المخرج الكبير على بدرخان يفتح خزائن أسراره: حكايتى مع السندريلا بدأت بتعليمها السباحة ووقفت جنبى بعد الطلاق.. كواليس مشهد الاعتداء على سعاد حسنى فى الكرنك.. ورد فعل عنيف لأحمد زكى بعد استبعاده من البطولة..فيديو

الإثنين، 19 يناير 2026 08:30 م
المخرج الكبير على بدرخان يفتح خزائن أسراره: حكايتى مع السندريلا بدأت بتعليمها السباحة ووقفت جنبى بعد الطلاق.. كواليس مشهد الاعتداء على سعاد حسنى فى الكرنك.. ورد فعل عنيف لأحمد زكى بعد استبعاده من البطولة..فيديو المخرج الكبير على بدرخان

حوار زينب عبد اللاه - تصوير سامح سعيد

** النمر الأسود ذهب لبيت بدرخان فقالت والدة المخرج الكبير: الحق صاحبك المجنون تحت


** افتعلت أزمة لتصوير أغنية «بانو بانو» فى فيلم شفيقة ومتولى حكاية ثعابين فيلم الراعى والنساء وسر قتامة مشاهد فيلم «الجوع»


 

 

هو أحد أهم مخرجى وصناع السينما المصرية، وصاحب أفلام اشتبكت مع الواقع السياسى والاجتماعى وانحازت للمظلومين والمهمشين، فأصبحت علامات فى تاريخ الفن.

 

سليل عائلة صاحبة تاريخ فنى وسياسى كبير، فوالده المخرج الكبير أحمد بدرخان رائد السينما وأحد مؤسسى معهد السينما، وجدوده من أمراء كردستان الذين نزحوا إلى مصر وانتشروا فى عدد من الدول بعد حركات تحرر ضد الاستعمار، رأى فى السينما صوتا للناس وتعبيرا عنهم، فقدم فيها رؤيته وعبر خلالها عن قناعاته وإيمانه بالحرية.


إنه المخرج الكبير على بدرخان، الذى تعامل مع السينما باعتبارها مرادفا للحياة، ترجمة لمشاعر البشر وأزماتهم، وقضاياهم، وشاهدا على تحولات المجتمع، فصنع أفلاما عاشت فى ذاكرة الفن والجمهور، وعبرت واشتبكت مع الواقع، ومنها: «الحب الذى كان، الكرنك، شفيقة ومتولى، الراعى والنساء، الجوع، أهل القمة» وغيرها.


فى هذا الحوار، نقترب من على بدرخان الإنسان والمبدع؛ نعرف تفاصيل مسيرته ومشواره الفنى والإنسانى، نتوقف عند علاقته بالسندريلا سعاد حسنى، قصة زواجهما وتعاونهما الفنى قبل وبعد الطلاق، يحدثنا عن أهم محطات حياته الفنية والصعوبات التى واجهها وكواليس أصعب مشاهد أفلامه، ويمتد الحديث إلى علاقاته بكبار المبدعين الذين شاركوه الرحلة وتركوا أثرهم فى وعيه الفنى والإنسانى، ومنهم نجيب محفوظ، وصلاح جاهين ويوسف شاهين وأحمد زكى ونور الشريف.

 

«نشأت جوه الاستوديو.. السينما ما دخلتش حياتى أنا اتولدت فيها»

سألناه عن نشأته وتأثير والده المخرج الكبير أحمد بدرخان على تكوينه الفنى، فتحدث على بدرخان عن حكايته مع الاستوديو، الذى لم ينظر إليه كمكان عمل، بل باعتباره بيته الأول، فيقول:


«والدى المخرج أحمد بدرخان بنى لنا بيتا فى شارع استوديو الأهرام، ووقتها كانت المنطقة زراعية، وبها عدد محدود من الفيلات، ومفيش ناس كتير».
يبتسم وهو يستعيد التفاصيل، مؤكدا أن الاستوديو لم يكن مجرد مكان يراه من بعيد، بل عالمه اليومى الذى نشأ فيه:


«الاستديو كان الونس بتاعى وأنا صغير، كنت أروح أقعد مع العمال، نلعب كورة، أتفرج على التصوير، أشوف الكاميرات والإضاءة».


داخل هذا العالم، بدأ تكوينه الفنى مبكرا، خاصة مع وجود والده، المخرج الرائد أحمد بدرخان، الذى لم يبخل عليه بالمعرفة ولا بالتجربة:
«والدى كان عنده معدات تصوير فوتوغرافى وسينمائى، وكان بيخلينى أصور وأجرب، وكان عندنا معمل تحميض وطبع، وآلة عرض سينمائى وكان بيجيب أفلام ويعرضها فى البيت، وكنت أجيب زمايلى من المدرسة يتفرجوا معايا، وده كان عامل لى برستيج وسطهم، وأصبحت السينما بيتى وعالمى».


لم يتوقف الأمر عند حدود الكاميرا، والمشاهدة والتحليل، لكن كان التأثير الأعمق، كما يقول على بدرخان، لجلسات العمل التى كان يشهدها البيت:
«كان فيه اجتماعات دايما بين والدى وكتاب السيناريو، يتناقشون فى موضوعات وأفكار، وأنا مهتم أقعد وأسمع، وأحيانا أقول رأيى، ووالدى كان يمنعنى من المداخلات رغم إنه كان بيعجبه كلامى».


وتابع متحدثا عن بداية مشواره مع الإخراج: «كنت أميل للتصوير، لكن لما قدمت فى معهد السينما، والدى قالى تقدم إخراج، انت هتكون مخرج كويس».
يؤكد المخرج الكبير أنه لم يفكر فى التمثيل، رغم وسامته، وأنه اتجه للإخراج ووجد نفسه فيه، وبعد التحاقه بمعهد السينما، الذى تخرج فيه مع دفعة كبيرة من المبدعين ومنهم نور الشريف عام 1967، بدأ رحلة طويلة من التعلم العملى:


«وأنا طالب اشتغلت مساعد مع والدى ومع غيره من المخرجين، اشتغلت حوالى 17 أو 18 فيلم، وهذه التجربة الطويلة كمساعد كانت مدرسة حقيقية، قبل إخراج أول أفلامى«الحب الذى كان»، وقصته مأخوذة من قصة واقعية أبطالها أصدقاء لى وشغلتنى إنسانيا، فكتبتها مع رأفت الميهى».
الزواج من السندريلا وفيلم الكرنك.. سألناه عن محطة مهمة فى حياته كمساعد مخرج، وهى عمله كمساعد لوالده فى فيلم «نادية»، الذى بدأت منه علاقته ببطلة الفيلم السندريلا سعاد حسنى، وكان آخر أفلام والده حيث رحل قبل عرضه.


يتحدث على بدرخان عن بداية علاقته بالسندريلا، فيقول:«كنت بدربها على السباحة، وبحفظها الحوار، فنشأت بيننا علاقة لطيفة استمرت بعد الفيلم، وبعدين اتجوزنا لمدة 11 سنة».


يتوقف على بدرخان عند مرحلة زواجه من سعاد حسنى، مؤكدا أنها كانت بسيطة جدا، ولم تكن نجمة داخل البيت، بل كانت ست بيت عادية - على حد قوله - ووفية لأسرتها، وتحمل همومهم جميعا.


اقترن الزواج بين بدرخان والسندريلا بتزاوج فنى، فشاركته عددا من روائع الأفلام، واستمر التعاون الفنى حتى بعد الطلاق، ويؤكد المخرج الكبير أن العلاقة بينهما لم تكن فنية فقط، بل إنسانية فى المقام الأول، حتى فى أصعب اللحظات، واستمرت هذه الصداقة حتى رحيلها.


وكان من أهم الأفلام التى تعاونت فيها السندريلا مع على بدرخان فيلم الكرنك، أحد أكثر الأفلام التى أثارت جدلا وشكلت مرحلة فنية جديدة فى حياة سعاد حسنى، وشهد الفيلم العديد من الصعوبات.


يتحدث بدرخان، عن كواليس الفيلم والعقبات التى واجهها، حيث كان من أكثر المحطات حساسية فى مشواره، فيقول:«أنا فكرت فى الفيلم  قبل قراءة رواية الكرنك، كان عندى أصدقاء مرّوا بتجربة الاعتقال، وكانوا بيحكولى، وأنا كنت مهموم بالموضوع وعايز أعبّر عنه».


يشير إلى أنه حاول أن يكتب الفكرة فى شكل سينمائى، لكنه لم يصل إلى الصيغة المناسبة، إلى أن صادف نشر رواية «الكرنك» لنجيب محفوظ فى جريدة الأهرام:


«قرأت أول حلقة والتانية وقلت هو ده الموضوع، فكلمت الأستاذ نجيب محفوظ وقلتله أنا عايز أعملها فيلم»، لكن كانت المفاجأة فى رد أديب نوبل:«قال لى لو كنت كلمتنى قبل ربع ساعة بس، ممدوح الليثى لسه جاى واشترى القصة».


لم يتراجع بدرخان، وصمم أن يخرج هذه القصة فى عمل سينمائى: «كلمت ممدوح الليثى وقلتله أنا هعمل الفيلم ده، قالى نشوف، قلتله لأ مش هنشوف، أنا هعمله».


وعن الصعوبات، يوضح أن الأزمة الحقيقية لم تكن فى الإنتاج بقدر ما كانت فى الرقابة: «بعد ما خلصنا الفيلم، الرقابة عملت شوية مشاكل، بس عدت».
ثم يكشف تفصيلة شديدة الأهمية تتعلق بنهاية الفيلم وشرط الرقابة لعرضه: «البيان اللى فى آخر الفيلم كان مكتوب فى السيناريو إنه بيان لعبدالناصر، لكن اتطلب إنه يتغير ويبقى باسم السادات، وهو بيان بالإفراج عن المعتقلين وهدم المعتقلات».


يتحدث عن أداء سعاد حسنى فى الفيلم، فيقول: «سعاد عايشت الموضوع، وفى الفترة دى قعدت مع ناس كتير عاشوا تجربة الاعتقال، وسمعت منهم تفاصيل كثيرة».


سألناه عن أصعب مشاهد الفيلم وهو مشهد الاعتداء على السندريلا، وكانت زوجته فى هذه الفترة، فأوضح أن هذا المشهد ليس استثناء فنيا، لكنه يعترف بثقله الإنسانى:


«أنا بالنسبة لى مشهد زى أى مشهد، لكن بالنسبة لها طبعا كان صعب، فيه فريق عمل واقف، وفيه واحد هيقطع لها هدومها، وجسمها يبان، فكان فيه توتر».
يؤكد أن المشهد لم يعاد تصويره، ويقول بحسم: «مشهد زى ده ميتعادش، سعاد عايشت الشخصية وخدناه من أول مرة».


وبسؤاله عن سعاد حسنى الفنانة، وهل كانت تتدخل بحكم نجوميتها فى اختيار الأبطال أو إبداء ملاحظات على السيناريو، كان رده حاسما: لم تكن سعاد من هذا النوع على الإطلاق، فهى ممثلة محترفة وفاهمة حدودها تماما، لا تتدخل فى عمل المخرج أو مدير التصوير أو الديكور، وكانت مطيعة لتعليمات الجميع، مكتفية بدورها فى التمثيل والمكياج فقط، رغم أنها فنانة فوق أى تقييم، متعددة المواهب، تمثيلا وأداء صوتيا وحركيا، ولديها القدرة على تقديم كل الأشكال الدرامية».


صدمة أحمد زكى.. جابوا له الإسعاف.. وعن ترشيح أحمد زكى لبطولة فيلم الكرنك قبل أن يستقر الدور على نور الشريف، يقول بدرخان: «أحمد كان ترشيحى أنا وصلاح جاهين، كان زميل زوجة جاهين فى المعهد وبيروح يذاكر عنده، فصلاح قال اللى ينفع للدور ده أحمد زكى، وكان وقتها اشتغل مسرح، وأُجرينا له اختبار كاميرا، ونجح، لكن القرار لم يكن فنيا فى النهاية، لأن الموزع قال ما ينفعش نجيب راجل أسمر يحب سعاد حسنى، كده الفيلم مش هيتباع».


يتنهد على بدرخان وهو يستعيد رد فعل أحمد زكى عند إبلاغه باستبعاده من بطولة الفيلم: «لما اعتذرنا له، كان ماسك كوباية شاى، فضغط بيده عليها حتى تكسرت، وبزجاجها خبط رأسه فأحدث فيها جرحا كبيرا، وأحضرنا الإسعاف، وتأثر بعدها بشدة».


ويؤكد أن هذه الواقعة لم تفسد العلاقة بينهما:«العلاقة استمرت، وبعدها اخترته لبطولة فيلم شفيقة ومتولى، وكانت أول بطولة سينمائية له».
«شفيقة ومتولى» من شاهين إلى بدرخان.. ينتقل المخرج الكبير للحديث عن محطة مهمة فى مشواره، وهو فيلم «شفيقة ومتولى»، إنتاج يوسف شاهين، وكان مقررا أن يكون هو المخرج لكنه انسحب وترك مهمة الإخراج لبدرخان.


يحكى كواليس الفيلم، موضحا أن المشروع بدأ مع المخرج الراحل سيد عيسى، ثم توقف الإنتاج، قبل أن يشتريه يوسف شاهين، لكن أثناء العمل، وبعد أن أجرى شاهين عملية قلب، طلب من بدرخان أن يخرج الفيلم بدلا منه، واشترط الأخير مراجعة السيناريو، مؤكدا أن هذا ما تعلمه من شاهين نفسه: «ماقدرش أشتغل على رؤية حد من غير ما أبص فى السيناريو، وشاهين تعجب لكنه وافق ومنحنى مهلة أسبوع واحد لمراجعة السيناريو مع صلاح جاهين».
أعاد بدرخان العمل على السيناريو وأخرج الفيلم برؤيته الخاصة، مؤكدا أن النهاية لم تتغير عمّا كانت عليه فى النص الأصلى، ولكن تغيرت تفاصيل إخراجية أخرى، قائلا: «المخرج رؤية، وصحيح أنا تلميذ يوسف شاهين والحرفية واحدة، لكن فى تفاصيل هو بيحبها ممكن ماتبقاش مناسبة لى، لأن كل مخرج له شخصية مختلفة بحسب التكوين والثقافة والميول».


يتحدث المخرج الكبير عن علاقته بيوسف شاهين، قائلا: «أستاذى، كان يدرس بالمعهد وتعرفت عليه وأنا طالب، وكان شاهين ينسى الأسماء فينادينى دائما باسم «دقدق»، وعملت معه مساعدا فى فيلم الأرض، ولكنى سافرت فى منحة إلى إيطاليا فاستعان بأشرف فهمى، وبعد عودتى ذهبت إليه وكان وقتها يخرج فيلم الاختيار، وقلت له عاوز أشتغل معاك فقال لى اشتغل كل حاجة، من أول الكلاكيت والكهربا والديكور والاكسسوار وكل تفاصيل العمل».


يضحك على بدرخان وهو يتذكر تفاصيل هذه الفترة ويقول: «كان خطه وحش جدا، بيكتب تقطيعات المشاهد بالإنجليزى على الورق وكأنها طلاسم ومكانش حد بيعرف يفك الطلاسم دى غيرى، واختارنى لأكون المساعد الأول له وبعدها كان هو المنتج لبعض الأعمال وأنا المخرج ومنها فيلم شفيقة ومتولى».


«بانو بانو».. خناقة لخدمة المشهد.. سألناه عن كواليس تصوير أغنية «بانو بانو» الشهيرة فى فيلم شفيقة ومتولى، فقال: الأغنية فيها غناء ورقص ودراما، وتعبر عن مشاعر كآبة وتوتر، فأثناء البروفات لقيت سعاد الله يرحمها مركزة على الرقص.


يحكى المخرج الكبير كيف استغل أزمة حدثت فى الاستديو ليشيع مشاعر التوتر بين الممثلين: «كنا بنصور فى الجبل ويوسف شاهين شاف الكاميرا عليها تراب، فرفض إن الكاميرا تطلع وطلع لنا كاميرا تانية، طبعا أنا تربيته، وعارف إنه ماينفعش يغير الكاميرا والعدسات، ورفضت أشتغل بدون الكاميرا الأصلية، وصعدت الموقف وسادت حالة من التوتر بين الجميع، وكلموا الأستاذ يوسف وبلغوه إنى وقفت الشغل، فجاب الكاميرا بنفسه وجاء، كنت عامل دوشة شوية ومزعق، فقال يلا يا أستاذ اتفضل أنا هشتغل لك مساعد، واشتغلنا».
يبتسم قائلا: «كهربت الجو، وده خدم انفعالات المشهد عند سعاد وباقى الممثلين».


«الراعى والنساء».. فيلم التحدى والوفاء.. بمجرد أن انتقلنا للحديث عن فيلم الراعى والنساء، أكد بدرخان أنه مدين بالعرفان لسعاد حسنى، وأحمد زكى، ويسرا، لأنهم وقفوا معه فى وقت صعب، موضحا أنه فوجئ بوجود فيلم آخر يتم تنفيذه بنفس القصة - قاصدا فيلم «رغبة متوحشة» إنتاج حسين القلا - ورغم الشكاوى النقابية التى قدمها بدرخان لم يتم حل الأزمة، فأخذ الأمر بنوع من التحدى وصمم على إنتاج الفيلم فى وقت لم يكن لديه ما يكفى لتكلفة الإنتاج، وهنا وقف إلى جواره سعاد وأحمد ويسرا وشاركوا فى فيلمه دون أجر واعتبروا أجورهم مؤجلة لما بعد توزيع الفيلم.


يشير بدرخان إلى أنه شارك فى كتابة الفيلم، مؤكدا أنه يشارك بأفكاره فى كتابة كل أفلامه، مع كاتب السيناريو حتى يستطيع تنفيذ هذه الأفكار.
لا ينسى المخرج الكبير شهادة المنتج حسين القلا، الذى نفّذ النسخة الأخرى من الفيلم، وذلك حين تم الإعلان عن فوز فيلم الراعى والنساء بجائزة من مهرجان الإسكندرية، حيث أشاد بالفيلم فى كلمته بالمهرجان، مؤكدا أنه لو كان يعلم أنه سيخرج بهذه الصورة لكان أنتجه، وهو ما اعتبره بدرخان لفتة إنسانية ومهنية من «القلا».


يكشف بدرخان، قدر التضحية والعطاء الذى أسرته به السندريلا فى هذا الفيلم وهو آخر أفلامها، قائلا: «كانت مريضة وقت التصوير وبتاخد حقن فى ضهرها عشان تقدر تقف، وأصرت على العمل، وهو ما أثر على أدائها، ومنساش جميلها».


سألناه عن آخر تواصل بينهما فقال: «كنت بكلمها فى التليفون وهى فى لندن، وحاولت إقناعها بالعودة واستكمال العلاج فى مصر، ولكنها كانت مترددة».
«الجوع».. والحارة القاتمة.. يحكى بدرخان، عن كواليس فيلم «الجوع»، المأخوذ عن ملحمة الحرافيش، مشيرا إلى أن يوسف شاهين اشترى رواية الحرافيش تمهيدا للعمل عليها، ثم تراجع وباع أكثر من جزء منها، فطلب منه بدرخان جزء لتنفيذه، وكان يحتاج بناء حارة لتنفيذ الفيلم، وشركة الاستديوهات طلبت منه أن يبنيها على نفقته ثم يقوم بتأجيرها لمن يحتاجها فيما بعد، فاضطر لبناء حارة كاملة بتكلفة ضخمة، والاستعانة بحرفيين خرجوا على المعاش، يعرفون أصول هذه الصنعة.


يفسر بدرخان القتامة السائدة فى فيلم الجوع، قائلا: «لم أصور الحارة كاملة ولكن صورت أجزاء منها لأنها لم تكن اكتملت، كما اضطررت لتصوير أغلب المشاهد ليلا وهو ما أعطى الإحساس بالقتامة فى الفيلم».


وبعد هذه الرحلة الطويلة سألناه عن أصعب مشهد أو فيلم فى مشواره، فأجاب بامتنان قائلا: مفيش حاجة صعبة بالمعنى القاسى للكلمة، حتى اللحظات الشاقة فى العمل جميلة، والتعب فى الشغل له طعم مختلف».


صعوبات طريفة.. يضحك وهو يستعيد ذكريات تجمع بين الصعوبة والطرافة: أتذكر أثناء تصوير فيلم «الرجل الثالث»، كنا بنصوّر مشهد تهريب ليلى فى البحر الأحمر، وكان الجو شتاء، والمركب لا تتحرك، وتعطلنا فترة، فخلعت ملابسى ونزلت إلى الماء وساعدت فى سحب المركب بنفسى، وتكرر الأمر فى الراعى والنساء، كنا بنصور مشهد فى مركب، واضطررت أنزل إلى المياه بملابسى، وابتل بنطلونى، فطلبت من مساعد الإنتاج أن يذهب إلى غرفتى ويحضر لى آخر.


ويكمل: كنت أحتفظ فى غرفتى بعدد من «المشنات» الكبيرة، واحدة فيها ثعابين، والثانية فيها حرباية، وثالثة فيها فئران، والأخيرة بها عقارب، لأننا كنا نحتاج هذه الحيوانات فى التصوير، ورفض كل فريق العمل من المساعدين والإكسسوار الاحتفاظ بها فى حوزتهم فاحتفظت بها فى غرفتى، وعندما فتح مساعد الإنتاج الغرفة، دفعه فضوله لرفع الغطاء عن إحداها، وكانت المشنة الخاصة بالثعابين، وعندما شاهد ما فيها رمى الغطاء وخرج  مسرعا، ولم يخبرنى بما حدث، لكنى فوجئت بأشخاص من الفندق يصرخون: «فيه ثعابين خرجت من الأوضة»، فأسرعت بنفسى كى أجمع الثعابين واحدا واحدا، وهذه المواقف رغم صعوبتها جزء من متعة الشغل.


يرى بدرخان، أن كل فيلم أخرجه مهما بلغت درجة إتقانه، كان يمكن أن يكون أفضل، والمخرج دائما يسعى للأفضل، وهذه المحاولة لا تنتهى.
أحمد زكى مجنون بالفن.. ونور الشريف محترف.. يتحدث بدرخان عن أصدقاء الرحلة، ومنهم أحمد زكى، ويصف علاقتهما بأنها قائمة على الفهم الإنسانى قبل الفنى: «كنا بنفهم بعض بالنظرة، وأحمد كان بيستغرق فى تقمص الشخصية بشكل مرهق نفسيا وعصبيا، وهو ما كان يستدعى وجود طبيب مرافق له دائما، وكان الأمر يصل إلى احتياجه لمهدئات وأدوية».


ويحكى موقفا طريفا حين كان «زكى» يجسد شخصية السادات، وزاره وهو متقمص الشخصية تماما، لدرجة أنه قال لوالدة بدرخان، بلغيه إن السادات عاوزه، فاندهشت الأم ونادته وهى تقول:«قوم صاحبك المجنون تحت».


يقارن بدرخان بين نور الشريف وأحمد زكى، معتبرا أن نور فنان محترف تقنيا يستطيع التمثيل فى أى وقت، ويمكنه أن يشارك فى أكثر من عمل فى وقت واحد بعكس زكى الذى كان يحتاج أن يعيش الحالة بكل كيانه ولا يمكنه أداء أكثر من شخصية فى وقت واحد.

يشير المخرج الكبير إلى أن نور الشريف فضلا عن كونه ممثلا محترفا، أخرج عددا من الأعمال الفنية، لافتا إلى أن نور عاتبه حين اختار أحمد زكى لبطولة فيلم الكرنك فى البداية، ولكن شاءت الأقدار أن يكون هو البطل بعد رفض الموزع لأحمد زكى.


صلاح جاهين: من 7 إلى 77.. يصف على بدرخان صديقه صلاح جاهين الذى تعاون معه فى أكثر من عمل فنى، بأنه إنسان ممتع ومتعدد المواهب، قادر على التواصل مع الجميع، من طلاب المعهد إلى كبار المثقفين، فيقول: «كان مثل مجلة تان تان من 7 إلى 77».


ويروى موقفا طريفا حين كانا يعدان سيناريو فيلم شفيقة ومتولى، وكان يوسف شاهين يستعجلهما لإنجازه، وأثناء عملهما سمعا طرق الباب، فنادى صلاح جاهين للعاملة ورسم شاهين فى ثوان معدودة وقال لها: لو الراجل ده اللى على الباب قولى له إنى مش هنا».


الجذور والجدود.. أمراء كردستان والأحلام المؤجلة.. سألنا المخرج الكبير عن جانب أقل تداولا فى سيرته وهو ما يتعلق بجذور عائلته الممتدة إلى كردستان، وجدوده الذين كانوا أمراء هذا الإقليم، فقال: جدى الكبير الأمير بدرخان العزيزى، أمير بوتان، فى المنطقة المحيطة ببحيرة «وان» فى تركيا، وكان ضد الدولة العثمانية والاحتلال الإنجليزى، وسعى إلى الاستقلال، فكوّن جيشا بالتعاون مع محمد على والى مصر وأصدر عملة، وأقام إمارة مستقلة، لكن حاصرته الجيوش العثمانية فى قلعة «أوراخ» لشهور، حتى نفد الطعام والماء، واضطر الأمير بدرخان إلى الاستسلام مع أبنائه، وتم نفيه إلى القسطنطينية، ثم إلى جزيرة كريت، حيث قضى فترة من عمره، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى المشرق، ليستقر فى دمشق، وهناك توفى بعد عامين، ودُفن فى مقبرة بجوار صلاح الدين الأيوبى، أما أبناؤه وأحفاده، فتفرّقوا بعد تلك الرحلة القاسية؛ ومنهم من هرب إلى مصر وفرنسا وفلسطين، لتنتشر العائلة فى أكثر من بلد.


وبسؤاله عما إذا لم يُغره هذا التاريخ لصناعة عمل سينمائى يحكى هذه الرحلة، ابتسم قائلا: «هذا المشروع من ضمن المشروعات السينمائية المؤجلة التى كنت أتمنى إنجازها، ومن بينها مشروع عن نكبة 1948، لتعرف الأجيال الجديدة بداية القضية الفلسطينية ويفهمون ما يحدث اليوم، لكن هذه الموضوعات لم تجد من يلتفت إليها إنتاجيا».


كان فيلم «الرغبة» عام 2002 آخر فيلم أخرجه بدرخان، وتوقف من بعده عن الإخراج، ورغم ذلك وجد مساحة أخرى للعطاء، وحين سألناه عن نشاطه الحالى، أكد أنه يركز حاليا على تدريس فنون السينما من خلال الأكاديمية التى أنشأها لينقل خبراته للأجيال الجديدة، ويشعر بالرضا حين يرى طلابه يصنعون أفلاما، ويحصدون جوائز، ويشاركون فى مهرجانات.

حوار-المخرج-علي-بدرخان-تصوير-سامح-سعيد-16-12-2025-(1)
 
حوار-المخرج-علي-بدرخان-تصوير-سامح-سعيد-16-12-2025-(19)
 
حوار-المخرج-علي-بدرخان-تصوير-سامح-سعيد-16-12-2025-(26)
 
p
p

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة