مجدى أحمد على

يا سينما يا غرامي عن وزراء الثقافة 8

الأربعاء، 14 يناير 2026 04:00 م


أشرنا إلى مفاجأة الوسط الثقافي المصري بتعيين الفنان فاروق حسني وزيرا للثقافة وهو الشخص المجهول تماما بين المثقفين المصريين في هذا الوقت والذي أطاح بأمال الكثير من الطامحين في هذا المنصب المرموق .

وطبعا كان سعد الدين وهبة أكثر الطامحين في هذا المنصب خاصة بعد الإطاحة به من منصب نقيب السينمائيين المصريين واتحاد الفنانين العرب واذكر في هذا الموضوع حوارا طريفا بين الأستاذ سعد وبيني في مكتبة بالنقابة (وكان بيننا في هذا الوقت ود واحترام كبيرين) أن قال لي ضاحكا وهو يمسك بسماعة التليفون عندما ذكر بعض الحاضرين أحقية الأستاذ سعد التاريخيه بمنصب الوزير: يا عم مجدي ليالي كاملة وأنا جالس بجوار هذا التليفون انتظر هذه المكالمة التي لم تأت أبدا... وكان طبعا يقصد المكالمة التي تكلفه بتولي وزارة تولي هو نفسه بداخلها  معظم المناصب واصبح يحفظ عن ظهر قلب كل دهاليزهاوحتى الأسماء الكاملة لأصغر موظفيها ولم يكن طبعا فاروق حسني استثناء من عشرات الأسماء الطامحة في المنصب ولذلك سارع وهو الذي كان يعتبر نفسه (تلميذا) لسعد وهبة باعتبار أنه من عينه مديرا لقصر ثقافة الانفوشي بالاسكندرية عندما كان سعد رئيسا للثقافة الجماهيرية – إلى تعيين سعد الدين وهبة رئيسا لمهرجان القاهرة السينمائي تعويضا له عن فقدانه المنصب الثقافي وبدء مرحلة جديدة من التعاون.

وفي الحقيقة كان هذا السلوك من فاروق حسني يمثل عقليه جديدة قدمت الى وزارة الثقافة المصرية تتمتع بقدر كبير في المرونة وتفادي المعارك الصغيرة التي كانت آفة  الوسط الثقافي ( ومازالت) .. وكونه شخص  (متحرر) من علاقات سابقة أصيله داخل الوسط ..متجرد من المصالح الشخصية الضيقة .. متحقق على المستوى المهني لكونه فنان تشكيلي معروف يمتلك قدرا كافيا من المعرفة (باقدار) المثقفين في الوطن... والأهم من ذلك كله انه كان يحظى بثقة كاملة من رئيس الوزراء الذي خدم معه في باريس وتابعة من أكاديمية روما.

ورغم أن حكاية شاعت عن ان اسم فاروق حسني كان في آخر القائمة التي قدمت للرئيس حسني مبارك ضمن مرشحي رئيس الوزراء أمام الرئيس الذي اختار ذيل القائمة (ربما امتدادا لأفكار الرئيس عن ضرورة عدم اختيار شخص (مثير للجدل) في هذا المنصب الذي كان يراه بلا طائل سوى إثارة المشاكل... خاصة بعد وصف الرئيس السادات للمثقفين بأنهم مجموعة من (الأرذال).

والحقيقة أن فاروق حسني استوعب الدرس تماما فمنذ اليوم الأول اكتسب ثقة المؤسسة الرئاسية وطمأنهم بأنه قادر على (احتواء) المثقفين المصريين وإراحة الدولة من (وجع الدماغ) وطلب من الرئاسة في مقابل ذلك الثقة به والوقوف في ظهره وهو ما فعلته تماما خاصة أن الوزير الشاب كان يدير هذا (الاحتواء) بشكل شديد الذكاء والهدوء والفهم العميق لطبائع المثقفين وذاتياتهم المتباينة.

جاء فاروق حسني أيضا بأفكار جديدة مثل سيميوزيوم النحت في اسوان الذي كلف به الفنان الكبير آدم حنين ومعه  الفنان السينمائي الكبير صلاح مرعي وأعاد الحياة لمنح التفرغ للمثقفين لانجاز مشاريعهم وتنفيذ أحلامهم وجدد الدعم لمهرجان القاهرة السينمائي وكافة أشكال التدعم اللوجستي والمالي .. وكان من اذكي وأهم انجازاته عندما تم ضم وزارة الآثار إلى وزارة الثقافة بإنشاء (صندوق التنمية الثقافية) الذي أراد له أن  تتحرر ميزانيته من قواعد وزارة المالية الصارمة وحدد له اختصاصات تبتعد عن الأنشطة البيروقراطية لوزارة الثقافة ومنها (التنسيق الحضاري) الذي طمح به إلى التداخل (تخطيطا ومتابعة) في اضفاء لمسة حضارة وجمال على شوارع مصر وميادينها ومبانيها (وهو المشروع المستمر حتى الآن دون آلية واضحة وتمويل شفاف).

والأهم من كل ذلك في رأيي أن فاروق حسني كان يتصرف داخل مجلس الوزراء بأريحيه  افتقدها كل من سبقه (ما عدا طبعا ثروت عكاشة وأبو غازي) من وزراء الثقافة فكان يطالب بأن يكون للوزارة دورفي الشأن العام ويطالب بزيادة الميزانية للصرف على نشاط خدمي يدعم  قوة مصر الناعمه (وليس كما يحدث الآن مثلا) .. كما أنه أحاط نفسه بمجموعة من الفنانين المهتمين بالثقافة مثل أحمد نوار وسمير غريب وجابر عصفور.. وكفنان متحقق كان مكتب فاروق حسني دالا تماما على شخصية فكان مكتبة بسيطا متواضعا لا يخلو من أناقة وحس تشكيلي ولم يكن يشبه مكاتب المسئولين المعاصرين له (وحتى زملائه) الذين كانوا يرهبون المتعاملين معهم بفخامة زائفة وديكورات باهظة الثمن تؤكد سلطتهم وتعتبر الذين يرتادون المكان بحثا عن التفاهم والمودة والاحترام مجرد متسولين !!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة