الأفكار القوية ليست ترفا فكريا، وإنما أداة إنقاذ وقدرة على حل الأزمات ومواجهة المشاكل والمساهمة بفاعلية فى التوصل لحلول، لأنها تعيد تعريف المشكلة وتطرح بدائل خارج الصندوق، وتحطم الجمود الذى تصنعه الحلول التقليدية، أو التعاطى مع المشكلات والأزمات بالطرق المعتادة، وقيمة التفكير خارج الصندوق أنه يلقى الضوء بعيدا عن الوصفات الجاهزة، وتعيد هندسة الأزمات بشكل أذكى وأوضح.
الفكرة الجيدة ليست مقالا صحفيا ولا مسودة لكتاب رائع، أو قصيدة شعرية، الفكرة الجيدة قادرة على إحداث نقلة نوعية فى كل المجالات، وتتحول إلى نموذج مالى وخطة تنفيذ وجداول زمنية ومؤشرات قياس ثم يتلقفها الخبراء لتطويرها ووضع آليات التنفيذ الجيد أو تُرفض لأسباب واضحة، منها الاصطدام بالواقع العملى وصعوبة التنفيذ.
أهمية الأفكار، سواء كانت مبتكرة أو خارج الصندوق أو حتى عادية، وسواء تعاطف معها الجميع بالإيجاب أو السلب. إنها تصنع حلولا شبيهة بالمعجزات، لذلك لا يملك الإنسان إلا أن يحترم كل فكرة تطرح، ويُثاب عليها عند مساهمتها فى حل أزمة أو مشكلة ما، فكل الإنجازات العظيمة فى الحياة جاءت من أفكار وقدرة أشخاص على التفكير، ثم التعاطف معها، سواء كانت هذه الأفكار فى الطب أو الهندسة أو الكيمياء أو الفيزياء أو فى الصناعة والزراعة وكل مناحى الحياة، حتى الأفكار المبتكرة لطرق اللعب فى ممارسة الرياضة البدنية المختلفة، وفى القلب منها بالطبع لعبة كرة القدم، كونها اللعبة الشعبية الجارفة فى العالم.
تأسيسا على أهمية الفكرة، فإن طرح رجل الأعمال حسن هيكل، لفكرة كيفية مواجهة أزمة الديون وحلها، سواء اتفقت معها أو اختلفت فهى فى جوهرها أداء وظيفة ضرورية، وهى إلقاء حجر فى مياه راكدة مع التأكيد على أن الفكرة الجريئة أحيانا لا تكون الحل النهائى، لكنها تفتح بابا للنقاش الحقيقى، وتكسر حاجز خوف الاقتراب من ملفات شائكة، وتدفع الجميع إلى طرح السؤال الجوهرى، ما البديل الذى يمكن تطبيقه، وما الذى يمنع تحويل أصول خاملة إلى قوة سداد أو تحويل جزء من الدين إلى استثمار منتج أو ربط السداد بمشروعات تخلق تدفقات نقدية بالعملة الصعبة بدلا من الاعتماد على مصادر قصيرة النفس؟!

رجل الأعمال حسن هيكل
ليس المطلوب الاحتفاء بالفكرة من أجل الاحتفاء، ولا شيطنتها من أجل الشيطنة، وإنما مطلوب تحويل الفكرة إلى حالة نقاش وسؤال وطنى مفتوح، مفاده «من يمتلك فكرة قوية قابلة للتنفيذ فى مسألة كيفية سداد الديون، فعليه أن يبادر بطرحها على الجهات المعنية والمتخصصين وخبراء الاقتصاد والبنوك ورجال الصناعة والطاقة والزراعة والنقل والإسكان والتكنولوجيا، ليجرى حولها حوارا مجتمعيا صادقا رزينا يشرح الجدوى والكلفة»، لأن الديون ليست رقما مدونا فى تقارير مالية فقط، وإنما أثر يومى على سعر الفائدة والتضخم، وفرص العمل وقدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعى.
الفكرة لا يجب حجبها ووأدها أو إحداث ضجيج مشوش حولها، لأن مثل هذه الوسائل تغلق الأبواب أمام طرح الأفكار المبدعة القوية، خشية الهجوم والنقد غير البناء والتشهير والتخوين، فيمكن لفكرة ما أن تكون قابلة للقياس بتحويلها إلى أرقام واضحة، كم ستوفر من خدمة الدين، كم ستزيد من النقد الأجنبى، متى تبدأ ومتى تظهر نتائجها، وهل تأثيرها الإيجابى طويل الأمد أم قصير، وأن تكون عادلة وشفافة فى تقييم الأصول والصفقات.
لا بد من التأكيد والقناعة المؤسسة عن يقين، بأن الطرح الذى يثير الجدل فى أغلب الأحيان قد يكون نعمة إذا أُحسن توظيفه إيجابيا، لأنه يجبر الجميع على مغادرة منطقة الخوف والتردد والراحة إلى منطقة الفاعلية والمشاركة الإيجابية، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن من يملك فكرة مختلفة قابلة للتنفيذ فى ملف من الملفات، ومن بينها ملف الديون، عليه أن يبادر بطرحها فى العلن، شرط أن تكون الفكرة مصحوبة بحيثيات ودراسة مكتوبة وليست نظرية، وتميز بين الممكن والمستحيل وبين الفكرة اللامعة والفكرة القابلة للتطبيق.

وللعلم، هناك دول مرت بنفس ظروف الديون ولجأت لأفكار فى حلها، مثل كندا فى التسعينيات، وتجربة السويد بعد أزمة أوائل التسعينيات أيضا التى قدمت نموذجا فى إدارة الأزمة عبر إصلاحات مالية ومصرفية عميقة وتحسين الحوكمة والشفافية، وخلق إطار مالى منضبط على المدى المتوسط، ثم تجربة اليونان بعد أزمة الديون السيادية تذكرنا بوجه آخر قاس، وأمكن حلها، ثم تجربة الأرجنتين، وغيرها من التجارب.
الديون ليست أزمة مستعصية فى ذاتها، لكنها اختبار للقدرة وإمكانية إيجاد الحلول عبر الأفكار غير النمطية، وليس بمزيد من الخوف أو الإنكار بل بشجاعة التفكير المنضبط، وطرح أفكار خارج الصندوق، حينها فقط تتحول الحجارة التى تلقى فى المياه الراكدة إلى جسور عبور ونجاة.