حازم حسين

الرقمنة وضيف الشرف المحلى.. معرض الكتاب كسوق وكرنفال وقاعدة لمشروع ثقافى شامل

الثلاثاء، 20 يناير 2026 02:00 م


ساعات على افتتاح معرض الكتاب. يعود الموسم الثقافى الأبرز فى موعده المعتاد، وتتجدد معه طاقة المؤسسات والأفراد فى مستهل عام جديد.
نجح الحدث فى ترسيخ مكانته منذ انطلاقته الأولى قبل نحو ستة عقود، وتتوالى امتحاناته مع التطوير ورفع الكفاءة من دورة لأخرى، وأهم شروطها امتلاك الرؤية الدافعة للتجربة، فى ضوء التحديد الدقيق لطابعها ومراميها، والوقوف على فلسفة واضحة لا تجعلها مجرد مناسبة موسمية، أو تعزلها عن السياق العام للبلد، وحالته الاجتماعية والمعرفية، وشرط التكامل العضوى بين كل الفعاليات والأبنية النظامية والأهلية.

ليست الثقافة ترفا على الإطلاق، ولا يمكن أن تكون؛ لا سيما للدول التى تحوّطها التحديات من كل جانب، وتتعرض لرياح عاتية لا تتوقف عن محاولات إرباك مكوناتها والمساس بهويتها الأصيلة، شديدة الاتضاح من جانب، وعميقة التركيب والتداخل فى الوقت ذاته.

ولا جدار يوفر الحصانة أفضل من الوعى، وبه وحده تكتمل عملية التأسيس لبيئة ناضجة تحتوى مجموع سكانها، وتُؤمِّن لهم متطلبات التنشئة والتأهيل والترفيه والإثراء، فضلا على تعظيم المشترك الحضارى، وتذويب الفروق أو ترشيد تأثيراتها الصراعية، بمعنى التفاوت وانعكاساته لا طابع الصراع فى دلالته الضيقة، مع ضبط الفضاء الاتصالى على موجة واحدة، أو أقرب ما يكون من تلك الموجة.

رحلة طويلة وباذخة من النسخة الأولى عام 1969 فى أرض دار الأوبرا الحالية، حتى السابعة والخمسين اليوم فى مركز مصر للمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس، وبينهما ما يزيد على ثلاثين دورة فى أرض المعارض بمدينة نصر.

انتقل المعرض فى الزمان والمكان، وتحرّك المضمون وإن لم تكن حركته بموازاة الشكل؛ فكان يتذبذب بحسب تركيبة جهة الإدارة، وشخصية القائم عليه من قيادات هيئة الكتاب. ما يُشير بدرجة أو أخرى إلى افتقاد المأسسة، وقلّة فاعلية التراكم، وأنه لا يسير على خط مستقيم فى الاستضاءة بالخبرات السابقة؛ إنما يتعرض تواليا لهزات صاعدة أو هابطة، بحسب ذوات المديرين المتتابعين، وما إذا كانت ممتلئة فعلا، أم متضخمة بلا مبرر أو رصيد حقيقى.

واكبت الانطلاقة أجواء الاحتفال بألفية تأسيس القاهرة؛ فبدا وقتها أنها مجرد زينة تكتمل بها الحالة الكرنفالية فى عيد ميلاد مدينة لا تُحَد، ولا تُختَزل فى طقس أو مناسبة عابرة. كانت البداية مع سهير القلماوى، إحدى تلميذات طه حسين؛ لكن الطاقة الدافعة والخيال المحفز يعودان إلى ثروت عكاشة، الأب المؤسس وألمع وزراء الثقافة وأهمهم فى تاريخ مصر.

غير أن الإشارة الأشد تعبيرا ودلالة عن الفكرة؛ أنها جاءت تالية للهزيمة القاسية فى يونيو قبل ذلك بعامين تقريبا؛ فكأن الدولة بينما كانت تتعافى من تأثيراتها الصعبة والمخلخلة لسيكولوجية المصريين ووعيهم العام، لم تجد أفضل من الثقافة علاجا للتهشّم واهتزاز الثقة الوطنية، وصمغًا لتصليب الجبهة الداخلية التى ستتأسّس عليها جهود إعادة البناء وإزالة آثار العدوان.

وبقدر ما يمكن أن يرُدّها البعض إلى إرادة الإلهاء؛ فإن ثمارها فى السنوات التالية أكدت بما لا يحتمل الشك أنها كانت دفعة نحو الاستفاقة، واستحثاث الطاقات الكامنة، وتشغيل فائض الإمكانات الذى طُمر طويلا تحت غبار المناكفات البينية وصخب الأيديولوجيا والشعارات القومية.

ولست فى مجال التأصيل للبواعث التى بُنِيَت عليها الفكرة، ولا ما إذا كانت اشتغالا مقصودا على التوعية والتثقيف، أم التفافا على النكسة، تأتّت عنه يقظة وطنية جديدة بصورة عفوية غير مُخطّطة. فالأصل أن الأفعال بآثارها لا نواياها المُضمَرة، والعبرة اليوم، كما كانت فى الأمس، بالغاية العُليا وكيف نمضى على طريق تحقيقها، وليس فى داخلة أىٍّ منّا مُجرّد شَكّ عارض فى صدق النية أو نُبل الهدف.

كل وزراء الثقافة اجتهدوا بحسب المتاح لهم، وكذلك رؤساء هيئة الكتاب على امتداد تاريخها، أما التوفيق فيعود إلى محددات ذاتية وموضوعية متنوعة، يصح فيها القول إن النخبة الثقافية تراجعت عما كانت عليه، كما يصح الإحالة إلى أننا لم نشهد مثالا شبيها بالدكتور سمير سرحان، المثقف والإدارى اللامع، ومَن شهد معه المعرض عددا من أفضل وأثرى وأكمل دوراته على الإطلاق.

ما يزال المنحنى صاعدا، والأرقام تُعبّر عن نجاحات حقيقية لا يمكن إنكارها. فى السنة الماضية استقبل المعرض ما يزيد على خمسة ملايين ونصف المليون زائر خلال أسبوعى انعقاده، واستضاف 1345 ناشرا من 80 دولة، والنسخة الجديدة ترتقى فيها الأعداد إلى 83 بلدا و1457 دار نشر، مع أكثر من 6 آلاف عارض فى كلتيهما.

البرنامج الثقافى المرافق لا يقل زخما وتنوعا، بما يفوق 400 فعالية وبعض المبادرات النوعية الممتدة والمتجددة. وكلها علامات على العافية والتجدد؛ غير أنها لا تُخضَع دوما للقياس والقراءات المُقارَنة، ولا للنظر فى المردود وطرق تثميره، أو النواقص وآليات العمل على إكمالها وسد ما فيها من ثغرات.

والحال؛ أن المعارض فى الأساس أسواق للكتب، وتُقاس نجاحاتها فى الدرجة الأولى بحجم الإقبال والمبيعات، ومقدار ما يُبرَم تحت سقفها من عقود الوكالة والترجمة ونقل الحقوق عن المصنفات. والمقاربة من تلك الزاوية تحتمل الضدين معا: ما زال معرض القاهرة محفلا دوليا كبيرا، وهو الأكبر فى الإقليم والثانى عالميا.

المبيعات تتطور من دورة لدورة بالقياس على أنفسنا، لكنها قد لا تكون مثالية أو متناسبة مع حجم المجتمع وتعداد الزائرين، والتعاقدات تبدو محدودة بالنظر إلى حجم العارضين والعناوين، وما يتحقق عمليا بعد انفضاض الحدث على صعيد الترجمات من اللغات الأخرى، أو الترجمة العكسية فى الخارج للإصدارات المحلية.

تعود كثير من تلك النقاط إلى أسباب خارج إرادة المؤسسة أو قدرتها على التعامل معها، أهمها الأوضاع الاقتصادية وغلاء أسعار مدخلات الصناعة، وتراجع القوة الشرائية لدى القراء، ناهيك عن أننا لسنا مجتمعا قارئا بالأساس، والثقافة ليست على رأس الأولويات لدى الغالبية.

