- كيس الدم الصغير بـ 96 دولارا والفصائل النادرة تصل لـ 500 دولار
- 22 فصيلة دم للكلاب.. وواحدة منهم تحول الكلب إلى "كنز متحرك" وتشعل سوقا بملايين الدولارات
- الكلب الواحد يمكن سحب 450 مللي دم منه كل 6–8 أسابيع..
- جمعيات حقوق الحيوان تُدخل الدولة فى حلقة مفرغة لعدم حل أزمة الكلاب الضالة حفاظا على البيزنس.. استمرار الأزمة يضمن تدفق فصيلة الدم النادرة لتنفيذ عقودهم للتصدير..
كشف الدكتور مصطفى الجعفري، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة، الباحث بجامعة إلينوي الأمريكية، خبايا ما وصفه بـ"البيزنس الأسود" من دماء الكلاب الضالة وتصديرها من مصر إلى أمريكا مقابل الدولارات.
وقال الجعفري، في حوار خاص لـ"اليوم السابع"، إن كيس الدم الواحد من الفصائل النادرة يصل سعره لـ 500 دولار، مؤكدا أن بعض جمعيات حقوق الحيوان تتربح من هذا النشاط، ولطالما كانت منذ سنوات عقبة أمام الدولة لحل أزمة الكلاب الضالة، وأضاف أن الكلب البلدي المصري يمثل كنزا متحركا ومنجما للأجسام المضادة مطلوبا عالميا، محذرا من ازدواجية المعايير بين العمل الحقوقي والتجارة بدماء الكلاب الضالة.
• نص الحوار:
- في البداية، ما المقصود بتصدير دماء الكلاب؟ ومتى بدأ هذا النشاط؟
الموضوع يشبه ما يحدث مع البني آدمين بالظبط؛ فالبشر يحتاجون لنقل الدم في أوقات معينة نتيجة حادثة، أو نزيف، أو فقدان كميات من الدم، وفي بعض الأمراض نحتاج لنقل دم كامل، مثل حالات النزيف أثناء العمليات الجراحية، أو الحوادث، أو عند حدوث انفجار في الطحال، وكذلك في حالات مشاكل سيولة الدم، وعلاج لبعض الأمراض الفيروسية، وأيضا اسشتخدامها في البحوث العلمية، والحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط تختلف عن بقية الحيوانات في أنها تعيش مدى حياتها مع أصحابها، وليست كالبقر والأغنام التي تذبح في عمر معين، قبل أن تصل لأعمار متقدمة، وهذا يجعلها عرضة لأمراض كثيرة، وطبعا أصحابها مرتبطون بها جدا ومستعدون لدفع الغالى والثمين لإنقاذ حياتها لأن الكلب بالنسبة لهم هو فرد من العائلة.
ولأن كل بلد يحتوي على بنوك دم، ومصر لديها بنك دم، وهناك بنوك دم في الدول الأجنبية، فإن أي صاحب عيادة أو مستشفى بيطري يحتاج لدم لحالات الطوارئ لديه يقوم بطلبه وشراءه من بنك الدم، وهذا أمر طبيعى، لكن ما يحدث في مصر هو أن هناك أشخاصا من جمعيات حقوق الحيوان تعاقدوا مع بنك الدم الأمريكي وبدأوا في تصدير الدم، وهذا النشاط ليس وليد اليوم، بل هو قائم ومستمر منذ ما يقرب 4 سنوات.
- هل توجد فصائل دم مختلفة لدى الكلاب؟
نعم، تماما مثل البشر، الكلاب لديها 8 فصائل دم أكثر شيوعا تمثل 80-90% من الكلاب، والإجمالي 22 فصيلة، وهناك فصيلة تسمى اليونيفرسال دونر (Universal Donor)، وهي توازي فصيلة O السالبة لدى البشر، واختصارها (DEA 1.1 negative)، وهذه الفصيلة التي يمكن نقلها لجميع الكلاب دون حدوث أي تفاعلات أو رفض لخلايا الدم.
القضية ليست متعلقة بفصيلة نادرة حصرا، بل بوجود بنوك دم في مختلف الدول، بما فيها مصر، وبالفعل هناك تعاقدات مع بنوك الدم الأمريكية لتصدير الدم والبلازما، من جانب عددا من جمعيات حقوق الحيوان، والهيئة العامة للخدمات البيطرية طرف في هذه التعاقدات، حيث يستخدم الدم لتصنيع أمصال، حيث يتم فصل البلازما واستخلاص الأجسام المضادة.
أما أهمية الكلب الضال في مصر، فهو يرجع إلى أن الكلاب البلدية المصرية معرضة للكثير من الأمراض المتوطنة في مصر مثل "البارفو"، مما يجعل دماءها مصدرا غنيا للأجسام المضادة التي تستخدم في تصنيع أمصال لعلاج البارفو في الولايات المتحدة الأمريكية.
- ما هي الأسعار المتداولة للتصدير؟ وما آليات التسعير؟
"فصيلة الدم هي العامل الأساسي الذي يحدد السعر، والأسعار تختلف تماما من فصيلة إلى أخرى؛ وبالتأكيد فصيلة 'اليونيفرسال دونر' هي الأغلى في السعر، وأي فصيلة ثانية تكون قيمتها أقل نسبيا.
فعلى سبيل المثال، هناك فصيلة تسمى (DEA 1.1 positive) يصل سعر ال 60 مللي منها إلى حوالي 86 دولار، في حين أن الفصيلة النيجاتيف (DEA 1.1 negative) وهي فصيلة 'اليونيفرسال'، كان كيس الدم الصغير منها (سعة 60 مللي) يباع في أمريكا ب 95 دولار، بل إن أسعار هذه الدماء تصل فعليا في بعض الأحيان إلى 500 دولار، وبناء على هذه المعطيات، فإن الجهة التي تقوم بتصدير الدم تكون حريصة جدا على اختيار وفحص الكلاب التي تحمل فصيلة دم 'اليونيفرسال دونر" تحديدا، لأنها تمثل الفصيلة الأغلى سعرا والأكثر طلبا والأكثر ربحية في هذا البيزنس."
- ما حجم الدم الذى يمكن سحبه من الكلب الواحد في المرة الواحدة؟
حجم الدم الذي يمكن سحبه يختلف حسب وزن الكلب، ولكن إذا تحدثنا عن المتوسط، فالكلب المصرى الضال يزن في المتوسط 25 كيلوجراما، ويمكن أن يسحب منه في المرة الواحدة كمية تصل إلى 450 مللي، أما عن الفاصل الزمنى بين السحبة والأخرى، علميا مالا يقل عن 6 أسابيع، بشرط التغذية وتعويض الحيوانات بالمعادن والحديد والفيتامينات، وهذا الجدول الزمني ما يتبع عالميا إذا أردنا الحفاظ على حياة الكلب، خاصة وأنه في هذا النشاط يعامل ك "ثروة" لأن دمه يباع بآلاف الدولارات سنويا.
وبالنسبة للعمر، فمتوسط عمر الكلب البلدي في الشارع يتراوح من 5 إلى 7 سنين نتيجة الظروف، ولكن في حال توفرت له الرعاية الجيدة والتغذية السليمة، فالكلاب يمكن أن تصل أعمارها إلى 10 و11 سنة وأكثر، ولكن هذا لا يعنى أن يستغلوا في التبرع بالدم طوال حياتهم، ولكن فعليا العمر الإنتاجى لهذه الحيوانات لا يجب أن يزيد عن 4 سنوات من عمر النضج بحد أقصى.
- وهل هذا النشاط معترف به قانونيا في مصر والعالم؟
نعم، هذا النشاط معترف به قانونيا ولا توجد به أي مشكلة من الناحية القانونية على مستوى العالم، فهو في النهاية يصنف ك "بيزنس" وتجارة مشروعة، أما بالنسبة للوضع هنا في مصر، فالموضوع معترف به أيضا، وقد حدث الأمر بشكل رسمي، والقائمون عليه حصلوا على تصاريح من وزارة الزراعة، وتحديدا من الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وذلك في مقابل سداد رسوم تبلغ "واحد في الألف" من قيمة العقد أو قيمة هذه المنتجات، وذلك وفقا لما صدر على لسان مدير الحجر البيطرى والبحوث بوزارة الزراعة، والهيئة تحصل على هذه الرسوم في مقابل القيام بكافة الفحوصات اللازمة للتأكد من خلو الدم من أى أمراض، وبناء عليه فإن تصدير الدماء من الناحية الإجرائية رسمي وقانونى.
- أين تكمن المشكلة إذن في تصدير دم الكلاب؟
المشكلة ليست قانونية إلى الآن، بل أخلاقية، وتشكل نموذج صارخ لإزدواجية المعايير، فالقائمون على هذا النشاط هم نشطاء في مجال حقوق الحيوان في مصر، كيف يمكن المطالبة بالرحمة بالحيوان ومهاجمة كليات الطب البيطري لاستخدامها الحيوانات في التعليم، رغم أنه أمر طبيعى جدا ومتعارف عليه دوليا، وهاجمة وتشهير بالعديد من الأطباء البيطريين والمسئولين أثناء قيامهم بأداء واجبهم تجاه الكلاب الشرسة، أو العقورة، بينما في الوقت ذاته يتم استغلال الكلاب كمصدر للدماء ليتم تصديرها إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقابل ملايين الدولارات.
وما يثير الشكوك حول الأمر، هو أن تصدير دم الكلاب ظل سرا ولم يكشف إلا بالصدفة على لسان أحد مسؤولي الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وهنا لابد من توضيح إن كانت وزارة التضامن هي التي منحت هذه الجمعيات ترخيص العمل في مجال الرفق بالحيوان، فهل تسمح الوزارة لجمعيات حقوق الحيوان بتصدير دماء كلاب الشوارع؟ وهل هذه الكلاب ملكا لهم لتبيع دمائهم للخارج؟ أم أنهم ملكية عامة للدولة؟ وهل تم تسجيل هذه الأموال فى ميزانيات الجمعيات وهل تم دخولها إلى مصر بشكا رسمى؟ وهل تم تحويل تلك الدولارات إلى جنيه مصر بشكل رسمى؟ وهل وزارة التضامن الاجتماعى على علم بذلك؟ وما هي الاستفادة التي تعود على الدولة من هذا المشروع؟
خاصة أن هذه الجمعيات معفاة من الضرائب وتتلقى تبرعات من المصريين والعديد من الأجانب، والتي من المفترض أنها لأغراض خيرية لمساعدتهم على إنقاذ حياة الكلاب ورعايتهم، لكن الموضوع تحول إلى مكاسب مادية ضخمة تقدر بأكثر من مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فقط من تصدير الدماء، فهل كان المتبرعون داخل مصر وخارجها على علم بهذا النشاط التجارى؟ وهل كانوا على علم بأن الكلاب الضالة التي يتبرعون لها هي نفسها ذات الكلاب التي تستغل لبيع دمائها للخارج مقابل ملايين الدولارات؟
بالطبع لا، لأنهم أعلنوا بالفعل منذ أيام قليلة برغم أنهم يمارسون هذا النشاط منذ سنوات عديدة، فقد قاموا بتصدير أكثر من 3000 كيس دم من الحجم الكبير خلال الثلاث سنوات الماضية فقط.
- ما تعليقك على إدعاء بعض الجمعيات الحصول على المساعدات للصرف على رعاية الكلاب؟
وأين تذهب فلوس المتبرعين الأجانب والمصريين، وأين تذهب أموال الإنقاذ، وأين تذهب الأموال التي يتم الحصول عليها من المواطنين لمساعدتهم على التخلص من الكلاب الضالة في التجمعات السكنية، التي تقدر بـ1000 إلى 2000 جنيه على الكلب الواحد حسب الاتفاق بينهم، أين تذهب كل هذه الأموال، ذلك بخلاف مساعدات جمعيات الرفق بالحيوان الدولية لهم، اين تذهب هي الأخرى؟ وأين الرقابة من الدولة على هذه الأموال؟ وأين رقابة الدولة على مشروع تصدير الدماء؟
- ما المنتجات التي تصنع من هذه الدماء؟
دماء الكلاب الضالة المصرية تعد "منجما" للأجسام المضادة نظرا لتعرضها المستمر للأمراض في الشوارع، مما يجعل جهازها المناعي قويا جدا، وتستخدم هذه الدماء في تصنيع عدة منتجات بيطرية حيوية، أبرزها: الأمصال العلاجية "سيرا" حيث تفصل البلازما وتستخلص منها الأجسام المضادة لعلاج بعض الأمراض الفيروسية.
فضلا عن استخدامات البلازما في تصنيع بعض الأدوات التشخيصية لبعض الأمراض في الكلاب والتي تستخدم بشكل شائع في العيادات والمراكز البيطرية، بالإضافة إلى احتواءه على الأجسام المضادة المركزة التي تدخل في تطوير تقنيات علاجية وبيولوجية متخصصة داخل المختبرات العالمية، بالإضافة إلى استخدامه في نقل البلازما المركزة، لعلاج بعض أمراض سيولة الدم الوراثية وغير الوراثية الناتجة عن بعض أنواع التسمم.
مع مراعاة أن كيس الدم الكامل ليس صالحا للاستخدام للأبد، بل مدة صلاحيته تصل إلى 6 أسابيع فقط؛ فإذا لم يتم بيعه خلال هذه الفترة لاستخدامه في عمليات نقل الدم المباشر، تقوم بنوك الدم في الخارج بفصل البلازما واستخدامه فيما سبق ذكره.
علما بأن كافة هذه الاستخدامات قاصرة تماما على الاستخدامات البيطرية فقط، أي من الكلاب وإلى الكلاب، وليس لها أي علاقة بالصناعات الدوائية البشرية كما قد يتصور البعض.

الدكتور مصطفى الجعفري
- من وجهة نظرك.. لماذا تتدخل بعض الجمعيات في سياسات الدولة لمواجهة أزمة كلاب الشوارع والتي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة، نتيجة هذه التدخلات؟
من وجهة نظرى الشخصية، مصدرين دم الحيوانات للخارج هو المستفيد الأول والوحيد من استمرار وبقاء الأزمة، فالسر يكمن في البحث عن كلاب ذات فصيلة الدم النادرة 'اليونيفرسال دونر"، لأنهم يحتاجون إلى زيادة عدد القطيع واستبدال الكلاب وتغييرهم كل من 3 إلى 4 سنوات، وللعلم أن هذه الكلاب نادرة، وبالتالي هم المستفيدون من زيادة تكاثر الكلاب في مصر، فكما اتضح للجميع أن تصدير دماء الكلاب بيزنس ضخم جدا يدر ملايين الدولارات.
الأمر الآخر والأخطر، هو أن هذه الكلاب المختارة لها 'عمر إنتاجي' محدد؛ فبعد مرور عدة سنوات من السحب المستمر، تقترب هذه الكلاب من الموت أو العجز، وهنا تبرز الحاجة الملحة لبدائل جديدة، ولأن هذه الجهات ملتزمة بتعاقدات توريد دولية مع بنوك دم عالمية، فما أظنه أنهم فى حالة بحث دائم ومستمر عن أعداد جديدة من الكلاب الضالة، فهي في حالة بحث دائم ومستمر عن أعداد جديدة من كلاب الشوارع لفحصها واستبدال الهالك من قطيعها، وهذا يفسر سر استماتة تلك الجمعيات في بقاء أزمة الكلاب الضالة وتزايد أعدادها في الشوارع، لأن استمرار "البيزنس" الخاص بهم مرتبط بوجود مخزون هائل من الكلاب متاح للفحص والاستبدال."
- ما الحل من وجهة نظرك؟
الحل يكمن في الفصل بين النشاط التجاري والعمل الحقوقي، هذه تجارة مشروعة وتنقذ حيوانات أخرى خارج مصر، لكن من غير الأخلاقي أن تدافع عن حقوق الحيوان وفى نفس الوقت تسيئ استغلاله بشكل قاسى لا علاقة له بالرفق بالحيوان للتربح الشخصى، خاصة وأنها تتلقى تبرعات ورسوم إنقاذ من الكومباوندات.
إما أن تكون جهة تجارية أو جمعية حقوق حيوان، لكن الجمع بينهما، خاصة مع التأثير المباشر والتدخل فى سياسات الدولة واستراتيجيتها لمعالجة مشكلة الكلاب الضالة والضغط على المسؤولين بكل الطرق، يطرح إشكالية أخلاقية كبيرة، وكيف يكون من يستفيد من المشكلة هو من يضع الحلول والاستراتيجيات مع مسؤولين الدولة لحل المشكلة؟ نحن أمام إزدواجية صارخة بالمعايير واستخفاف بالمسؤولين والشعب وعقول العلماء، وهذا نداء منى لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، والدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، لاتخاذ اللازم ومراجعة جميع الاستراتيجيات التى تم وضعها لمواجهة الأزمة بمشاركة هذه الجمعيات، حتى لا تدخل الدولة فى دائرة مفرغة لن تؤدى إلا إلى تزايد وتفاقم هذه الأزمة.