محمود عبدالراضى

جيل بلا قراءة..حين صمتت الصفحات وتكلمت الشاشات

الأحد، 18 يناير 2026 03:23 م


لماذا لا نقرأ؟ سؤال بسيط في ظاهره، ثقيل في معناه، يطرق أبوابنا كلما مررنا بمكتبة خاوية أو رأينا شابًا يحدق طويلًا في شاشة هاتفه، يمرر إصبعه بلا توقف، كأن المعرفة تختصر في مقطع مصور لا يتجاوز الدقيقة.

لم تعد القراءة عادة يومية، ولا طقسًا ثقافيًا محببًا، بل أصبحت لدى البعض رفاهية مؤجلة، أو جهدًا غير ضروري في زمن السرعة.

للأسف، تشهد مجتمعاتنا تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على القراءة، خاصة بين الأجيال الجديدة، التي نشأت في قلب ثورة رقمية طاغية.
الذكاء الاصطناعي، ومحركات البحث، والفيديوهات القصيرة، قدمت المعلومة جاهزة، مختصرة، بلا عناء.
سؤال واحد يكفي، وإجابة فورية تظهر، دون حاجة إلى تصفح كتاب، أو البحث في مرجع، أو الغوص في التفاصيل، هكذا تحولت المعرفة من رحلة ممتعة إلى لقطة عابرة.

من منا لا يتذكر تلك الأيام التي كنا نقصد فيها المكتبات بشغف؟ كنا نبحث عن كتاب كما يبحث العطشان عن الماء، نقرأ لنفهم، ونقرأ لنختلف، ونقرأ لنبني داخلنا بنكًا من الأفكار والمعلومات منذ نعومة أظافرنا، كانت القراءة آنذاك فعل اكتشاف، لا مجرد وسيلة للحصول على إجابة.

اليوم، يبدو المشهد مختلفًا، الاستسهال أصبح سمة العصر، والقراءة الطويلة صارت عبئًا في نظر كثيرين، الخوف الحقيقي لا يكمن في قلة عدد القراء فقط، بل في احتمال أن ينشأ جيل غير قارئ، محدود الاطلاع، يعتمد على معرفة سطحية لا تصمد أمام الأسئلة الكبرى ولا تبني وعيًا حقيقيًا.

القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية، هي التي تصقل العقل، وتوسع الأفق، وتمنح الإنسان قدرة على التفكير النقدي والتحليل، أمة لا تقرأ، أمة تسير بعين واحدة، ترى نصف الحقيقة فقط.

من هنا، تأتي الدعوة الصادقة إلى أولياء الأمور، فالمسؤولية تبدأ من البيت، ترسيخ حب القراءة في نفوس الأبناء لا يكون بالمواعظ، بل بالممارسة، بالقدوة، بجعل الكتاب صديقًا يوميًا، لا ضيفًا عابرًا.

القراءة يجب أن تكون حاجة أساسية، لا نشاطًا ثانويًا، لأنها الطريق الأضمن لصناعة جيل واعٍ، قادر على الفهم، لا مجرد الاستهلاك.

الكتاب، مهما تغير الزمن، سيظل أعظم اختراع عرفه الإنسان، والقراءة ستبقى فعل مقاومة في زمن السطحية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة