فى شهر يناير من كل عام ما بعد 2011، تحل ذكرى، يسرد كل واحد من زاويته، البعض سرد مشاعره وأحاسيسه، وذكرياته، بينما يتذكر البعض الحرائق والفوضى والعنف الذى انطلق من مناطق مجهولة، بل إن بعض من اعتبروا أنفسهم ثوريين كانوا يعتبرونها ثورة ضد الشرطة، فى عيد ارتبط بمكافحة المستعمر وبطولات أبناء مصر، وهنا كانت الرموز متناقضة، والخلط واضحا.
والمفارقة أن هناك من كان ـ وربما لا يزال - يقدس العنف والحرق والقتل، باعتباره فعلا ثوريا، بينما يشير كثيرون إلى ان ما جرى لم يكن ضمن التغيير، لكنه فوضى كادت تشمل البلاد وتدخلها فى تجارب لا تزال ماثلة فى دول إقليمية ذهبت فى طريق بلا عودة، ولا يزال بعض فلول العنف والمحرضين على الفوضى بلا هدف، يمارسون عمليات من «السب» والمزايدة والهتاف الحنجورى، من دون أن يتذكر أحد لهم موقفا، تساندهم «لايكات» أعداد من المحبطين وفاقدى الأمل، الذين كنستهم الأحداث وفقدوا توازنهم وانتهوا مجرد كُتاب «بوستات» حزانَى على شاطئ النهر.
المصادفة وحدها هى التى ربطت بين قصة علاء الذى سافر إلى لندن بعفو، واضطر للاعتذار عن «تويتات» و«بوستات» يحرض فيها على الأوروبيين والرجل الأبيض، ورافقتها «تويتات» تكشف عن دموية وعنف وتحريض خال من أى حس ثورى، ليستعيد الكثيرون صورا وتفاصيل بعض من تصدروا المشهد باعتبارهم زعماء، أو «خبراء ثورات» وهم مجرد ناس تتكلم وتجيد استعمال «فيسبوك» و«تويتر»، أنصاف متعلمين يجوبون الدول ليشرحوا «الثورات»، ولا يزال «يوتيوب» يحتفظ بعشرات ومئات الفيديوهات «الكوميدية» لهؤلاء وهاتيك وهم وهن يتكلمون «اللغة الثورية الفصحى»، بل ويتنافسون على لقاء المجلس والسفراء والمخططين والمثمنين، وأحيانا كان هناك من يدافع عن عملاء وجواسيس تم ضبطهم فى ميدان التحرير «جرابيل نموذجا».
ربما يكون من ميزة الصحافة وأدوات التواصل هى « الأرشيف» الذى يحتفظ بالمواقف والأقوال، والبرامج التى تكشف كيف كانت انتفاضة يناير 2011، شاهدا ومفرخة وكاشفة عن الكثير من الانتهازيين والنصابين والمدعين. ومن يستعرضون ويهدفون إلى جمع أموال أو مواقع، بينما كانت الأغلبية تريد بالفعل التغيير، وأصابها الملل والقنوط من التكلس والتكويش، والواسطة والمحسوبية، يناير لم تكن ثورة جياع لكنها ثورة طبقة وسطى أرادت التغيير للأفضل، لكن من تصدروا المشهد كانوا يجرونها إلى مصائر التفكك والصراع والصدام والفوضى، والإرهاب الذى فكك دول، هناك فارق بين تغيير يقوم به من يعرف، وآخر يقوم به من يريد مصالح أو تمكين تنظيم إرهابى متطرف.
لسنا هنا فى مجال مزايدة، لكننا نقول إن من كانوا شبابا فى العشرين والثلاثين، أصبحوا كهولا يقتربون من الأربعين والخمسين، بينما أطفال هذه الفترة ومراهقوها، يقتربون من نهاية عقدهم الثالث، بمعنى أن الأجيال كلها دخلت عالما آخر، بشكل لا تناسبه المزايدة والمعايرة والكيد المتبادل.
ويتجاهل البعض الآخر كيف كانت الأحداث كاشفة عن ثغرات وعشوائية وفراغ وفوضى، بل إن التجربة والنخب التى تصدرت المشهد سلمت البلد خالصة لتنظيم الإخوان، بكل يسر، ولو لم ينتبه الشعب المصرى، لكنا مثل دول يحكمها إرهابيون أو دول دخلت فى صراعات وفوضى وأصبحت مجالا للتدخلات والتقاطعات.
كانت هناك نماذج إيجابية اختفت خلف غبار المزايدين والمتمولين، الذين لا أحد يعرف لأغلبهم مهنة، بل إن منظمات ترفع شعارات حقوقية و تقبض و«اللايك بأحسن منها»، بل إن بعض من يمارسون الشتم ويفتقدون إلى أى قيم ثورية، اغتنوا من قنوات وتمويلات، وبعضهم تحالف مع الإخوان، ولا يزال يخدمهم مباشرة، أو بشكل غير مباشر، بينما يفترض الآن أن نسير نحو مزيد من المشاركة، ونغلق أى أبواب تنفذ منها الفتن، نوسع المشاركة والحوار وننظر للمستقبل فى ظل تفاعلات وتحديات كبيرة تجتاج العالم، لا يصمد فيها غير المتمسكين بالعلم وتكافؤ الفرص والعدالة، والمشاركة، بعيدا عن المزايدة والإحباط، ولدينا المزيد، عن الأغلبية الصامتة والأقلية المزايدة.

مقال أكرم القصاص