مرت ثلاثة أشهر بالتمام على تفعيل اتفاق شرم الشيخ بشأن غزة. وعلى روزنامة خطة ترامب، فإن المرحلة الثانية من الصفقة متأخرة عن موعدها بذات المدة إلا ثلاثة أيام.
يعود جانب من الإبطاء إلى تعقد ملف تسليم الجثامين المطمورة تحت الركام، لكن السبب الأكبر يتصل بمماطلة نتنياهو ومساعيه لتفريغ عملية التسوية من مضمونها، بعدما اختبر نعيم الحرب طيلة سنتين، تمكن فيها من تسييل الخرائط وخلخلة التوازنات، ومن تلافى ثقل الضغوط الداخلية على حكومته.
وذلك، فضلا على تطلعه لتوظيف رواسب الطوفان وتداعياته فى ترتيب البيئة السياسية قبل موعد الانتخابات، والنفاذ إلى العفو عنه فى قضايا الفساد والبقاء على رأس السلطة دفعة واحدة.
قبل أربعة أسابيع أو يزيد قليلا، تردد من أروقة الإدارة الأمريكية أن الرئيس يسعى إلى إعلان قرار الانتقال بين المراحل قبل عيد الميلاد. تقطعت سبل التوفيق بين طرفى الصراع، أو تمرير مقترحات جزئية مبتسرة من تحت ضرس الوسطاء والضامنين.
استدعى زعيم الليكود إلى فلوريدا على عجل خلال الأيام الأخيرة من العام، وعاد منها بالحديث عن فتح معبر رفح قبل أن ينقلب على الفكرة كعادته. والآن يتجدد الكلام عن حلحلة الجمود فى غضون الأسبوع الجارى، من دون إفادات واضحة عن النقاط الخلافية، أو تأكيد لكون التفعيل المرتقب يشتمل على الباقة الكاملة من البنود، أم يُجزئها وينتقى منها ما يسهُل السير فيه سريعا، ولا يخلو من مهددات بمسخ الاتفاق وإعادة تكييفه على وجه مغاير لحالته الأصلية.
وأحدث المقاربات تكفل بها بشارة بحبح، رئيس لجنة العرب الأمريكيين من أجل السلام، مصرّحا بأن ترامب بصدد الإعلان عن تشكيل مجلس السلام الثلاثاء، على أن يتبعه الاستقرار على تركيبة اللجنة التكنوقراطية لإدارة القطاع فى المرحلة الانتقالية، وبلا أية إشارة ظاهرة أو مضمرة إلى القوة الدولية المقرر نشرها على الأرض، بالرغم من كونها حجر أساس لتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة هندسة خرائط الانتشار الحالية، وإطلاق خطة التعافى المبكر وإعادة الإعمار.
وبحسب المعلومات التى تطوع بها فى مقابلات صحفية، فالمجلس سيضم عددا من الدول بينها مصر والإمارات وقطر وإيطاليا وبريطانيا، وستكون فى غالبها على مستوى رؤساء الدول والحكومات، مع اتجاه لتمثيل صندوق النقد والبنك الدوليين، مجددا الإضاءة على اسم المبعوث الدولى السابق نيكولاى ميلادينوف مديرا تنفيذيا للكيان الجديد، وأن المقر الميدانى لعمله قد يكون من مكان قريب خارج غزة، على أن يكتمل توافق الفصائل الفلسطينية على هيكل اللجنة المحلية فى القاهرة خلال أيام.
ومن نافلة القول، أن بحبح وسيط غير رسمى، ولا صفة له داخل الإدارة الأمريكية الحالية. كان الرجل قد لعب دورا فى دعم حملة ترامب الانتخابية وتسويقه بين الناخبين المسلمين، وفى ضوء ذلك توطدت علاقته بالرئيس بعد تنصيبه، واستعان به فى أدوار اتصالية وتفاوضية عبر لقاءات مع قادة حماس فى الدوحة.
لكنّ جهوده لم تُفض إلى أثر حقيقى ملموس طيلة الشهور الماضية، وسبق أن أقنع الحركة بإطلاق سراح الأسير مزدوج الجنسية عيدان ألكسندر، على سبيل الهدية التى سيرد عليها سيد البيت الأبيض بأحسن منها، وبينما وفّت بالمطلوب فلم تحصل على شىء فى المقابل، ومضت المفاوضات فى مسارها المتعثر حتى أُنجزت الصفقة المعلقة أخيرا فى شرم الشيخ.
باختصار، لا يمكن التعويل على ما يقوله بشارة بحبح من خارج القنوات النظامية، ليس لأن رجل الأعمال ذا الأصول الفلسطينية شريك فى لعبة تضليل لا سمح الله، إنما لأنه بعيد عن دولاب البيت الأبيض وحلقته الضيقة حول ترامب، ولا ينفذ بطبيعة الحال إلى غرف المعلومات السرية، وليس لديه موقع يخوّل له الاطلاع على التقارير والإفادات والوثائق الرسمية.
والأهم أن الإدارة نفسها لا تستقر على حال، وتتبدل مواقفها صعودا وهبوطا وفى التفاصيل الدقيقة طوال الوقت، ولا تحتكم لثابتة مبدئية أو أيديولوجية واضحة يمكن استقراؤها واستشراف مآلاتها، والفيصل الوحيد فى عملها مزاجية الرئيس وانفعالاته المتقلبة. فيصحو متحمسا للحسم وتصفية الخلافات العالقة، وينام وقد ازدادات استفحالا وتراكمت عليها مزيد من الطبقات والتفريعات ونقاط الجدل.
ليس لدى ترامب ما يضطره للتعجيل برعاية التفاهمات المعطلة بشأن غزة، أو المبادرة بفرضها على المعطلين وأولهم نتنياهو. وتلك النقطة صحيحة نظريا فى ضوء التطورات المستجدة فى نصف العالم الغربى، لا سيما بعد اختطاف نيكولاس مادورو واتخاذ فنزويلا قاعدة لإعادة تفعيل شرعة الرئيس الخامس جيمس مونرو، أو «عقيدة دونرو» وفق الصيغة الترامبية المحدثة، فضلا عن الانشغال بالملف الأوكرانى بدرجة أكبر، ومراقبة التطورات الدراماتيكية المتصاعدة فى إيران.
وكل ذلك فى سياق استراتيجية الأمن القومى الجديدة بما تنص عليها من التفات نسبى عن الشرق، وترشيد للأعباء وكلفة إدارة الملفات بدلا من التصدى لحلّها. أما عمليا، فالتوصل إلى نتيجة مثمرة فى القطاع يقع ضمن أولويات البيت الأبيض، لأن الخطة تنتسب للرئيس ترامب وتحمل اسمه، وتعزز بالدليل فكرته عن السلام من خلال القوة، كما توفر إنجازا سهلا وميسورا لتعويم سردية رجل الصفقات ومطفئ الحروب، والتغطية على الإخفاق والتجاوزات على الجانب الآخر من الكوكب.
ربما كان صاحب خطة البنود العشرين صادقا فى إعلان رغبته السابقة بالانتقال للمرحلة الثانية قبل شهر، لكنه الآن أصدق بالتأكيد.
فى المضمون، يريد أن يأخذ شيئا من نتنياهو لقاء كل ما منحه إياه، وفى الشكل قد يتطلع إلى تزخيم مشاركته فى منتدى دافوس الاقتصادى السنوى خلال الأسبوع المقبل، بأن يصطحب معه وفدا كبيرا من رجاله، ويعلن عن إطلاق الجولة التالية على أرض غزة فى ملأ من القادة ورموز مجتمع الأعمال، مع فرصة أن يتلاقى المختارون لعضوية مجلس السلام معا فى المكان والزمان نفسيهما، ويعقدوا اجتماعهما الأول بكامل التشكيل أو غالبيته على الأقل.
غير أن المشكلة الحقيقية تتجاوز طبيعة المجلس وأعضائه ومجال اجتماعهم على طاولة واحدة. لأنهم فى شق التطبيق لن يكونوا عاملا حاسما فى مضىّ الخطة أو تعطلها، وليسوا أكثر من دماغ يُفترض أن تنتظم من خلاله الإشارات بين البدن وبقية الأطراف.
أى أن العبرة فى النجاح من عدمه تعود إلى الهياكل التنفيذية والأمنية المقرر أن تتولد عن الكيان الكبير، وتكتسب شرعيتها منه وتصب خلاصاتها فى بوتقته، على أن يرعى التزام الأطراف بما عليها من واجبات، ويدير التناقضات، ويلعب دورا فى ترويض الاحتلال وترشيد اندفاعته.
وإن كان بمقدوره أن يفعل ذلك بالأصالة، فإن مركز ثقله وعينه ومدخلاته تعود كلها إلى الوكلاء: الإدارة التنفيذية ممثلة فى ميلادينوف ومعاونيه، على قدم المساواة مع اللجنة التكنوقراطية المحلية، وقوة الاستقرار الدولية متعددة الجنسيات، من دون تنحية أى منها أو تقديم إحداها على الأخرى.
والتشابك بين الأجنحة الثلاثة، يتطلب أن تكون متوازية فى تكوينها، أو متتابعة على فواصل زمنية ضيقة. فكأنها الأساس والحوائط والسقف، ولن يكتمل البناء شكلا وفاعلية إلا بها جميعا.
وإذ يُثار الكلام بشأنها الآن على صيغة الترتيب المتقارب بين المجلس واللجنة الانتقالية المدنية، فإن القوة الدولية غائبة نسبيا عن الحوار، ولا يخفى أنها ما تزال محل جدل كبير فيما يخص جسمها وعضوياتها وطبيعة مهامها ونطاق التكليف ميدانيا وزمنيا.
وحال الانطلاق بالأوليين دون الثالثة، فلن تتحرك الأمور فعليا عن مواضعها، أو سنكون بصدد رؤية مختلفة تماما عن الخطة الأصلية، وربما هذا ما يسعى إليه بنيامين نتنياهو، وتوافق عليه مع الجانب الأمريكى فى رحلته الأخيرة للولايات المتحدة.
وفق البنود، يتعين على القوات الإسرائيلية الانسحاب من الخط الأصفر إلى الأحمر بمجرد نشر قوة الاستقرار. على أن تتولى الأخيرة حفظ الأمن والسلم لا إنفاذهما، وتواكب الإدارة الانتقالية الجديدة التى تعاونها مجموعات من أفراد الشرطة المدربين فى مصر والأردن خلال الشهور الأخيرة، وتدريب المزيد منهم بحسب الحاجة.
وحال التوافق مع حماس وبقية الفصائل بشأن الحكم والسلاح فى الجانب الغربى من القطاع، تُوسّع القوات الدولية من انتشارها، وتمتد خطة التعافى وإعادة الإعمار على كامل مساحة القطاع.
تعاملت الخطة مع كل الاحتمالات، وأسوأها أن تماطل حماس فى بقية الالتزامات الخاصة بوضعها الميدانى وقدراتها الحربية واللوجيستية.
لهذا، ينص البند السابع عشر على بدء الإعمار فى المناطق الواقعة حاليا تحت السيطرة الإسرائيلية، إنما لا يعنى ذلك بالمنطق البسيط أن إخلال الفصائل بالشروط يترتب عليه السماح للاحتلال بالبقاء أو عدم تنفيذ الالتزامات المترتبة عليه، إنما أن يتراجع بحسب الخرائط سابقة الإعداد، وينقل المسؤولية عن تلك المناطق إلى السلطة المدنية الانتقالية بمواكبة القوات الدولية وتحت رعايتها.
ومعروف بالبديهة أن نتنياهو لا يريد الانسحاب، كما لا يمكنه التهرب منه بموجب بنود الخطة الأمريكية المُضمّنة فى قرار مجلس الأمن الدولى رقم 2803.
وليس منطقيا التذرّع ببقاء حماس فى الشطر الغربى، لأن تلك النقطة عُولجت فى البنود بالفعل ووُضعت بدائل عملية للتعامل معها. والحل من وجهة نظره إزاء ذلك أن ينتقى من العناصر الانتقالية ما يُمرر رؤيته، ويستبعد بالتبعية ما يتضاد معها أو يُرتب عليه إجراءات لا يحب الذهاب إليها، أى ألا تتشكل قوة الاستقرار الدولية من الأساس، فلا يكون هناك من يطلب الولاية على المناطق المقرر إخلاؤها، ولا يُلام على الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية عليها فى غياب البديل، وفوق هذا يهرب من أسوأ كوابيسه على الإطلاق: أن يحل العالم مباشرة على أرض الصراع، ويجرى تدويل جانب من القضية الفلسطينية للمرة الأولى فى عمرها الطويل.
من هنا، يتشدّد فى كل ما يخص تركيبة القوة، ويرفض تمثيل تركيا فيها، ويسعى لدى الحلفاء فى أذربيجان وغيرها لإعلان عدم مشاركتهم، والأهم أنه يُخيف الباقين بمطالبته أن تكون مهمتها تنفيذية لا إجرائية وقائية، أى أن تصطدم عسكريا مع حماس وبقية الفصائل، وهو ما يجبر الأغلبية على التلكؤ وعدم المبادرة بإرسال قوات ضمن التشكيل المقترح.
لا يصب الجمود الحالى إلا فى صالح تل أبيب، ويتوجب الدفع بكل السُبل نحو الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، لتثبيت وقف إطلاق النار وبدء مسار إعادة الإعمار، إنما على أن يكون ذلك على قاعدة مُستقرّة ومنضبطة بالقانون وبنود الخطة، وأكثرها أولوية أن يتزامن تشكيل المرافق الثلاثة أو يتتابع، دون إرجاء الشقّ الذى قد لا يبدو الأرفع قيمة ومكانة، لكنه الأكثر تأثيرًا بالدور والفاعلية، وحاجز الصدّ الذى يُمكن أن يمنع المُغامرة بتجديد الحرب، ويُجبر طرفيها على الذهاب إلى محطة الوصول المقررة سلفا.
إرساء مجلس السلام لن يُغيّر شيئًا من دون جناحيه الآخرين، واللجنة التكنوقراطية تحتاج للتوافق الفلسطينى عليها وعلى دورها التنفيذى وذراعها الأمنية من عناصر الشرطة، إنما لا قيمة لها جميعًا فى غياب قوّة الاستقرار الدولية. التى ستنتشر وتراقب وتحفظ السلام وتردع المحتل والفصائل معًا، وستكون الجسر بين الشارع والمجلس، وبينهما وأطراف اتفاق شرم الشيخ، وتربطها جميعًا مع السلطة الوطنية المُقرر أن تنتقل الولاية إليها فى نهاية المرحلة الانتقالية.
يجب أن يسير الوسطاء فى اتجاه تفعيل المجلس مع ترامب وبقية الأعضاء المُختارين، على أن تترافق مع ذلك مواصلة الضغوط ورعاية الحوار بين المكونات الفلسطينية للخلوص إلى تصوّر شامل من البدء للمنتهى، وتدفيع الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية باتجاه تشكيل قوّة الاستقرار الدولية بالتزامن، أو ربط وجودها عضويا ونهائيا بتشغيل البديل الإدارى المدنى على الأرض، وإطلاق مسار الإعمار وإعادة تطبيع الحياة فى القطاع، على ألا يُفتَح أى هامش للبحث فى السير بالخطة على ساقين من ثلاثة، وبالأحرى ساق واحدة، لأن المجلس رأس وبدن تحملهما الإدارة الانتقالية والقوة الدولية. كما لا ينبغى التداول من أى وجه بشأن ضخ التمويلات وبدء برامج التعافى فى أية منطقة تحت سيطرة القوات الإسرائيلية.
قد يُطيل ذلك هامش الجمود نظريًّا، لكنه أقل سوءا من تشويه الصفقة أو تغيير طابعها المُتّفق عليه سلفًا. وإذا لم تحصل الإدارة الأمريكية على العلامة الكاملة الآن، فستعود لاحقا للمراجعة والتعديل وضبط المقادير. إنما لو توصّلت إلى ما يُحقّق غايتها فى الانتقال غير المُكلّف، وتعليق بقية الشروط على كاهل المجهول فى التطبيق، ووعود اختباره بالتجربة والخطأ، فقد تؤول الأمور إلى حال أسوأ مما هى عليه الآن.