في زمن تتسابق فيه الاقتصادات العالمية لتعزيز تنافسيتها الصناعية وتنويع صادراتها، يظل ملف الصناعة في مصر ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي في مصر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعظيم الدخل من العملة الأجنبية.
الدكتور كمال الدسوقي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، رصد في حوار مطول مع "اليوم السابع"، تطورات القطاع، والفرص والتحديات بعد عام جيد جدا لأداء التصدير والتصنيع المحلي بالإضافة لمبادرات التمويل، ومستهدفات الصادرات، ومشروعات تعميق التصنيع المحلي.
مبادرات دعم الصناعة
سألنا الدكتور كمال الدسوقي عن الوضع العام للقطاع الصناعي المصري بعد أكثر من عام من إطلاق مبادرة التمويل بتمويل 30 مليار جنيه، فأوضح أن المبادرة الحكومية الخاصة بتوفير 30 مليار جنيه بفائدة مخفضة 15% لتمويل شراء الماكينات وتحديث خطوط الإنتاج لا تزال أدواتها التنفيذية قيد التوسيع، وهي جزء من حزمة أكبر تمتد إلى 90 مليار جنيه لدعم الأنشطة الإنتاجية والعمل على دعم رأس المال العامل والعصرنة الصناعية.
هذه التمويلات حدت من تباطؤ الاستثمار الصناعي، وساهمت في تعزيز قدرة الشركات خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة مثل الأغذية، الأدوية، الهندسية، والمنسوجات، في الوقت الذي تتصدر الاستثمارات الخاصة نحو 80% من إجمالي استثمارات التصنيع المستقبلية.
وأكد أن القطاعات الصناعية بدأت تعكس استجابة إيجابية لهذه التمويلات عبر زيادة خطوط الإنتاج وتحسين الجودة وإعادة ترتيب سلاسل التوريد، رغم أن منظومة الإجراءات ما زالت بحاجة إلى تسريع في التطبيق، خاصة ما يتعلق بتسهيل إجراءات الاستيراد لإدخال المعدات وخامات الإنتاج الحيوية.
50 مليار دولار صادرات
وبشان أرقام الصادرات الحالية، قال الدسوقي، إن الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة أظهرت زيادة كبيرة في مؤشر الإنتاج الصناعي غير النفطي، وتوسعاً في الصادرات الصناعية من سلع نهائية لتقترب من 50 مليار دولار، بما في ذلك ارتفاع ملحوظ في صادرات القطاعات الرئيسية.
وقد ساهم هذا الأداء في دفع الاقتصاد نحو نمو بنحو 4.4% خلال العام المالي 2024-2025 مع تزايد مساهمة الصناعة في الناتج المحلي، وهو مؤشر إيجابي يعكس تعافي حقيقي بعد تباطؤ سنوات سابقة.
أشار إلى أن تحقيق المستهدفات الطموحة للصادرات مثل الوصول إلى مستويات مرتفعة للغاية بحلول 2030 يتطلب تسريع وتيرة التقدم في تطوير سلاسل القيمة المحلية والارتقاء بالتنافسية الدولية.
20 % نمو متوقع للصادرات
وبسؤاله عن توقعات الصادرات في 2026، كشف عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن المستهدف لن يقل عن 20% وستصل الصادرات الصناعية والسلعية بعيدا عن النفط لأكثر من 60 مليار دولار بنهاية 2026 لأول مرة في التاريخ.
وفيما يخص هدف الصادرات الصناعية 145 مليار دولار، أكد الدسوقي أن الهدف ليس مجرد رقم، بل هو خارطة طريق طويلة الأجل لتعميق التصنيع وتنويع الأسواق وجذب استثمارات جديدة سواء محلية أو أجنبية.
توسيع القاعدة الصناعية
وأوضح أن تحقيق الهدف يتطلب توسيع القاعدة الصناعية ودخول شركات جديدة في منظومة التصدير، وتحسين بيئة الأعمال وتسريع الإجراءات الجمركية والرقابية أمام المستثمرين والمصدرين، وتعظيم المحتوى المحلي في سلاسل القيمة، وهو ما يضع القطاع أمام واقع صناعي لم يعد مجرد منتج أساسي بل منتج قادر على المنافسة في الأسواق الدولية.
وبالنسبة لتعميق التصنيع المحلي، أوضح الدسوقي أن برنامج تعميق التصنيع المحلي يعكس رؤية الدولة لخلق سلاسل قيمة وطنية بدلا من الاستيراد غير المنتج، ويتم ذلك عبر دعم مشاريع إحلال الواردات والاستفادة من الميزة النسبية في عدة قطاعات.
وأشار إلى أن الحكومة قامت بتحديد 152 فرصة استثمارية لتعميق التصنيع المحلي في مناطق صناعية محددة، ما يوفر للمستثمرين خارطة طريق واضحة للاستثمار في صناعات مرتبطة بالاحتياجات الأساسية لسلاسل الإنتاج.
وأكد أن القطاع يشعر بالبرنامج لكن التنفيذ يحتاج إلى قدرات أعلى في التدريب وربط الصناعات الكبرى بالموردين المحليين وتسريع توسع القاعدة الإنتاجية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
جذب الاستثمارات الأجنبية
وبالنسبة لجذب الاستثمار الأجنبي، قال "إن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصناعة يتطلب استراتيجية مركزة تستهدف قطاعات ذات تكامل إنتاجي عالي وتوفير بيئة تشريعية ورقابية مؤاتية".
وأضاف أن مصر تشهد دخول استثمارات كبيرة في قطاعات غذائية وهندسية ومواد بناء بما فيها مشاريع ذات قيمة تصديرية كبيرة، وتتوسع في سلاسل منتجة للتصدير، وهو مؤشر قوي على أن مصر مقبلة على مرحلة إنتاجية متقدمة في عدد من الصناعات الحيوية إذا ما استمرت الإجراءات الداعمة لتسهيل دخول رؤوس الأموال وخطط الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وعن ضبط منظومة الاستيراد، أشار الدسوقي إلى أن أهم ما في الضبط هو التمييز بين الاستيراد الذي يدعم التصنيع والاستيراد العشوائي الذي يعرقل النمو.
تفضيل المنتج المحلي في العقود الحكومية
وأوضح أن الدولة أتاحت أدوات تنظيمية تهدف إلى إحلال الواردات تدريجياً بالإنتاج المحلي مع تسهيلات للاستيراد في حالات عدم توفر بدائل محلية، ما أعطى دفعة للمنتجين المحليين للتركيز على الجودة والتنافسية، وساهم في عودة الطلب على المنتج الوطني في المناقصات الحكومية والعقود الكبرى ضمن قانون تفضيل المنتج المحلي في العقود الحكومية.
وحول روشتة زيادة الصادرات، أكد الدسوقي أن أهم عناصرها تشمل تعميق القاعدة الصناعية بخلق مورّدين محليين قادرين على تلبية احتياجات الصناعات الكبرى، وبرنامج تصديري قوي يشمل دعم لوجستي وتغطية تكاليف المشاركة في المعارض العالمية وتعزيز العلامة التجارية المصرية في الخارج، وتحسين الوصول إلى المواد الخام والمعدات عبر سياسات جمركية محفّزة مع استقرار في سعر الصرف، وبناء شراكات استراتيجية مع أسواق جديدة لضمان تنويع القواعد التصديرية والحد من الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، وهو ما يجعل هدف 145 مليار دولار قابلاً للتحقيق وليس مجرد رقم طموح.
وشدد على أن القطاع الصناعي المصري يدخل مرحلة جديدة من النمو والتنافسية مع توسع البرامج التمويلية وتعميق التصنيع المحلي وتحديث سلاسل الإنتاج وتحسين منظومة التصدير، وأن الأرقام تشير إلى تقدم حقيقي في معدلات الإنتاج والتصدير، ومع ذلك فإن التطبيق الفعلي للإصلاحات وتحسين البيئة الاستثمارية وتسريع الإجراءات سيحدد الفارق بين الأمل والطريق الحقيقي نحو تحقيق الأهداف الطموحة للصادرات المصرية في 2030.