فى ظل الزخم المتصاعد الذى تشهده العلاقات المصرية- السنغافورية، لا سيما مع احتفال البلدين هذا العام بالذكرى الـ60 لإقامة العلاقات الدبلوماسية، تأتى الزيارات المتبادلة على أعلى مستوى لتعكس عمق الشراكة بين البلدين وإرادتهما السياسية لدفع التعاون الثنائى إلى آفاق أوسع.
بعد زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى سنغافورة فى 2015، واستقبال القاهرة للرئيس السنغافورى ثارمان شانموجاراتنام فى 2025، تتجسد ملامح تعاون متكامل يشمل الاقتصاد والاستثمار وبناء القدرات، إلى جانب التنسيق السياسى إزاء القضايا الإقليمية والدولية.
فى حوار «اليوم السابع» مع سفير سنغافورة لدى القاهرة، دومينيك جوه، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ60 للعلاقات، نقترب أكثر من رؤية سنغافورة للعلاقات مع مصر، ودور القاهرة المحورى فى الاستقرار الإقليمى، وفرص التعاون المستقبلية بين البلدين..
وإلى نص الحوار:
كيف ترى مستقبل علاقات البلدين خاصة بعد زيارة الرئيس ثارمان شانوجاراتنام للقاهرة سبتمبر الماضى؟
العلاقات بين مصر وسنغافورة ممتازة. نحتفل هذا العام بمرور 60 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وتتذكر سنغافورة أن مصر كانت أول دولة عربية تعترف باستقلالنا عام 1965، وكانت هذه أيضًا أول زيارة للرئيس ثارمان إلى الشرق الأوسط بصفته الحالية، وقد أبرمنا 14 اتفاقية فى سبتمبر 2025 شكلت طيفًا واسعًا من القطاعات، من الزراعة إلى التدريب، ومن الواضح أن العلاقات والتعاون الثنائى يتوسعان، ونأمل فى إيجاد المزيد من مجالات التعاون فى المستقبل، بما فى ذلك المجال الاقتصادى.
فى الواقع، رافق الرئيس ثارمان، خلال الزيارة الرسمية، وفدٌ تجارىّ ضمّ 20 شركة من سنغافورة، وقد أبدى رجال الأعمال السنغافوريون حرصًا على دراسة فرص الاستثمار فى مجالات الخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والتنمية الصناعية.
كما أبدى الرئيس ثارمان والسيدة ثارمان حرصًا كبيرًا على التعرّف على تاريخ مصر وثقافتها وحرفها التقليدية، فزارا المتحف المصرى الكبير والأهرامات ومراكز الفنون التقليدية، ونظرًا لاهتمامنا البالغ بتعزيز الوئام والتسامح الدينى، التقى الرئيس ثارمان أيضًا بشيخ الأزهر، فضيلة الإمام أحمد الطيب، وقداسة البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية.
كيف تتوافق استراتيجية السيد الرئيس السيسى للتنمية الاقتصادية مع مجالات خبرة سنغافورة.. وما هى المبادرات التى تمت مناقشتها خلال الزيارة الرسمية لدعم هذا التوافق؟
سنغافورة خامس أكبر مستثمر آسيوى فى مصر باستثمارات تُقدّر بنحو 700 مليون دولار، وتعمل 129 شركة سنغافورية فى قطاعات من بينها الخدمات اللوجستية والموانئ وتصنيع الأغذية وتكنولوجيا المعلومات.
تسعى شركاتنا إلى إيجاد المزيد من مجالات التعاون مع نظيراتها المصرية فى هذا القطاع. نعمل بشكل خاص مع مصر على بناء قدرات مختلف القطاعات، على سبيل المثال، أجرينا دراسة جدوى لتحويل ميناء غرب بورسعيد إلى «ميناء ذكى» وجارى التطبيق، والمساعدة فى التعليم الفنى وتدريب المسؤولين الحكوميين، فعلى مر السنين، درّبنا أكثر من 700 مسؤول حكومى مصرى فى سنغافورة، كما نعتزم زيادة حجم التجارة الثنائية من خلال مناقشة جدوى اتفاقية تجارة حرة.
كيف ترون دور مصر فى استقرار الإقليم لا سيما فى ضوء أزمة غزة.. وكيف يؤثر ذلك على أولويات بلادكم الدبلوماسية فى القاهرة؟
لعبت مصر دورًا بنّاءً فى غزة، لا سيما كوسيط رئيسى ومركز للمساعدات الإنسانية، نعلم أن أكثر من 70% من إجمالى المساعدات الإنسانية تمر عبر مصر، ونُقدّر تسهيل مصر للمساعدات الإنسانية السنغافورية إلى غزة.
منذ أكتوبر 2023، أرسلنا 11 دفعة مساعدات إلى غزة بقيمة تقارب 20 مليون دولار أمريكى عبر الهلال الأحمر المصرى، والأونروا، واليونيسف، وغيرها. ومثل مصر، تدعم سنغافورة سرعة وفعالية وصول المساعدات دون عوائق، والحفاظ على وقف إطلاق النار الحالى، كما هو الحال فى مصر، تدعم سنغافورة حل الدولتين عبر المفاوضات، بما يتوافق مع قرارات مجلس الأمن الدولى ذات الصلة، ونأمل فى إحراز تقدم نحو المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، لكى تبدأ عملية إعادة الإعمار فى غزة.
كيف تشجع حكوماتكم الشركات السنغافورية على استكشاف فرص الاستثمار فى مصر.. وما هى أبرز مجالات التعاون بين بلدينا؟
تُعدّ سنغافورة خامس أكبر مستثمر آسيوى فى مصر باستثمارات تُقدّر بنحو 700 مليون دولار أمريكى، وكما ذُكر سابقًا، رافق الرئيس ثارمان وفدٌ رفيع المستوى من رجال الأعمال السنغافوريين، كان حريصًا على استكشاف الفرص الاقتصادية، حيث شارك الوفد فى منتدى أعمال نظّمه كلٌّ من اتحاد الأعمال السنغافورى، وجمعية رجال الأعمال المصريين، والهيئة العامة للاستثمار فى مصر، كما زار المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وقد أتاحت هذه الزيارات للوفد السنغافورى فرصة الاطلاع المباشر على التقدم الاقتصادى والإمكانات الكبيرة التى تتمتع بها مصر، وفى أعقاب هذه الزيارة، يجرى حاليًا بحث مشاريع للحفاظ على زخم التبادل التجارى بين مصر وسنغافورة.
كما أن العديد من الاتفاقيات التى وُقّعت خلال الزيارة الرسمية فى سبتمبر 2025 كانت متعلقة بالتدريب والتعليم الفنى إلى جانب المجال الاقتصادى، تتعاون مصر وسنغافورة بشكل متكرر فى مجال التعليم الدينى ومكافحة التطرف الدينى، وعقب الزيارة الرسمية، يعمل الجانبان على توسيع مجالات التعاون الأخرى، مثل القطاع الثقافى، وآمل أن نعلن المزيد من الأخبار السارة قريبًا.
كيف يمكن للاستثمارات السنغافورية- لا سيما فى مجال رقمنة الموانئ والخدمات اللوجستية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس- أن تعزز المشهد الاقتصادى المصرى فى ظل رؤية الرئيس السيسى للتنمية؟
يمكن للاستثمارات المحتملة، المالية منها وغير المالية، من سنغافورة أن تكون محفزًا وتساهم فى تسريع التحول الاقتصادى فى مصر، فعند نجاح تنفيذ مشاريع رقمنة الموانئ والخدمات اللوجستية، نتوقع تقليل أوقات المعالجة، مما يحسن كفاءة نقل المنتجات ومضاعفة أرباح الشركات والإيرادات الضريبية للحكومة المصرية.
بصفتك سفيرا كنت مقيمًا فى مصر خلال افتتاح المتحف المصرى الكبير.. ما هو انطباعك عن أهمية المتحف للعالم ولتراث مصر الثقافى؟
كان حفل افتتاح المتحف المصرى الكبير مبهرًا، أُشيد بجهود الحكومة المصرية والجهات المساهمة الأخرى فى إنجاز هذا المشروع، الذى استغرق قرابة عشرين عامًا، يتمتع عالم مصر القديمة بسحر عالمى، ويجذب الزوار من جميع أنحاء العالم، ويسعدنى أن هذه القطع الأثرية باتت الآن فى مكانها المناسب، وأصبحت متاحة للسياح بسهولة أكبر. فى الواقع، نُشرت مؤخرًا مقالة من صفحتين فى إحدى الصحف السنغافورية الرئيسية عن روائع المتحف المصرى الكبير.
حظيتَ بفرصة تجربة الإقامة فى مصر عن كثب.. ما هى الأطباق أو التقاليد الغذائية المصرية التى أصبحت مفضلة لديك خلال إقامتك؟
أستمتع بتناول الطعام المصرى، مثل الطعمية والفول والعيش البلدى، كما أحب دجاج شركسية وحساء العدس، وأتطلع أيضًا إلى تناول الفواكه الموسمية المتنوعة، مثل الفراولة والمانجو والتمر، وبهذه المناسبة أشير إلى أن البرتقال هو ثالث أكبر صادرات مصر إلى سنغافورة.
بخلاف الأهرامات.. ما هى المواقع السياحية المصرية التى أثارت إعجابك أكثر من غيرها ولماذا تشجع السنغافوريين على زيارتها؟
لا شك أن زيارة المتحف المصرى الكبير والأهرامات أمرٌ لا بد منه، إضافةً إلى ذلك، أنصح الجميع برحلة نيلية، وإذا سمح الوقت، فلا بد من زيارة دير سانت كاترين وتسلق جبل سيناء، كما أن الغوص فى البحر الأحمر تجربة لا تُفوّت، فمياهه نقية وصافية للغاية.