أنهم مُوجّهون ومصنوعون ولا يُشبهون شباب الأيام البريئة.

لم يخلُ الميدان وقتها من السلوك المعتاد خارجه، لجج ومشاحنات واعتراضات وسرقات، نزاعات على الدور والمكانة والمنافع؛ وأقلّها وأبرزها الحصول على صكّ الثورة صباحًا، للظهور به على شاشات التليفزيون فى المساء. والمنطق البسيط؛ أن الشعوب لا تتحوّل أو تتنمذج بضغطة زرٍّ، وأنها لا يمكن أن تكون كلها ملائكة أو شياطين؛ بل مزيج بين الاثنين؛ أى أنهم بشر طبيعيّون فيهم النور والنار، وهكذا كانوا فى التحرير كما فى سواه، فأخطأوا وأصابوا، وظلّوا على حال التأرجح بين الاستقامة والتعثّر، إلى حين الاستدراك على أنفسهم ونُخبهم التى تصدّرت للواجهة دون اختيار أو تفويض، وذلك بالطريقة الشعبية الخالصة فى 30 يونيو 2013.

والأخيرة نُعرّفها بالثورة من باب التأطير اللغوى؛ غير أنها موجة مُتمّمة ومُصوّبة للموجة الأولى؛ فكأنها كانت تُحرّر يوم 25 يناير من الاختطاف والاستقطاب، وتُعيده إلى أصله الذى لا علاقة له بالغضب من وزارة أو إدارة. كلاهما ثورة واحدة، وتُؤخذ حصيلتهما معًا فى موضع الاعتبار والنظر اللاحق فى التجربة، مثلما شهدت الثورة الفرنسية مثلاً ثلاث موجات فى سنواتها الأولى، ثم اكتمل معمارها لاحقا بحدثين بارزين فى القرن التاسع عشر، وتوالى الانتقال من الملكية للجمهورية، وصولا إلى تتابع الجمهوريات حتى وصلت إلى نسخة ثالثة تجلّت فيها ملامحها بوضوح، واستمرّت لنحو سبعة عقود حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

والطابع الشعبى غير المُنظّم لجولة يونيو؛ إنما يُنمُّ عن قصور لم تضطلع به القوى السياسية النظامية وقتها. فكان أن تقدّم الشعب لإنجاز المهمة بالأصالة، محميًّا بالمؤسسات التى رفضت التطويع وابتلاعها لصالح مشروع الأصولية الإخوانية. فنعود من جديد إلى بطولة ثانية، تُحسَب للشرطة كما للجيش، ولو أن المؤسسة الأمنية استكانت للجماعة لما تيسّر لمعارضيها الإعلان عن أنفسهم فى الشوارع طوال سنة، وحتى الإطاحة بها من سِدّة الحُكم. ويُمكن القول إن 30 يونيو كانت مصالحةً؛ لا بين الناس والداخلية، لأنها كانت خصومةً مصطنَعة أصلاً، إنما بين الحاضر والذاكرة.

يُمكن الجزم بأن الأغلبية الشعبية لم تتورّط فى اللعبة من الأساس، ولم تجد تعارضًا بين أصل اليوم الذى يُذكّرهم ببطولة وطنية باقية، ويتحصّلون فيه على إجازة رسمية، وداخلة التحولات السياسية التى أفضت إلى تغيير وإعادة هيكلة لبنية السلطة. سواء رأى أهل التنظير أنها اكتملت كثورة حقيقة أم لم تكتمل؛ ذلك أن الفصل بين الثابت والمتحوّل فى معمار الدولة يصعب فرزه بالورقة والقلم والمؤشرات الحسابية، وما جرى بالفعل أنتج نظاما جديدًا؛ وإن أبقى على بعض المكونات والتوازنات وعلاقات القوى بين المؤسسات؛ فالدول لا تُنقَض إلى السطح، ولا يُعاد بناؤها من نقطة الصفر.

الخامس والعشرين من يناير يوم الشرطة، كما يُوثّق هبّة شعبية صارت حدثا مفصليًّا فى ذاكرة مصر الحديثة، ولا تعارض بين الأمرين. الدولة تحتفى بهما معا، وعلى قدم المساواة، والشارع أيضًا، وعلى الباقين فى الماضى من النُّخب أن يُراجعوا أنفسهم، لا فى هذا الشأن وحده؛ بل فى كل ما يخص الثورة وشقوقها وإخفاقاتها، والاتهامات التى سِيقت بحقّها وبدت كيدية، أو الشبهات التى أحاطت بها وتأكّدت لاحقا. سوءات الساسة والأحزاب، انتهازية بعض الشباب والائتلافات، والمصالح والتنفيعات التى جارت على تيّارات، ورفعت غيرها بدون وجه حق.

فضيلة المراجعة قد تكون فريضة فى بعض الحالات؛ ذلك أنها مدخل ضرورى إلى التقييم والتقويم، وضمانة لعدم تكرار الأخطاء، أو استمراء الأوهام التى لا جذور لها، وتنقية الثوب مِمّا حاق به وخالط بياضه وقتها. إعادة كتابة السردية بقدر أكبر من التواضع والموضوعية، وإخراج المُحتالين والطابور الخامس من عِدادها، كما فى حال الإخوان والذين يشبهونهم، وقبل هذا الإقرار بغياب التوفيق عن المُزامنة؛ سواء كانت عارضة أو مقصودة، وإعادة الاعتبار للخامس والعشرين من يناير كعيد للشرطة أوّلا، ثم أى شىء آخر بعد ذلك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة