دخلت القاهرة فى عصرى الملك فؤاد والملك فاروق طى النسيان فى مخيلة المصريين، ويعود ذلك إلى طغيان الحقبة الناصرية على الذاكرة الجمعية، فضلًا عمّا شاب بعض الكتابات المعاصرة من تشويه لتلك المرحلة، والحقيقة أن حقبة الملك فؤاد تمثل فترة التأسيس للدولة المصرية الحديثة برموزها ومعطياتها، ومن هنا جاء صدور كتاب "القاهرة الملكية" — تحرير الدكتور نزار الصياد والأستاذ حسن حافظ — ليعيد الاعتبار إلى هذه المدينة فى حقبتها الملكية.
يمثل الكتاب تجربة ثانية يقودها الباحثان، وقد شارك فيه عدد من الباحثين بأوراق علمية متخصصة، فصدر وكأنه موسوعة علمية لها فرادتها؛ إذ غلب عليها البعد الأنثروبولوجي، وهو منهج ملائم يقدّم مادة محببة للقارئ. كما يندرج الكتاب ضمن الإنتاج الجماعى الذى اشتهرت به دور النشر الغربية، ونجحت "دار عين" فى تقديم تجربة ثانية ناجحة بعد إصدارها العمل الموسوعى "القاهرة مؤرَّخة" فى جزأين.
يتساءل الدكتور نزار الصياد فى مقدمة الكتاب: هل يمكننا حقًا الحديث عن "قاهرة ملكية"؟ وهو السؤال الذى يحاول الكتاب أن يقدم له إجابات متنوعة، قبل أن يعيد طرح سؤال ثانٍ على القارئ: هل كانت القاهرة خلال تلك الفترة نتاجًا لرؤية ملكية، أم مجرد خلفية لاستعراض ملكي؟
فصول الكتاب تقدّم إجابات متعددة؛ بعضها يؤكد البصمة الملكية الواضحة، وبعضها الآخر يشير إلى تأثير القوى الاستعمارية أو القومية أو البرجوازية التى كانت على علاقة وثيقة بالقصر. هذا الجدل يُكسب الكتاب قيمة مضافة، لأنه لا ينطلق من وجهة نظر أحادية.
بدأ الكتاب بعرض حالة القاهرة قبل عام 1922، عام إعلان الملكية. وقدّم كل من نزار الصياد وحسن حافظ فى الفصل الثانى تحليلًا دقيقًا للحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية والعمرانية للمدينة، التى أطلق عليها البعض اسم "القاهرة الخديوية" — وهو عنوان كتاب مهم للدكتورة سهير حواس. وحدد الباحثان التغيرات التى طرأت على المدينة بعد ثورة 1919.
وفى الفصل الثالث، يتتبع حسن حافظ جهود السلطة الملكية فى تثبيت صورتها فى القاهرة بوصفها ممثل الدولة المصرية وعاصمتها فى لحظة تاريخية فارقة، إذ أصبحت مصر للمرة الأولى منذ أربعة قرون دولة مستقلة وفق التعريف الدولي، يرأسها ملك يمارس الحكم عبر أدوات انعكست على عمران المدينة بعد تراجع قبضة الاحتلال، وعجز الأحزاب عن السيطرة على تشكيل الحكومة. وهنا يتضح الدور الذى لعبته السلطة الملكية فى تشكيل الحى الحكومي، وتبنى نهضة عمرانية ذات بعد ثقافى وعلمى وتعليمي، لترويج سردية تجعل من الملكية صانعة النهضة ورمز الدولة الحديثة.
وفى الفصل الرابع، يرصد كريم بدر عمارة القاهرة وطرزها فى الفترة الملكية، مع التركيز على حى الإسماعيلية. فقد تميزت عمارة هذا الحى بأنماط تجمع بين الذوق الشرقى والطرز الأوروبية الكلاسيكية — الرينيسانس والباروك والروكوكو — وقد صمّمها معماريون أوروبيون خلال الفترة الخديوية بأنماط إيطالية وفرنسية.
يبين بدر كيف استمرت هذه الطرز فى عهد الملك فؤاد (1917–1936)، مع بناء مؤسسات الدولة الحديثة، ليخلص إلى أن ما يُسمّى اليوم "القاهرة الخديوية" لم يكن أكثر من خطة بلا هوية، وأن الحى اكتسب هويته المعمارية الحقيقية فى الحقبة الملكية.
كان إنشاء التماثيل والنصب التذكارية، وإعادة تخصيص أماكنها، ومراسم الاحتفالات، تعبيرًا عن تعقيدات السياق السياسى فى العهد الملكي، حيث تتشابك العلاقة بين القصر والأحزاب وسلطات الاحتلال. ويتناول الدكتور ياسر منجى — أحد أبرز مؤرخى الفن المصرى المعاصر — هذا الموضوع فى الفصل الخامس، موضحًا أن ابتكار رموز لقاهرة حديثة أوروبية الهوية بجوار القاهرة الإسلامية الشعبية جاء نتيجة لمواءمة القوى المتصارعة على السلطة، ورغبة بعض الفاعلين فى الانسلاخ من الثقافة الشعبية وتبنى الثقافة الأوروبية. ويخلص منجى إلى أن الملكية لم تكن الطرف الوحيد، بل نافستها قوى أخرى سعت إلى التعبير عن حضورها عبر الفن.
ويتكامل هذا الطرح مع ما قدمه الدكتور عماد أبوغازى فى الفصل السادس عن النشاط الثقافى والفنى فى القاهرة بين عامى 1922 و1953. يتناول أبوغازى ظهور الجماعات الفنية والأدبية والمنتديات الثقافية، ويبين أن الصحوة الثقافية والفنية تعود أساسًا إلى ثورة 1919، وأن الملك فؤاد رعى عددًا كبيرًا من المؤسسات الثقافية والعلمية والتعليمية.
وتتواصل اللوحة مع ما طرحته كندة سمارة فى الفصل السابع عن حضور النساء فى فضاء المدينة، ثم مع دراسة الدكتورة هالة فؤاد حول الثقافة الفرانكوفونية فى القاهرة، التى أبرزت التعددية الثقافية للمدينة ومكانة اللغة الفرنسية فيها، وذكرت أن العديد من الكتّاب أنتجوا مؤلفاتهم بالفرنسية مثل ألبير قصيرى وقوت القلوب الدمرادشية.
ويقابل هذا البعد ما تناولَه عبد الرحمن الطويل حول الإعلام، فالإذاعة المصرية — منذ عشرينيات القرن العشرين — دخلت البيوت والمقاهى والمتاجر، وحملت صوت ثقافة القاهرة وفنونها إلى ربوع مصر والمنطقة العربية. وقد شكلت السينما المصرية بقية المشهد الثقافي، وهو ما عالجه كل من نزار الصياد ودعاء الأمير.
وفى السياق نفسه، استعرض حسن حافظ وعبد الحليم حفنية ازدهار الصحافة فى القاهرة، مشيرَين إلى أن الصحافة أسهمت فى تطور العاصمة عمرانيًا ومعماريًا، وتطرقت إلى مشكلاتها، واقترحت أفكارًا لتطويرها.
ويقدّم هشام عيسى طرحًا مهمًا فى دراسته لسياسات الإسكان فى الفترة الملكية، معتبرًا أن مشروعات الإسكان كانت ذات طابع انتقائى ركّز على تطوير أحياء راقية مثل جاردن سيتى والزمالك والمعادي، صُممت أساسًا للنخبة والجاليات الأجنبية.
ويقودنا ذلك إلى واحد من أهم فصول الكتاب: "قرافة القاهرة". إذ يحاول حامد محمد حامد التمييز بين ثقافة الموت فى القاهرة الممتدة عبر تاريخ المدينة، وبين البصمة الملكية التى ألقت بظلالها على القرافة. يحلل الفصل صعود الروح الوطنية والإحساس القومى عبر دراسة تصميم مقابر المسلمين والمسيحيين فى الحقبة الملكية، بما فى ذلك النقوش الكتابية على الشواهد وأحواش المدافن للنخب والعامة على السواء.
أما جغرافيا القاهرة الملكية فقد حللها الدكتور عاطف معتمد، مستعرضًا دور الجمعية الجغرافية وقسم الجغرافيا بالجامعة المصرية، وصعود بعض الجغرافيين إلى مناصب مرموقة فى الدولة.
ويختتم الكتاب فصوله بمشهد بالغ الدلالة يقدمه الدكتور نزار الصياد وحسن حافظ حول حادثة حريق القاهرة فى يناير 1952.
الكتاب مدهش فى تفاصيله، شيق فى مادته. وما سبق ليس سوى دعوة مفتوحة لقراءة هذا العمل الذى يعد من أفضل ما كُتب عن القاهرة فى السنوات الأخيرة.