شحاتة زكريا

إدارة الصورة أم إدارة الواقع؟

الأحد، 18 يناير 2026 12:40 م


في زمن تتقدم فيه الصورة على الحقيقة وتسبق فيه الرواية الواقعة لم يعد السؤال الأهم: ماذا نفعل؟ بل كيف نبدو ونحن نفعل؟ هنا بالتحديد يقع الالتباس الأخطر في إدارة الشأن العام حين تختلط إدارة الصورة بإدارة الواقع وحين يتحول الجهد الحقيقي إلى مادة دعائية أو تستبدل السياسات الصعبة بلقطات محسوبة وزوايا تصوير جيدة .. إدارة الصورة ليست جريمة في ذاتها. كل دولة حديثة تحتاج إلى خطاب وكل مؤسسة تحتاج إلى رواية تشرح بها ما تفعل. لكن الخطورة تبدأ عندما تصبح الصورة بديلا عن الواقع لا انعكاسا له. حين تدار الأزمات بالكاميرات قبل أن تدار بالأدوات وحين يقاس النجاح بعدد البيانات لا بحجم الأثر في حياة الناس .. في لحظات الضغط الاقتصادي والاجتماعي يصبح المواطن أكثر حساسية للفارق بين ما يقال وما يعاش. قد يتفهم الصعوبة وقد يصبر على الضيق لكنه نادرا ما يتسامح مع التجميل الزائد أو المبالغة. لأن الصورة مهما كانت محكمة لا تستطيع أن تنافس الواقع حين يطرق باب البيت في صورة فاتورة مرتفعة أو خدمة متعثرة أو دخل لا يكفي.

المشكلة أن إدارة الصورة تمنح إحساسا سريعا بالسيطرة. بيان جيد الصياغة، جولة ميدانية محسوبة، تصريح مطمئن، كلها أدوات سهلة نسبيا مقارنة بإصلاحات معقدة تتطلب وقتا وقرارات موجعة. وهنا يغري الطريق الأقصر فيتحول الجهد من معالجة السبب إلى تحسين المشهد. لكن المشهد لا يصمد طويلا إذا ظل السبب قائما .. في المقابل إدارة الواقع عمل شاق وبطيء لا يلتقطه الإعلام بسهولة ولا يظهر في عناوين عاجلة. هو عمل يتطلب بيانات دقيقة واستماعا حقيقيا ومصارحة قبل التسويق. إدارة الواقع تعني الاعتراف بالمشكلة قبل تزيين الحل والاعتراف بالتأخير قبل إعلان الإنجاز والتمييز بين ما هو مخطط وما هو منجز بالفعل.


اللافت أن المجتمعات لم تعد كما كانت. منصات التواصل والبث المباشر وتداول المعلومة جعلت من الصعب الاحتفاظ بصورة واحدة للأحداث. هناك دائما صورة أخرى من زاوية مختلفة وتجربة فردية تناقض الرواية العامة وصوت صغير قد يهدم خطابًا كاملا. لذلك فإن الرهان على الصورة وحدها لم يعد مضمونا.بل قد ينقلب إلى عبء.


الخطاب الرسمي حين يبالغ في تعداد الإنجازات أو يقفز على التفاصيل لا يفقد المصداقية فقط بل يفتح المجال للشائعات والقراءات المغرضة. لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغا طويلا. إدارة الواقع على العكس تسد هذا الفراغ بالحقائق حتى وإن كانت غير مريحة. وهي بذلك تحصّن المجتمع بدلا من أن تتركه فريسة للتأويل.


ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التواصل أو الإعلام بل إعادة تعريف دوره. الإعلام الناجح ليس من يجمل الواقع بل من يشرحه ويضعه في سياقه ويشرح التحديات قبل النجاحات. الصورة هنا تصبح نتيجة طبيعية لواقع متماسك لا قناعً


هشا يخفي التشققات .. في النهاية إدارة الصورة قد تكسب لحظة لكن إدارة الواقع تكسب ثقة. والفرق بين اللحظة والثقة هو الفرق بين سياسة تعيش على العناوين ودولة تبنى على ما يلمسه الناس في حياتهم اليومية. الصورة مهمة نعم لكنها لا يجب أن تقود المشهد. القائد الحقيقي هو الواقع نفسه بكل صعوباته وتعقيداته. وحين يدار الواقع جيدا تأتي الصورة وحدها دون جهد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة