** نسب الطلاق تواصل الصعود رغم جهود الدولة
** الزوجات فى عمر 20- 30 الأكثر تضررًا وأصحاب التعليم المتوسط والأميون يشكلون 34%
** مصر تفوق الهند فى معدلات الانفصال وتحتل المرتبة الـ 15 في نسب الطلاق عالميًا
** 87.4 ألف حالة طلاق فى 3 محافظات كبرى خلال 2024.. القاهرة تتصدر والجيزة والإسكندرية بعدها
** المدن الكبرى تقود الانفصال.. الحضر يستحوذ على أكثر من نصف الحالات والقاهرة وحدها تمثل نحو 13%
** الريف أقل عددًا.. لكنه يسجل أكثر من 115 ألف حالة طلاق
تبرز ظاهرة الطلاق كمرآة حية للتحديات الاجتماعية والثقافية التى تواجه الأسرة المصرية اليوم، فعلى المستوى العالمى، تصنف مصر ضمن الدول ذات معدلات الطلاق المرتفعة، وفق بيانات الهيئة العالمية للأسرة والمجتمع World Family and Society Organization، حيث جاءت فى المرتبة 15 عالميًا لعام 2024، وما بين المرتبة الثانية والثالثة عربيًا- وفقًا لإحصاءات الطلاق كل عام فى الدول العربية- فى الوقت الذى تحتل فيه دول مشابهة فى عدد السكان والظروف الاقتصادية مراكز متوسطة أو متأخرة.
هذا التباين بين مصر ومثيلتها من الدول العربية يوضح أن ارتفاع معدلات الطلاق بها لا يرتبط بعدد السكان أو الضغوط الاقتصادية وحدها، بل هو انعكاس مباشر للثقافة الاجتماعية وأنماط التفاعل الأسرى، فعلى سبيل المثال أيضًا- على المستوى العالمى - فالهند لديها عدد سكان كبير جدا وضغوط اقتصادية، ورغم ذلك، فإن معدل الطلاق فى الهند لا يتجاوز 2% سنويًا من إجمالى الزيجات، مقارنة بحوالى 30% فى مصر، ما يؤكد دور القيم والتوقعات المجتمعية فى استمرار الأسرة أو انهيارها.

سلمى: لم يكن عنيفًا، لكنه لم يكن شريكًا.. كنت أتحمل كل شىء وحدى حتى شعرت بأن بقائى فى هذه العلاقة يلغى وجودى فى الحياة
خلف هذه المقارنات الدولية، تختبئ حكايات شخصية تُفسر كيف تتحول الأرقام إلى مصائر بشرية، «سلمى . ز» 29 عامًا، ترى أن طلاقها لم يكن نتيجة ظرف طارئ، بل نتيجة غياب شريك: «لم يكن عنيفًا، لكنه لم يكن حاضرًا.. كنت زوجة بلا شراكة، أتحمل كل شىء وحدى، حتى صرت أشعر بأن وجودى لا يُرى، وأن استمرارى فى هذه العلاقة يلغى وجودى فى الحياة».
قالت «سلمى»: «إن محاولات الإصلاح تكررت، لكن غياب الحوار والدعم العاطفى حوّل الزواج إلى عبء يومى، فوجدت نفسى فى النهاية أمام قرار الرحيل».
.jpeg)
صعود مستمر وأرقام صادمة عن الطلاق فى السنوات الأخيرة تكشف واقع الأسر المصرية
وفقًا لأحدث بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء والخاصة بعام 2024، سجلت حالات الطلاق خلال هذا العام 273.892 حالة، بنسبة 30% تقريبًا من إجمالى حالات الزواج التى تمت فى هذا العام، والبالغة نحو 953.1 ألف زيجة، وبالمقارنة مع عام 2023، الذى بلغت حالات الانفصال خلاله 265.606 حالة، ارتفع الطلاق بنسبة 3.1%.
ومن خلال تحليل البيانات على مدار السنوات العشر الأخيرة «الفترة من 2014-2024»، سجلت حالات الطلاق صعودًا مستمرًا باستثناء عام 2023 الذى حدث خلاله انخفاض طفيف، مقارنة بالعام السابق له 2022 الذى سجل عدد «طلاقات» بلغت نحو 269 ألف حالة انخفضت إلى 265.606 آلاف حالة فى 2023 كما هو مذكور سابقًا.
أما فى عام 2021 فارتفعت الحالات إلى 254 ألف حالة بعد أن سجلت 222.036 ألف حالة فى عام 2021.
استمر العدد فى الصعود منذ عام 2014 «بداية الفترة المشار إليها» من نحو 180 ألف حالة، حتى 274 ألف حالة فى عام 2024 «أحدث أعوام إحصاءات الطلاق حتى الآن»، أى بزيادة تقارب 35% خلال عقد من الزمن «10 سنوات».
.jpeg)
محمود : «لم أرفض المسؤولية، لكن التوقعات تغيّرت فجأة.. أصبحت المقارنة مستمرة وكأن ما أقدمه لا قيمة له»
أمام هذا الصعود، فلا تتشابه الأسباب دائمًا من وجهة نظر الأطراف، «محمود . ح» 38 عامًا، يرى أن الطلاق جاء بعد تغيّر مفاجئ فى زوجته: «لم أكن مقصرًا من وجهة نظرى.. لكن سقف التوقعات ارتفع فجأة، وأصبحت المقارنة مستمرة، وكأن ما أقدمه لم يعد كافيًا».
ويؤكد: «الضغوط الاقتصادية كانت حاضرة، لكنى أرى أن غياب التفاهم حول الإمكانيات هو ما عجّل بالانفصال».
الخبراء أرجعوا هذا الارتفاع المتواصل فى معدلات الطلاق إلى مزيج من عوامل مترابطة، منها تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة الوعى الفردى بالحقوق الشخصية خاصة النساء، ومن جانب آخر ضعف مهارات إدارة الحياة الزوجية لدى أحد طرفى العلاقة أو لدى كلاهيما مع الفروق العمرية والتعليمية والاجتماعية، التى تزيد من احتمالات النزاع فى كثير من الأحيان.
حين تختلف الروايات وتتشابه النتيجة.. الوجه الخفى لطلاق المصريين بعيدا عن الإحصاءات
الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، بجامعة عين شمس، أكدت أن الطلاق يعكس عوامل مترابطة عديدة، لكن العامل الثقافى هو الأكبر، لافتة إلى مساهمة الفروق العمرية والتعليمية أيضًا، لكن فى النهاية، المجتمع هو من يحدد مدى الصبر والتحمل عند حدوث المشكلات الزوجية، لذا تعد الثقافة المجتمعية من أبرز أسباب الطلاق فى مصر.
.jpeg)
المدن أكثر هشاشة.. والريف ضغوطه مختلفة
الأرقام الرسمية، الصادرة من جهاز الإحصاء عن عام 2024، كشفت توزيع حالات الطلاق على المحافظات، الذى احتلت فيه القاهرة المركز الأول بـ35.102 ألف حالة، تلاها الجيزة بعدد 28.433 ألف حالة، ثم جاءت الإسكندرية فى المرتبة الثالثة بـ24.210 ألف حالة، وعلى مستوى المحافظات الريفية، بلغ إجمالى حالات الطلاق تقريبًا 115.691 ألف حالة، وهو ما يؤكد أن المدن الكبرى بها الكثير من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التى تجعل الأسرة أكثر هشاشة أمام النزاعات، وبالرغم من انخفاض عدد حالات الطلاق فى الريف عن الحضر، فإنها تسجل أعدادا كبيرة أيضًا فى العموم، وهو ما يشير إلى أن الريف يواجه ضغوطًا أخرى قد تكون مرتبطة بالعادات والتقاليد والفقر بسبب الصعوبات الاقتصادية المتراكمة.
ياسر : «أنا السبب.. تجاهلت الشكوى وظننت الصمت حكمة فاكتشفت متأخرًا أن البيت انهار»
وفى سياق مختلف، يقدّم «ياسر .ع» 45 عامًا، اعترافًا صريحًا بدوره فى انهيار زواجه: «كنت أظن أن الصمت حكمة، وأن البيت مستقر لمجرد أنه قائم.. تجاهلت الشكوى، وتأخرت فى الفهم، حتى وجدت نفسى وحدى».
يعترف «ياسر» بأن الإهمال العاطفى وسوء التواصل كانا السبب الرئيسى، مؤكدًا أن الخسارة الحقيقية ظهرت بعد فوات الآوان.
أصحاب التعليم المتوسط والأميون يشكلون 34% من حالات الطلاق
وبالنظر إلى الأرقام والمؤشرات، يتضح أن الفئات العمرية الصغيرة هى الأكثر تأثرًا بالانفصال، حيث سجلت الفئة العمرية من 20 - 30 عامًا للزوجات الفئة الأكثر عرضة للافتراق، بينما بلغت للأزواج من 25 - 35 عامًا.
أما من حيث التعليم، فيمثل أصحاب التعليم المتوسط والأميون نحو 34% تقريبًا من حالات الطلاق، بينما تقل النسبة بين أصحاب الشهادات الجامعية وفوق الجامعية إلى أقل من 15%، مما يشير إلى أن مستوى التعليم يعزز القدرة على إدارة الحياة الزوجية وتقليل النزاعات.

أسباب الطلاق فى مصر.. الثقافة الاجتماعية فى المقدمة
الدراسات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة وآراء الخبراء تشير إلى أن الثقافة الاجتماعية هى العامل الأكبر وراء معظم حالات الطلاق، فهى تؤثر فى طريقة إدارة النزاعات الزوجية، كالتوقعات الأسرية، وضغط المجتمع على الأزواج، وذلك لا يمنع أن الضغوط الاقتصادية من ارتفاع تكاليف المعيشة يؤثر أيضًا بشكل كبير على استقرار الأسر، هذا ما أكده الخبير الاقتصادى الدكتور على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد الدولى وعضو الجمعية المصرية للإحصاء والتشريع، الذى أشار إلى أن المدينة تضغط على الأسرة أكثر من الريف، حيث تكاليف الحياة اليومية المرتفعة التى تجعل الصبر أصعب، بينما الروابط الاجتماعية فى الريف قد توفر دعمًا جزئيًا.
ووفقًا للإحصاءات، تتسبب الفروق العمرية فى حوالى 42% من حالات الطلاق، التى تشمل الفروق والتى تصل أو تزيد عن 10 سنوات، ما يصعب التوافق الفكرى ويزيد من النزاعات والفرقة، فيما تؤثر الفروق التعليمية والاجتماعية فى نحو 34% من حالات الطلاق، شاملة أزواجًا أو زوجات أميين أو ذوى تعليم متوسط، مقابل أقل من 15% للفئة الجامعية.
الدكتور طه أبوحسين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أكد أنه من أسباب الطلاق فى مصر أيضًا، سوء مهارات التواصل بين الأزواج مما يراكم المشكلات الصغيرة ويحولها إلى أسباب رئيسية للانفصال بسبب غياب التفاهم العاطفى، هذا بجانب الضغوط الاجتماعية والنفسية التى تتمثل فى تدخلات العائلة أحيانًا أو ضغط الأقران، ما يزيد من احتمالية الانفصال، خصوصًا فى المدن الكبرى.
جهود الدولة لمواجهة التفكك الأسرى
من جانبها، تحاول الدولة جاهدة السيطرة على الأمر، من خلال المبادرات وحملات التوعية التى تطلقها لتعزيز مهارات التواصل وحل النزاعات والحد من الطلاق، بجانب ما تحاول تقديمه من دعم اجتماعى للأسر والأطفال لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وتحسين الإطار القانونى للأحوال الشخصية لضمان حقوق الزوجين والأبناء.

لكن التحديات لا تزال قائمة، والأرقام ما زالت فى ارتفاع متواصل، وقد ترجع أسباب ذلك، وفقًا لآراء المختصين، إلى استمرار الضغوط الاقتصادية التى تجعل من الصعب كبح ارتفاع معدلات الطلاق بشكل ملموس، مع صعوبة وصول المبادرات التوعوية إلى المناطق النائية، حيث قال الدكتور طه أبوحسين: «البرامج موجودة، لكن تكاملها هو الحل، فالاقتصاد، والتعليم، والقانون يجب أن يعملوا معًا بطريقة متسقة، وإلا ستظل معدلات الطلاق ترتفع عامًا بعد عام».

الطلاق بين الأرقام والواقع الإنسانى
فى النهاية، وبعد محاولة سرد وتحليل أهم وأبرز مؤشرات الانفصال والتفكك الأسرى، يتبين أن الطلاق فى مصر ليس مجرد رقم، بل واقع يمس آلاف الأسر، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية على الزوجين والأطفال، وهو ما تكشفه الأرقام من تزايد للظاهرة عبر السنوات.
وبالرغم من اختلاف التوزيع الجغرافى من عام لعام، فإن الأسباب تظل منحصرة فى عوامل معينة، أبرزها، الضغوط الاقتصادية، والفروق العمرية والتعليمية، وسوء مهارات التواصل، بجانب الثقافة المجتمعية التى تبقى هى المحدد الأكبر لاستمرارية الأسرة.