ومع الإقرار بتلك الحقائق؛ إلا أنه لا ينبغى التسليم بها أو التوقف أمامها بالحياد وإشهار الراية البيضاء. ما يفرض على وزارة الثقافة البحث عن حلول عملية، وإعداد خطة تنشيط شاملة تُوظف كل الإمكانات المتاحة، وتعمل بدأب على إذكاء عادة القراءة وتأصيلها لدى النشء والجمهور العريض، بمبادرة فردية منها أو بالشراكة مع غيرها من الجهات المعنية والقادرة على رعاية مشروع توعوى قومى، أو بالأحرى تجديده؛ لأنه كان موجودا بالفعل.

حسنا فعلت إدارة المعرض باختيار «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونا» شعارا لها، وأن يكون من مأثورات شخصية الدورة أديبنا الأكبر وسيد الرواية العربية نجيب محفوظ. لكن مؤشرات القرائية لا تضعنا فى مكانة متقدمة إقليميا أو دوليا، ويُعَد المتوسط فيها بالدقائق والصفحات، لا بالكتب والساعات والأيام.
صحيح أن إيقاع العصر اختلف تماما عما كانت عليها، وتبدلت الاهتمامات ومدخلات المعرفة والاطلاع؛ لكن الكتاب لم ينقرض وليس فى سبيله للانقراض، والطريق إليه يمكن أن تمتد عبر جسر عريض يستعين بالوسائط الجديدة، ويُوظفها فى الجذب والاستقطاب وتوطيد الشغف بالمعرفة. أى أن تخرج هيئة الكتاب من صيغة المطبعة الكبرى إلى النشر المتكامل، ولا تكتفى بدور الناشر والمنظم لحدث سنوى مع تفرعاته الإقليمية الصغيرة، وما يُقال بحقها ينطبق على بقية القطاعات داخل الوزارة، وعلى وزارات الحكومة كلها، وتشابكاتها مع الفعاليات الرسمية والمدنية.

من الأفكار الجيدة المطروحة بالدورة الجديدة مبادرة «مكتبة لكل بيت»، وعمادها توفير الكتب بأسعار زهيدة. غير أن آلية التنفيذ تستدعى بعض الملاحظات، لعل أهمها الانطلاق من تدوير محتوى مخازن الهيئة الذى طاله الكساد على مدار سنوات، بما يُحتَمل معه أننا بصدد عناوين غير جذابة ولا مطلوبة، وطبعات متقادمة أو مهترئة، وفى الحد الأدنى لن تحقق بهجة الكتاب الجديد ببياضه الناصع وألوان غلافه الزاهية.

والأهم أنها تبدو إعادة إنتاج للتجربة الأبرز والأكثر فاعلية لمكتبة الأسرة منذ إطلاقها فى 2019 حتى تجميدها نسبيا بعد يناير 2011، وخفوتها شبه الكامل بعد ذلك بسنوات. ما يفرض سؤالا ضروريا عن علة التخلى عنها، وعدم العودة إلى تطويرها وضخ الروح فيها، مع إغنائها بالمستحدثات وسبل الإيصال السهلة والسريعة، وتحفيزها بأنشطة وفعاليات مرافقة وممتدة على مدار العام.

قبل سنوات أطلقت دولة الإمارات «تحدى القراءة العربى»، وعلى امتداد دوراته كان المصريون فى طليعة الجنسيات المشاركة فى مسابقاته، ومن المتوجين دائما بمراكزه الأولى للكبار والصغار. نفتقد إلى فكرة من ذات الحجم والأهمية، تلفت النظر إلى الكتاب من زاوية تحمل معها محفزاتها ووسائل الجذب والإغراء، وتستتبع بالضرورة التكامل بين الوزارات والجهات التنفيذية والخدمية، بما يتولد عن ذلك من اهتمام بالإتاحة أولا، ثم تشبيك حالة التنافس على المستويات الفردية والمؤسسية، وبحيث يكون سباق القراء دافعا لتسابق الرعاة: وزارة التعليم فى مدارسها، والرياضة فى النوادى ومراكز الشباب، والأوقاف فى المساجد والزوايا، وصولا إلى التنمية المحلية فى الأحياء ووحدات القرى والنجوع البعيدة.

مكتبة الأسرة كانت تشارك فيها عِدّة وزارات؛ ثم انقطعت. ونحتاج لإعادة إحيائها بكامل طاقتها، وإشراك الجهات نفسها وغيرها فى الإصدار الجديد، مع تنشيط مكتباتها وعملية تزويدها بالكتب فى تحفيز سوق النشر، وتوفير المطبوعات على مقربة من كل الفئات. وبالآلية نفسها تكون الشراكة فى رقمنة المحتوى وتنظيم الفعاليات، بقوافل ثقافية ومُنتديات وأسابيع للفنون تتجوّل بين الأماكن الخدمية والمحافظات وفى القرى والساحات العامة.

استحدثت وزارة الثقافة قبل عقدين من الآن تجربة اختيار بلدا ليكون ضيف شرف الدورة، ومن ألمانيا 2006 إلى رومانيا 2026 تحققت حالة إيجابية من التمازج الثقافى وانفتاح الآفاق على العالم الكبير.

بيد أننا فى حاجة ما تزال كبيرة للأسف إلى التعرف على ذواتنا، والتماس التنوع والتمايزات البينية من منطلق أنها عامل قوة وإثراء، ولا يكتمل وهجها أو تتعمق منافعها من دون وعى بها أو إحاطة بما تنطوى عليه من فروق وتشابهات. ما يمكن أن يتحقق باستحداث محور فرعى جديد تحت عنوان «ضيف الشرف المحلى».

والضيافة المحلية يمكن أن تشمل محافظة لها تاريخ عريق وتركيبة ثقافية مميزة مثل الإسكندرية نموذجا، أو مدينة ذات طابع تاريخى وعمرانى خاص كرشيد، وربما حتى قرية وثيقة الصلة بالتاريخ والذاكرة الوطنية مثل غرب سهيل فى النوبة أو دنشواى بالمنوفية. ويمكن أن يكون الضيف مشروعا بارزا مثل المتحف المصرى الكبير، أو حرفة موروثة ومكونا ثقافيا وفولكلوريا كالفخار والإنشاد والخوص والتحطيب والنسيج اليدوى وغيرها.

يتيح ذلك مجالا عريضا للتعرف على الإرث الحضارى وتنويعاته العديدة لجموع ربما لم تشتبك مع تلك المفردات من قبل، وبالتزامن مع احتضان التيمة المختارة فى جناح خاص يعرض تفاصيلها ومنتجها وإبداعاتها وألوانا من تجلياتها، يُنظّم مساق رمزى لمعرض الكتاب فى البيئة المستضافة أو ما يعبر عنها؛ فكأن الانتقال متبادل بين الطرفين، والحاضرون تحت سقف الحدث الأكبر ينوبون عن غيرهم من الضيوف، ولا يحرمونهم فرصة الاستمتاع بالحالة لصعوبة حضور المعرض بسبب المسافة أو التكلفة وضيق الوقت.

فكرة ضيف الشرف المحلى قاعدة للتشبيك الجغرافى والثقافى؛ لكنها قبل ذلك إشارة عملية لحيوية الحالة المعرفية وتنوع مجالاتها، وأنها منظومة متكاملة وعابرة للزمان والمكان، ولا تتلخص فى أيام أو صيغة تنظيمية بعينها.

والقصد أن يكون المعرض كرنفالا بجانب أنه سوق للكتب؛ لأننا أحوج ما نكون إلى استثمار كل فعالية وتضخيمها حجما وأثرا، وربطها مع غيرها من الفعاليات لتكون العملية كلها موسما ثقافيا طويلا وممتدا على طول السنة، لا مناسبات جزئية وجزرا منعزلة عن بعضها.

وإذ يعود المهرجان القومى للسينما مثلا لاستئناف دوراته فى العام الجارى، بعد توقفه لعدة سنوات، فلا مانع من أن يكون فرعا جديدا للمعرض فى ديمومته المطلوبة، وضيفا له فى النسخة المقبلة بعرض الأفلام الفائزة أو أبرز الأعمال داخل التسابق، واستضافة نجومها وصانعيها.

وكذلك الحال مع مهرجانات القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية، ومع القومى للمسرح والتجريبى وفرق قصور الثقافة، والأوبرا وقطاع الفنون التشكيلية والهناجر وقطاع شؤون الإنتاج الثقافى ومؤتمر أدباء مصر وأنشطة الشباب والرياضة والجامعات والمدارس والمسرح الكنسى وغيرها الكثير.

يصعب حشد كل هذا معا؛ إنما يمكن الانتقاء منها والتبديل بينها، وما يتحقق من واحدة فيها بمفردها، سيكثر وتتعاظم آثاره لو التقت وتلاحقت ونقلت للناس بالممارسة العملية حقيقة أن الثقافة طقس دائم، وأننا لا نعدم الإبداع والمبدعين، بل نفتقد نسبيا لكفاءة الاتصال ووسائل الإيصال الناجعة.

وموضوع الوصل نفسه يفتح بابا عريضا للبحث فى تطوير الأدوات، وقد أطلقت وزارة الثقافة منتجا جديدا مع دورة المعرض الحالية لهذا الغرض، بحيث يكون «بوك كاست» مدخلا إلى عالم منصات التواصل الاجتماعى ومخاطبة جمهورها واجتذابه.

لكننا نحتاج مع هذا وقبله إلى استثمار ما لدينا بالفعل، ورقمنة فيض لا حدود له من المحتوى المتوافر لدى مؤسسات الوزارة وقطاعاتها، من كتب تملك حقوقها أو صارت مشاعا، وعروض مسرح مصورة على مدار السنوات والعقود الماضية، مع إنتاج جديد بالمئات سنويا بين مسرحيات وأفلام قصيرة وندوات ومؤتمرات وعروض فنون شعبية وموسيقى عربية.

يجب أن يكون الودكاست الثقافى مشروعا دائما لا موسميا فى فترة المعرض فحسب، وقبل هذا ينبغى الالتفات إلى التراث العظيم الذى تستهل استعادته من المخازن والشرائط ومكتبات الفروع والأفراد، وإتاحته للجميع بسهولة لا تترتب عليها تكاليف عالية متجددة، ولا تكتمل فاعلية أية خطوة بدونها؛ لأن الأهم من استقطاب محبى الثقافة، أن توفر لهم الذخيرة التى تضمن بقاءهم معك، أو لا تصرفهم عنك سريعا.

تدرّج المعرض صعودًا منذ نشأته، وشهد ذروته فى فترة التسعينيات، وبعدها تذبذب المستوى بحسب القيادات وظروف الدورات. وتحوّله إلى مؤسسة يضمن له أن يستند لفلسفة واضحة، لا تحتكم لعقلية الهيئة كناشر يتنافس مع غيره من دور النشر، كما لا يُنازعه فى الأولوية الاهتمام أى شىء آخر.

فى دول أخرى تُنظَّم معارض الكُتب عبر اتحادات الناشرين؛ لكن تلك الصيغة لا تُناسب مصر حاليا، بالنظر لحال سوق النشر وما تشهده من سيولة وتقاطعات فى المصالح وتشوّهات فى العلاقة بين الكاتب والناشر، كما أن عليه أدوارًا أكبر من أن يكون سوقًا للمطبوعات، ما يُوجِب أن يبقى ضمن بنية الدولة، وتحديدا وزارة الثقافة؛ إنما وفق صيغة مُغايرة لما هو عليه الآن.

كنت إلى سنوات قريبة ناقدا للانصراف عن سوق الكتاب إلى كرنفال الفعاليات؛ لكن المُراجعة الأمينة تقتضى الاعتراف بأننا فى حاجة لكلّ ما يُثرى الساحة، ويُحفّز المُبدعين، ويُوفّر مجالا خصبًا لالتقاء مُنتجى الثقافة مع مُستهلكيها، والاستفادة بطاقة الاتصال بينهما فى الجذب والإغراء والتثبيت، وتقييم التجارب وتقويمها أيضًا.

يُمكن أن يكون المعرض مُنطلقًا لمشروع وطنى أكبر من حيّزه وفترة انعقاده؛ ليس لأنه الحدث الثقافى الأهم فحسب، ولكن لأن له فى المكان والمكانة ما يجعله مركزًا صلبًا، يتلاقى فيه الجميع، وتتكامل عنده أدوار المعنيين جميعًا، وتلتفت إليه أنظار الداخل والخارج أيضًا. والبداية من الضبط والمأسسة، وأن يتحوّل إلى أصل قائم بذاته، وليس فرعًا عن فرع تُمثّله هيئة الكتاب.

شهدت الدورة الحالية سابقة اختيار مدير تنفيذى لها. ويُحتَمَل أن يكون الباعث على ذلك عدم الاطمئنان لقدرة القائم بأعمال رئيس الهيئة، إنما لا تخلو الاحتمالات من أن الوزير يستشعر أهمية الفصل بين الموقعين، ويرغب فى أن يمنح الحدث هامش استقلال نسبى يُعينه على التحديات، ويُمكّنه من أداء أدواره المطلوبة بكفاءة واقتدار، وتلك بادئة جيدة للتداول فى المنطق ذاته، وأهمية تثبيته مستقبلاً.

وبداية الطريق يمكن أن تنطلق من هيكلة النشر، كمقدمة لإعادة تخطيط خريطة العمل الثقافى بكاملها. لدى الوزارة عِدّة جهات تلعب دور الناشر. والحاجة مُلحّة إلى التوحيد، وبطبيعة الحال فإن هيئة الكتاب أَولَى بقيادة الوحدة دون غيرها، بحيث تتحول إلى دار نشر ورقية ورقمية تصب فيها إصدارات الجهات كلها، ويُؤخَذ التنظيم والأنشطة منها؛ ليكون المعرض كيانا قائمًا بذاته، له هيئة عُليا تُختار دوريا لولاية من أربع سنوات مثلا، على أن تتبع الوزير مباشرة، وتتمثّل فيها بقية الأجهزة التنفيذية، وتكون لها قنوات اتصال مع الوزارات والفعاليات الرسمية والأهلية والخاصة.

ما زال معرض الكتاب مُتقدّمًا لا يُنافسه أحد فى الإقليم كله؛ لكن السبق وحده لا يكفى، والإمكانات أكبر من المُتحقق، والتطلُّعات لا حدود لها، وبقدر الإجادة فى تنظيمه وانتظام فعالياته سنة بعد أخرى؛ يتعيّن العمل على تشغيله بوتيرة أشمل وأكثر طموحا.

المطلوب بسيط للغاية؛ أن يكون سوقا للكتاب كما هو؛ بجانب تمتين برنامج فعالياته القائم، وتحويله إلى منصّة فسيحة ومُستقرّة، تتجسّد فيه قوّة الثقافة المصرية وتنوّعها، وتمتد أذرعه إلى ما وراء مكانه وزمانه، ليكون أقرب إلى مايسترو يقود الأوركسترا ويُنظّم إيقاعها وتدفق نغماتها، وبقوّته ستتقوّى كل الفعاليات الشريكة والرديفة، ويُمكن بعدها فى المستقبل أن ننظر فى الهبوط الناعم وإعادته إلى أصله، بعدما تُقلع البيئة الثقافية بكل مكوناتها، ويشتد عودها فى الحركيّة والأثر، وعلى مستوى الفاعلية والمردود والكفاءة القائمة بذاتها فى كل مجال.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة