يوجد فى تاريخنا المعاصر رجال قاموا بواجبهم خير قيام، وعرفوا دورهم نصب أعينهم ففلم يتأخروا لحظة عنه، وأدوا ما عليهم وزيادة، فتركوا إرثا يشهد لهم إلى يوم الدين ومن هؤلاء الأستاذ الكبير عبد السلام هارون، أحد أبرز الأسماء العربية التى أعادت للتراث مكانته ومنحته دقة التحقيق وأوصلت نصوصه إلى القارئ العربي، حتى أنه تحول إلى مشروع مكتمل اسمه "عبد السلام هارون" يكفى اسمه على أى كتاب كى تثق فيه وتعرف أن الجهد مبذول والفائدة موجودة.
وبمناسبة أن اليوم ذكرى ميلاده فهو من مواليد 18 يناير من سنة 1909، فإننا سنتوقف سريعا عند ما قام به كى نشير سريعًا إلى فضله ونعترف بدوره فى خدمة اللغة العربية.
ولد عبد السلام هارون فى الإسكندرية وتخرج فى كلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة العربية، واهتم مبكرا بالمخطوط، فكان أحد أبرز من أتقن علومه (فهرسة وقراءة ومقابلة وضبطًا للنصوص القديمة)، ومنذ الثلاثينيات، بدأ يظهر اسمه فى ساحة التحقيق، ومع الزمن صار أحد أعمدة هذا الفن فى العالم العربى كله.
بدأ عبد السلام هارون مدرسا ثم لنبوغه صار أستاذًا فى الجامعة، ثم عين أمينًا عامًا لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ، وقد ارتبط اسمه قبل أى شيء آخر باسم الجاحظ، فقد قدم إلى المكتبة العربية أحد أكثر المشاريع دقة وتأثيرًا فى تحقيق تراث الجاحظ، ومن ذلك كتاب "البيان والتبيين" في أربعة مجلدات، ويعد تحقيق هارون لهذا الكتاب مرجعًا ثابتًا، وقدم كتاب "الحيوان" في سبعة مجلدات، وهو عمل موسوعى ضخم، بذل فيه جهدًا خارقًا فى المقابلة بين النسخ والتوثيق والتعليق وإعادة بناء كتاب يعد من أعقد كتب الجاحظ.
ليس هذا فقط فقد قدم أعمال أخرى للجاحظ منها تحقيق كتب مثل "الرسائل"، و"الحجج المنجية"، وغيرها مما أسهم فى تكوين ما يشبه "مكتبة جاحظية" محققة على يده.
ولم يكن عبد السلام هارون محققًا لكتب الجاحظ فقط، فعلى مدى عشرات السنين، قدم مجموعة ضخمة من التحقيقات والدراسات التى صارت مراجع أساسية، منها "خزانة الأدب" للبغدادى في ثلاثة عشر جزءًا، و"معجم مقاييس اللغة" لابن فارس، و"تهذيب سيرة ابن هشام، و"الصحاح" للجوهرى (بالاشتراك).
وتولى عبد السلام هارون منصب أمين عام مجمع اللغة العربية، وشارك فى لجان المعاجم، والمصطلحات، واللغة الحديثة، وكان من الأصوات الأكثر حرصًا على تثبيت المصطلح العربى فى العلوم الحديثة، ودعم مشروع "المعجم الكبير"، ومواجهة الأخطاء الشائعة، وتقديم رؤية مستندة إلى التراث دون انغلاق.
ومن هنا وفى ذكرى ميلاده، نشير إلى أن عبد السلام هارون واحدًا من الرجال الذين خدموا اللغة العربية بكل إخلاص وصنعوا لمصر أثرا في هذا الشأن، كان ولا يزال عمدة في مجاله، وموضع ثقة، وللعلم فإن اكتساب الثقة في هذه المجالات ليس بالأمر الهين ولا يأتي خبط عشواء بل يحتاج لجهد متراكم، وهو ما قام به عبد السلام هارون حتى توفي في سنة 1988.