حسين حمودة

ذوبان الهوية النوبية 3.. رواية محلك سر

السبت، 17 يناير 2026 12:00 ص


(1)

من عالم رواية (قانون الوراثة) لياسر عبد اللطيف إلى عالم رواية (محلك سر) لسمر نور، تتلاشى، أو تغيم، ملامح الروابط التى تجمع النوبيين فى مدينة القاهرة، وتتناءى هويتهم البعيدة، وتتحول إلى مجرد ذكريات ضبابية عن مكان كان يجمعهم، داخل مقر جمعية خيرية من جمعياتهم بالعاصمة. ويتحقق ذلك، فى (محلك سر)، خلال إشارات ووقفات تتخلل سرد "راوية" مرتبط بذاكرة مراوغة، تجعلها تستعيد أحداثًا (وتنسى أحداثًا أخرى) من طفولة منقضية، بعيدة، وتجعلها تصوغ هذه الأحداث خلال "عالم بينىّ" مراوغ، تتداخل فيه الوقائع والأحلام، وتنداح فيه المسافات بين المرجعى والخيالى، وتمحى فيه - تقريبًا - الفواصل بين ما كان ماثلاً فى زمن قديم، وما أصبح قائمًا فى زمن راهن.


(2)

عالم هذه الرواية، المقترن بتجربة فتاتين، "لمى" و"صوفي"، فى مقاربته الأولى، هو عالم الفقد والخيبة، والفشل، والخوف من مواجهة العالم، والقهر الروحى، والبحث عن الأمان الغائب دون جدوى، والهزيمة التى تلوح كأنها موروثة: "تورّث مثل الأموال والعقارات" (الرواية ص 43)، وعدم الاكتمال، والاندياح بين المسافات في الأزمنة والأماكن، والوجود الشبحى غير المحدد تحديدًا قاطعًا، وفقدان اليقين.

عنوان الرواية "محلك سر"، الذي يعنى الحركة المراوحة فى المكان نفسه، يشار إليه خلال صوت "صوفى" التى تقول إنها وصديقتها "لَمَى" تبدوان وكأنهما تائهتان فى رحلة بحث، وهما بعبارتها: "نتحرك فى أماكننا كمن تلعب على ممشى الجيم المتحرك" (ص 10). والرواية، بنائيًا، فضلاً عن عنوانها، تقوم على تقسيم لفصول وأقسام معنونة مسمَّاة (شرفات، جدران، باب)، وداخل كل فصل تقسيم داخلى يتحرك فيه السرد بحريَّة، فيما بين تأملات الشخصية وأحلامها وتأملاتها، والمعلومات عن بعض الشخصيات (مثل القديسة مارينا) وعن بعض الأماكن (مثل "باب اللوق" بقلب القاهرة)، وعن بعض الظواهر، مثل الجنون. وخلال هذا التقسيم تتحقق انتقالات واسعة بين عوالم متعددة، وأحيانا متباعدة.


(3)

عبر هذه الحركة، يمثل "الاندياح" معلمًا مهمًا فى هذه الرواية. لا شىء فى عالم الرواية يبقى ثابتا على حاله. الجدران الفاصلة بين الوقائع تتحرك من أماكنها. والحدود والتخوم توضع دائمًا موضع الاختبار، ومساحات الوقائع والأحلام والجنون والتعقل تتداخل دائما فيما بينها.
فى هذا المنحى، تأخذ "الأحلام" حيزًا كبيرًا من عالم الرواية. صوفى تطاردها الأحلام التى تتحقق فيما بعد، وتحاول كثيرا دون جدوى أن "تقتل تلك الأحلام بتجاهلها" (الرواية ص 47)، و"لا يمكنها السيطرة على كوابيس واقعها" (ص 49). و"لمى" "تعيش على حلم يقظة ممتد، يفصلها عن العالم" (الرواية ص 48). وفى اختفاء المسافة بين الحلم والواقع، تشير الرواية إلى أنه "هناك فى الواقع ما يمكنه هزيمة أكثر الأحلام خيالاً ونزقًا" (ص 75، وانظر أيضًا صفحات 33، 42، 68).
إلى جانب اختفاء المسافة بين الحلم والواقع، تتلاشى أيضًا المسافة بين العقل والجنون. هناك شخصية مهمة بالرواية هى "سيد" المجنون، صارت إحدى الخرابات له بيتًا، وصار "الجنون ملاذًا" (ص 15). ولمى، فى طفولتها، عندما تسألها صديقة: "عايزة تطلعى إيه يا حبيبتى لما تكبرى؟".. تجيب "فى ثقة: أحب لما أكبر أطلع مجنونة" (الرواية ص 21)، كما تشير الرواية إلى تلك "المساحات الضيقة بين العقل والجنون" (ص 23).

أيضًا، فى وجهة الاندياح هذه، تمّحى المسافة بين اليقين والتساؤل؛ "لمى"، مثلاً، فى بعض المواقف، تشعر بأنها "معلقة فى وسط النهر بين شاطئين، لا تملك اليقين اللازم للوصول إلى أى مرسى" (ص 65)، كما تختفي المسافة بين الواقع والخيال. وسوف تتساءل لمى أيضًا عمَّا يمكنه "أن يضاهى الخيال، ومن يخلق واقعًا يماثله".


(4)

فى هذا العالم، تمثِّل "الشرفة" مفردة ووسيلة أساسية للاتصال بالعالم، فمنها يمكن الإطلال على هذا العالم، ومراقبته عبر مسافة، دون الانخراط فيه. وترديدات مفردة "الشرفة" كثيرة جدا بالرواية، فالقسم الأول بالرواية عنوانه "شرفات"، ثم إن الشرفة حاضرة فى سياقات عديدة (انظر الرواية صفحات 7، 8، 17، 22، 24، 63، 97، 115).. والشرفة، حتى مواضع متأخرة من الرواية، تبقى دائما مكانًا للاختباء من الآخرين، وفى الوقت نفسه وسيلة لمراقبتهم (انظر ص 135)، وسوف تظل لمى، فى "كل مكان تذهب إليه، تحمل معها شرفتها" التى تشير إلى "حاجز يفصلها عن التورط مع العالم" (ص 67).

(5)

تتحرك الرواية، عبر هذا الاندياح نفسه، خلال أزمنة متعددة، وحركة الرواية عبر الزمن تشبه السباحة فيه. وخلال هذه السباحة ثمة إشارات إلى أزمنة متباعدة تتجاور معًا فى الفقرة الواحدة، وثمة وقفات مع بعض المحطات الزمنية المرتبطة بوقائع مرجعية، منها صورة اغتيال الرئيس السادات التى بثتها شاشة التلفزيون عام 1981، ومنها ما ارتبط بالزلزال الذي ضرب بعض المناطق فى مصر عام 1992.

في هذه الوجهة، تؤرخ الرواية، أحيانا بطريقة غير مباشرة، لتحولات فى المجتمع المصرى والعالمى خلال رصد وقائع وظواهر بعينها: "حركة التحجيب" (انظر ص 131)، وتسريحات الشعر قبل تفشى ظاهرة "الحجاب" (انظر ص 131)، واغتيال السادات (كما أشرنا)، والأزمة الاقتصادية العالمية (ص33)، ومظاهرات ترتبط بسنة 2003 احتجاجًا على غزو أمريكا للعراق (ص 148)، وبعض هذه الوقائع يرتد لتواريخ أقدم، منها إشارة إلى اعتقال والد لمى بتهمة الانتماء لتنظيم شيوعى عام 1959.

يأتى رصد وقائع الزمن، وتحولاته، خلال الذاكرة المراوغة نفسها. والإلحاح على الذاكرة، وما تفعله فى استعادة وصياغة وقائع الزمن، واضح فى مواضع كثيرة بالرواية، منها مقارنة بين نوعين من الذاكرة، "ذاكرة أقرب للوحة تشكيلية" يمكن التوقف وتأمل تفاصيلها، وأخرى أقرب لكادرات السينما المتلاحقة (انظر ص 48).

(6)

خلال هذه الحركة عبر الأزمنة، وعبر الذاكرة التى تلتقطها، هناك وقفة مهمة بالرواية عند ما تسميه "لمى" "بيت العجائز". والتفاصيل التى تسوقها حول هذا البيت، والإشارات الدقيقة لموقعه، كلها تشير إلى أنه مقر لجمعية خيرية نوبية. تتوقف الرواية عند هذا "البيت" فى فصل كامل، وترصد عالمه، دون أن تسمّيه، خلال ذاكرة لمى، وعالمها المنداح.

فى "بيت العجائز"، الذي يشار إليه فقط على أنه "الجمعية الخيرية"، تستعاد حكايات عن بلدة بعيدة، ويوصف مقر بيت العجائز خلال تحديد دقيق لموقعه الذي يمكن تقصّيه خارج الرواية. وفي سرد الراوية يتم رصد عالم من يترددون على هذا البيت من كبار السن الذين يجلسون فى الشرفة ويلعب بعضهم الشطرنج أو الدومينو أو الطاولة. الشقة، التى تمثل مقر الجمعية، تحتل الطابق الثالث من مبنى، ويتم وصفها بالتفصيل: صالة الاستقبال الواسعة، والغرف المتفرعة منها، والمدخل المؤدى للمطبخ، والشرفة الواسعة، كما يتم الإشارة إلى "عم مرجان"، العجوز الأسود الذي يقدم المشروبات للعجائز، ويجهِّز للراوية، التى كانت طفلة، مشروب "الشاى بالحليب" (ص 39). تشير الرواية إلى ملامح الرجال السود الذين كانت تلتقيهم عبر ذكريات ضبابية، وإلى الرجل الأسود الذي كان يدافع عن حريتها فى التحرك خلال المكان، ويتركها "تعبث كما تشاء"، "ويدافع عنها إن لزم الأمر. فلديه سطوة على المكان باعتباره القائم بالأعمال فى غياب والدها الرئيس" (ص 39)، كما تشير الرواية إلى المعالم الخارجية التى تحيط بالمبنى، ومنها برج الكنيسة الذي تسمع أجراسه، والمنزل الذي سوف تزوره فى زمن آخر، وتكتشف أن الجامعة الأمريكية قد استأجرته وجعلته "مخزنًا".

يأتى رصد عالم "بيت العجائز"، مقر الجمعية الخيرية النوبية، رصدًا تتداخل فيه أصداء الذكريات البعيدة والأحلام، ولكن مع هذا، هناك إشارات مرجعية دالة، منها اسم "شارع منصور" الذي يقع فيه هذا المقر، ومنها إشارة إلى أن البيت الذي يحتل المقر الطابق الثالث فيه قد "فشل فى الصمود أمام زلزال 1992، مثله مثل كثير من البيوت القديمة، ليتقرر هدم دورين فى عمارة شارع منصور، من بينهما شقة الجمعية" (الرواية، ص 40).

**

وخلال مثل هذه الإشارة المرجعية، وخلال بعض المعلومات التى قدمتها كاتبة الرواية، يمكن بسهولة اكتشاف أن "بيت العجائز" هذا، أو هذا المقر، يشير إلى جمعية نوبية معروفة بالقاهرة، هى "جمعية الجنينة والشبّاك". وقد كان لها هذا المقر القديم، بالفعل، فى هذا الموقع (شارع منصور)، وهذه الجمعية (التى تستمد اسمها من اسم بلدة نوبية: "الجنينة والشباك") كانت تقدم خدمات للنوبيين المقيمين بالقاهرة، منها ما يرتبط بـ"الإسكان" والرعاية المتنوعة. وقد كان والد الكاتبة، الأستاذ نور سليمان جاسر، هو رئيس جمعية الإسكان النوبى، وكان يتم التعامل معه، فى هذه الجمعية، باعتباره رئيسًا فعليًّا لها، وبعد هدم هذا المقر أصبح هناك مقر آخر جديد للجمعية. والمهم، في هذا هذا السياق، أن التفاصيل التى تأتى فى الرواية عبر ذاكرة الراوية البعيدة، تتقاطع فى مساحات متعددة مع وقائع مرجعية ثابتة.

بيت العجائز، أو مقر هذه الجمعية النوبية بالقاهرة، بشخوصه من كبار السن، هو تمثيل لرابطة كانت تجمع بعض النوبيين بالقاهرة، وتعمل على تقديم المساعدات لهم. وفى تناول هذا البيت، برواية (محلك سر)، خلال الذاكرة البعيدة، وأحيانا بمنطق الخيالات التى يتداخل فيها ما هو محدد وما ليس محددا، وبهذا القدر من "التبعيد".. فى هذا التناول ما يشير إلى أن دور هذه الجمعية الخيرية الذي يقترن بنوع من السعى إلى الإبقاء على تماسك الجماعات النوبية بالقاهرة، وتعاون أفرادها، قد دخل فى طور من أطوار التنائي، فى الكتابة الروائية عنه، على الأقل.

إن الذاكرة التى كانت تستعيد، بقدر من الوضوح، حياة بعض النوبيين فى القاهرة، خلال رواية (قانون الوراثة)، قد أخذت هنا، فى (محلك سر)، شكلاً من أشكال التباعد.. لم تعد الجماعة النوبية فى (محلك سر) سوى مجموعة من العجائز، سُمر أو سود الوجوه، تتداخل صورهم مع صور أخرى، هى صور أهل القاهرة من غير النوبيين.. ولم تعد "هويتهم" السابقة على أوائل ثمانينيات القرن الماضى، [وهو الزمن المرجعى الذي تستعيده وتتوقف عنده (محلك سر)] بالقدر نفسه من الوضوح الذي كانت عليه فى العقود الأولى من القرن نفسه [وهى الفترة المرجعية التى تستعيدها (قانون الوراثة)].

لقد ذابت، أو كادت تذوب، عبر الزمن، الهوية النوبية في مدينة القاهرة، واندمجت في هوية أكبر، على الأقل خلال تجسيدها في عالمين روائيين.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة