في جسد صغير لم يحتمل بعد ثقل السنوات، حملت الطفلة الفلسطينية شهد الباز، ذات الأعوام الستة، آثار حرب لم تفرق بين حجر وبشر، ولا بين مقاتل وطفلة كانت حتى وقت قريب تلهو ببراءة، فمنذ إصابتها جراء قصف إسرائيلي، تغير مسار حياتها بالكامل، لتتحول ملامح طفولتها إلى حكاية ألم مفتوح لا يندمل.
ندبات تضخمية شديدة
لم تعد شهد قادرة على النظر إلى صورتها في المرآة، بعدما خلفت الإصابة حروقا عميقة في الأنسجة الرخوة بمنطقة الرقبة والكتفين والوجه، وأسفرت عن ندبات تضخمية شديدة وتشكل جدرة "كيلويد" في الرقبة وكلا الكتفين، رافقتها تشوهات واضحة وتضخم في الجلد وظهور نسيج غير طبيعي، شوه ملامحها الغضة وترك أثرا جسديا بالغ القسوة.

إصابة شهد الباز
ولا يقف الألم عند حدود الجسد، إذ تعاني الطفلة من التهابات حادة ومتكررة مصحوبة بإفرازات صديدية مستمرة، تزيد من معاناتها اليومية وتضاعف أوجاعها، ومع كل يوم يمر، يتعمق الجرح النفسي أكثر، بعدما أصبحت شهد عرضة لتنمر قاس من الأطفال من حولها، حرمها من الشعور بالأمان وسلب منها حقها الطبيعي في طفولة هادئة، لتدخل في حالة نفسية صعبة تفوق قدرتها على الاحتمال في هذا العمر الصغير.
وفي ظل النقص الحاد في الإمكانيات الطبية داخل القطاع، يقف الأطباء عاجزين عن إجراء العمليات الجراحية والترميمية اللازمة لحالتها، مكتفين بتقديم الحد الأدنى من الرعاية الممكنة، وأوصت الطواقم الطبية بضرورة تحويل الطفلة للعلاج في الخارج، لإجراء التدخلات الجراحية التجميلية المتخصصة، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من طفولتها، وإعادة الأمل إلى وجهٍ صغير أنهكته الحرب قبل أن يعرف معنى الحياة.
انهيار الوضع الصحي

التقرير الطبي للطفلة شهد الباز
وفي 13 ديسمبر الماضي، أكدت منظمة الصحة العالمية، أن 50% من الأدوية الضرورية غير متوفرة تقريبا في غزة وهناك نقص حاد في المستلزمات الطبية بمستشفيات القطاع، مشيرة إلى تفاقم معاناة العائلات النازحة في ظل ظروف إيواء سيئة تزامنا مع المنخفض الجوي الذي يضرب غزة.
وأضافت في بيان لها، أن الوضع في غزة صادم وليس هناك أي حماية أو ملاجئ للنازحين مع بدء فصل الشتاء، وأكثر من 4 آلاف شخص يعيشون في مناطق خطرة على طول ساحل القطاع ويواجهون خطر الأمواج في ظل المنخفض الجوي.
وأشارت إلى أن أكثر من ألف شخص ماتوا في غزة وهم ينتظرون الإجلاء الطبي حتى نوفمبر 2025 والأرقام قد تكون أعلى من ذلك، فيما قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن خدمات الرعاية الصحية في غزة لم تشهد أي تحسن ولا تدفق للإمدادات الطبية للقطاع، وهناك فضائع تعرض لها العاملون بالقطاع الصحي في غزة وكان لها تداعيات نفسية عليهم.
استغاثة شقيقة الطفلة
وتروي شقيقة الطفلة الفلسطينية المصابة شهد الباز تفاصيل اللحظات القاسية التي غيرت حياة شقيقتها إلى الأبد، قائلة إن شهد أصيبت جراء قصف إسرائيلي وقع في محيط وجود العائلة، ما أدى إلى تعرضها لحروق من الدرجتين الثالثة والرابعة، لترتسم معاناة مبكرة على جسد الطفلة.

الطفلة شهد الباز قبل الإصابة
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الإصابة جاءت في وقت كان فيه الوضع الصحي في غزة بالغ الصعوبة، في ظل شح الأدوية وانعدام المراهم الطبية والعلاجات اللازمة للتعامل مع حالات الحروق الخطيرة، الأمر الذي فاقم من وضع شهد الصحي، وأدى إلى التهاب الجروح بشكل متكرر، وزيادة معاناتها داخل المستشفى.
وتوضح الشقيقة أن شهد مكثت لفترة طويلة تحت الرعاية الطبية، قبل أن تتمكن العائلة من الحصول على نموذج تحويلة للعلاج في الخارج، إلا أن هذه التحويلة ما زالت معلقة حتى اليوم، وسط انتظار مرهق يثقل كاهل الأسرة ويضاعف قلقها على مستقبل الطفلة.
وتشير إلى أن الأطباء أجروا لشهد تدخلا جراحيا محدودا داخل غزة، اقتصر على محاولة تصريف الصديد المتجمع في أماكن الحروق المنتشرة على جسدها، بعد أن بدأت تلك البقع بإفراز القيح نتيجة الالتهابات المستمرة، في ظل غياب الإمكانيات اللازمة للعلاج الترميمي الكامل.
وتختتم شقيقة شهد حديثها بالتأكيد على أن العائلة لا تزال تنتظر فتح باب السفر، حتى تتمكن الطفلة من استكمال مراحل علاجها خارج القطاع، أملاً في تخفيف آلامها وإنقاذ ما تبقى من طفولتها، قائلة إنهم يضعون أمرهم بين يدي الله سبحانه وتعالى، سائلين أن يحمل الغد ما فيه الخير لوجه صغير أنهكته الحرب قبل أوانه.