محمد مرعى

لجنة التكنوقراط فى غزة.. كيف فرضت مصر رؤيتها لليوم التالى للحرب

الخميس، 15 يناير 2026 08:53 م


منذ ديسمبر 2023، بعد شهرين تحديدا من هجوم طوفان الأقصى، شرعت مصر فى طرح رؤيتها بشكل مبكر وواضح بشأن ترتيبات "اليوم التالي" فى قطاع غزة، سواء على طاولة المباحثات مع الفصائل الفلسطينية، أو عبر قنوات الحوار الدبلوماسى والسياسى مع القوى الإقليمية والدولية. وتمحور جوهر هذه الرؤية حول "تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية" تتولى إدارة القطاع بصورة انتقالية، بما يضمن استمرار الإدارة المدنية والخدمات الأساسية، ويحول دون حدوث فراغ سياسى أو أمنى عقب توقف العمليات العسكرية.

وقد انطلقت القاهرة فى هذا الطرح من قناعة راسخة بأن أى مسار مستدام لما بعد الحرب لا يمكن أن يقوم على الحلول العسكرية أو الإقصائية، ولا حتى على إحداث فوضى داخل القطاع تكون لها ارتدادات ومخاطر على سيناء، وإنما على ترتيبات فلسطينية تحظى بحد أدنى من التوافق الوطنى، وتحظى فى الوقت نفسه بقبول إقليمى ودولى يسمح بإطلاق مسار إعادة الإعمار.

 

أولا: تحديات الحرب ورفض الطروحات الصفرية

مع امتداد شهور الحرب بكل ما حملته من دمار واسع وضغوط سياسية وتحركات دبلوماسية مكثفة، عقدت لقاءات واجتماعات فى القاهرة والدوحة وروما وواشنطن وتل أبيب، غير أن الطرح المصرى قوبل فى بداياته بتشكيك واسع. فقد سيطرت على المشهد آنذاك تصورات صفرية للصراع، تمثلت فى أن نتنياهو واليمن المتطرف الحاكم قد حسموا أمرهم فى شكل وطبيعة اليوم التالى فى غزة وتمحورت حول العمل بكل قوة على تهجير سكان غزة من أرضهم إلى مصر أو إلى دولة ثالثة وأن تعيد إسرائيل إعادة إحتلال القطاع عسكريا وتسرع فى إقامة المستوطنات. هذه التصورات التى رسخت لها وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث فى إسرائيل وفى الغرب، جعلت فكرة "تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة غزة" تبدو فى نظر كثيرين غير قابلة للتحقق.

ورغم ذلك، واصلت مصر التحرك بثبات واتزان، استنادًا إلى قراءة دقيقة لتوازنات القوى، وإدراك عميق لحدود القوة العسكرية وعجزها عن إنتاج حلول سياسية مستقرة. وقد تمسكت القاهرة بموقف واضح مفاده أن أى تسوية يجب أن تحافظ على الوجود الفلسطينى على أرضه، وأن إدارة غزة شأن فلسطينى لا يمكن مصادرته أو فرض بدائل عليه من الخارج.

 

ثانيا: رفض التهجير وحشد الدعم الدولي

خلال العام الأخير من حقبة الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن، صعدت إسرائيل من تحركاتها وضغوطها مستنده للوبيات وجماعات الضغط لديها فى واشنطن، لدفع بايدن لتبنى الحل الإسرائيلى حول اليوم التالى فى غزة، حيث التهجير وتصفية القضية. لكن حينها تحركت مصر مع شركائها العرب والإقليميين والدوليين، واستطاعت تغيير موقف إدارة بايدن، بل دفعها لتتبنى بشكل رسمى ومعلن موقف الرفض لمخطط التهجير.

مع انتهاء حقبة بايدن، ومجىء إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى يناير 2025، ظهر للجميع أنها جاءت وفق رؤية قائمة على دعم مطلق لنتنياهو يتجاوز حجم الدعم الذى كان قائما إيان إدارة بايدن، وانعكس ذلك فى تبنى الرئيس ترامب نفسه لرؤية إسرائيل حول اليوم التالى للحرب والتى تلخصت فى ممارسة الضغوط على مصر لتسمح باستقبال الفلسطينيين أى تهجيرهم وتفريغ القطاع من سكانه تحت عنوان أو لافتة "إعادة الإعمار" والتحجج أنه لا يمكن إعادة الإعمار فى غزة مع وجود أكثر من 2 مليون فلسطيني.

إلا أن الموقف المصرى ظل ثابتا ولم يتغير، وجاء رافضًا بحزم وهدوء فى آن واحد على طرح ترامب، باعتبار أن التهجير يمس الثوابت الوطنية المصرية، ويشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى، فضلًا عن كونه تصفية فعلية للقضية الفلسطينية.

ولم يقتصر الرفض المصرى على الجانب السياسى والدبلوماسى، بل اقترن بطرح رؤية بديلة متكاملة، نجحت القاهرة من خلالها فى حشد دعم إقليمى ودولى واسع يقوم على إعادة إعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه.
ومع تبلور هذا الإجماع، تراجعت الضغوط الأمريكية، وأصبح الموقف المصرى مرجعية أساسية فى النقاشات الدولية حول مستقبل القطاع، بما عكس قدرة القاهرة على الصمود والدفاع عن سيادتها، وفى الوقت ذاته منع تمرير سيناريو كان من شأنه إنهاء القضية الفلسطينية عمليًا.

 

ثالثا: تفكيك عقدة سلاح حماس وتوحيد الموقف الفلسطيني

خاضت مصر مسارًا تفاوضيًا معقدًا مع مختلف الفصائل الفلسطينية، بهدف التوصل إلى توافق وطنى حول ترتيبات اليوم التالي. وقد شكّل ملف سلاح حركة حماس أحد أعقد معوقات الوصول إلى هذا التوافق، فى ظل اعتباره نقطة اشتباك رئيسية بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، والحساسيات الفلسطينية الداخلية.

اعتمدت القاهرة مقاربة واقعية ومتدرجة، قامت على الفصل بين إدارة القطاع المدنية والخدمية من جهة، والقضايا الأمنية والعسكرية الكبرى من جهة أخرى. وجرى ترحيل ملف السلاح إلى مسارات لاحقة، ضمن أطر وآليات تم التوافق عليها مع الأطراف الدولية المعنية، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل، بما حال دون تحوله إلى عامل تفجير لمسار وقف الحرب أو تعطيل التوافق الفلسطيني.

وقد سمح هذا الفصل الوظيفى بإنجاز توافق فلسطينى واسع على تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة غزة، دون اشتراط الحسم الفورى للقضايا الأمنية الأكثر حساسية، مع الإبقاء عليها ضمن جدول زمنى ومعالجات مرحلية لاحقة.

 

رابعا: لجنة التكنوقراط كصيغة انتقالية قابلة للتنفيذ

أسفرت الجهود المصرية عن تفكيك العقدة الأشد تعقيدًا فى المشهد الفلسطينى، وتهيئة أرضية عملية سمحت ببلورة توافق فلسطينى غير مسبوق على لجنة تكنوقراط انتقالية "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" تتولى إدارة قطاع غزة فى مرحلة ما بعد الحرب. وقد حظيت هذه الصيغة بقبول داخلى فلسطينى، وبتفهم ودعم إقليمى ودولى، باعتبارها حلًا واقعيًا يحفظ الدم الفلسطينى، ويضمن استمرار الحياة اليومية فى القطاع، ويأخذ فى الاعتبار فى الوقت نفسه شواغل الأطراف الأخرى، خاصة الجانب الإسرائيلى والأمريكي.

وقد تعزز هذا المسار بإطار إشرافى دولى، يهدف إلى ضمان استقرار الترتيبات الانتقالية، وتهيئة الظروف لإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة النطاق، دون المساس بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

 

خامسا: مصر ترسم مسار اليوم التالي

إذا كان التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة، ببنوده المختلفة، قد جاء وبشهادة الرئيس ترامب نفسه خلال قمة شرم الشيخ، نتيجة جهود مضنية بذلتها مصر ومؤسساتها، فإن مسار "اليوم التالي" فى القطاع يمضى اليوم إلى حد كبير وفق التصورات والمحددات المصرية.

ولا يقتصر هذا الدور على الترتيبات السياسية والإدارية فحسب، بل يمتد إلى كيفية إدارة أعقد الملفات الخلافية بأدوات سياسية تراكمية، تحافظ على وحدة المسار التفاوضى، وتمنع انهياره، وتفتح المجال أمام انتقال تدريجى من منطق الحرب إلى منطق الإدارة والإعمار والاستقرار.

فى الأخير، تمكنت مصر من ترسيخ مقاربتها ورؤيتها باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ لمعالجة ترتيبات ما بعد الحرب فى قطاع غزة، بما عكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المشهد، وهو فهم كان نتاج خبرات عقود تراكمت لدى مؤسسات وطنية مصرية وضعت أهدافا استراتيجية محددة ونجحت فى النهاية فى تحقيقها بصورة كبيرة بهدوء ودون ضجيج.

أكدت هذه التجربة أن الدور الإقليمى الفاعل لا يُختزل فى إدارة الأزمات أو التفاعل مع تداعياتها، وإنما يقوم بالأساس على المبادرة الاستباقية، وصياغة البدائل، وبناء التوافقات، والقدرة على الصمود أمام الضغوط مهما كانت، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية المصرية، وصون الحقوق الفلسطينية، ومنع فرض حلول قسرية أو تصفية سياسية للصراع تحت وطأة القوة أو الأمر الواقع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة