لم يبت الخديو عباس الثانى فى طلب جده الخديو المعزول «إسماعيل باشا» برغبته بالعودة إلى مصر من «الآستانة» بتركيا لمرضه الشديد، لكنه وعد أن يبذل ما فى وسعه لتحقيق هذه الأمنية، وتقرر أن يسافر إليه من أبناء إسماعيل «أعمام عباس» البرنسان إبراهيم باشا حلمى وفؤاد ليقفان على حالة والدهما، حسبما يذكر أحمد شفيق باشا رئيس ديوان الخديو عباس فى مذكراته «مذكراتى فى نصف قرن».
كان إسماعيل باشا يقضى سنواته الأخيرة فى تركيا واستقر فيها بعد أن أقام لفترة فى إيطاليا منذ عزله من حكم مصر فى أواخر يونية 1879 بضغوط من إنجلترا وفرنسا، وداهمه مرض «الاستسقاء»، ووفقا لشفيق باشا: «كان تقدير الأطباء أن الأمل ضعيف فى شفائه، وأنه فى 11 يناير، مثل هذا اليوم، 1895، وردت برقيات من البرنسين إبراهيم باشا حلمى، وفؤاد باشا ومن أطباء والدهما، بأنه ظهر من المباحث الطبية التى أجريت أخيرا، أن إسماعيل مصاب فوق الاستسقاء بالالتهاب والسرطان المعويين، ولا بد من انتقاله إلى بلد حار كمصر لتغيير الهواء، وهم يرجون الخديو عباس التصريح لجده بأن يعود إلى الوطن.»
يصف «شفيق باشا» حالة «عباس» حين تلقى البرقيات، قائلا: «بدا على وجه سموه شديد الكدر عند قراءة هذه البرقيات، وتشاور فى الأمر مع رجال المعية مظهرا ميله الشديد للموافقة، واستقر الرأى على دعوة مجلس النظار «الوزراء» ليبحث هذه المسألة، ولكن المجلس ما كاد ينعقد حتى أصر على قراره الأول».
كان القرار الأول لمجلس النظار وبالتباحث مع الخديو عباس يوم 7 يناير 1895 وهو «ألا تفتح هذه المسألة فلعلها تجر إلى أزمات سياسية»، ويؤكد شفيق، أن رفض «النظار» كان يعود فى الأساس إلى «أن انجلترا تأبى مثل هذا التصريح فضلا عن أن السلطان العثمانى «عبدالحميد» لا يريده، ووقف الأمر عند هذا الحد»، وطبقا لذلك فإن الحكومة كانت فى واقع الحال تنفذ رغبة «إنجلترا» التى تحتل مصر.
يذكر «شفيق باشا»، أنه بعد أن تلقى الخديو عباس برقيات يوم 11 يناير 1895، أثير الموضوع مرة أخرى فى مجلس النظار فى جلسة يوم 23 يناير 1895 وتمسك المجلس برفضه، ووصل فى هذه المرة إلى درجة الحسم بأن قرر اعتبار هذه الجلسة هى الأخيرة فى بحث هذه المسألة رسميا، ويؤكد شفيق: «أخذ اليأس يتسرب إلى النفوس من أن المريض لن يشفى ولن يعود، وبعد انقضاء أسابيع عادت أنباء إسماعيل تقرع الأسماع منذرة بالخطر القريب، فسافر محمد راتب باشا السردار الأسبق إلى الآستانة».
سفر «راتب باشا» ليدق الأبواب فى الآستانة أملا فى أن ترق القلوب لعودة المريض، ويذكر شفيق، أنه بعد وصوله جاءت برقية من بأنه عرض على كبير أمناء الباب العالى ملتمس إسماعيل فى رجاء قبول أمنيته بالسفر إلى مصر لتبديل الهواء تلبية لنصح الأطباء، وأنه لما عرض الملتمس على السلطان وعد بالنظر فيه متى وردت مكاتبة من الخديو إلى السلطان، وعليه أرسل «إسماعيل» برقية إلى حفيده الخديو عباس يستعطفه فيها بأن يلتمس له الإذن من السلطان بالعودة إلى مصر، وعلى أثر ذلك عاد الخديو للبحث مع النظار فى الأمر من جديد، فأصروا على موقفهم السابق وأنهم يفضلون الاستقالة إذا لم يحترم رأيهم، ويؤكد شفيق، أن الخديو رد على طلب جده بشديد الأسف لأنه لا يستطيع أن يجيب هذه الرغبة لأنه يعمل بالاشتراك مع نظارة اتباعا للخطة التى سنتها الخديوية المصرية من عهد إسماعيل، والنظار مصرون على رأيهم، ولهذا يتعذر مخاطبة الباب العالى فى مثل هذه المهمة».
بعث الخديو بهذه البرقية وهو متألم، بوصف «شفيق» لوقوف نظاره منه هذا الموقف»، وكان «رياض باشا» هو رئيس النظار وقتئذ، ويصفه «عباس الثانى» فى مذكراته «عهدى» قائلا: «كان عديم القدرة، غير مهذب، ومهينا لمن هم أقل منه، كرهه الوطنيون، وعرضته عدم شعبيته لسخرية رجل الشارع، وكان فى مستوى أقل من تحمل المسؤولية، ومع ذلك اضطررت لتحمله طبقا لرغبة «المندوبية»، ونفهم من «شفيق باشا» فى مذكراته أن نوبار باشا «الناظر» فى حكومة رياض، كان أكثر المتشددين فى رفض عودة «إسماعيل»، ويؤكد «شفيق» أن هذه المسألة كانت من البواعث إلى تفكير الخديو من التخلص من نوبار الذى أحس بذلك، لكنه كان يرى نفسه مؤيدا من الإنجليز.
يؤكد «شفيق» أنه فى 27 فبراير 1895 وردت أنباء منذرة بتفاقم الخطر، وبأن إسماعيل أوصى بدفنه فى القاهرة، وأدى ذلك إلى أن يخيم الحزن والصمت على السراى «لاسيما بعد أن أصبح مقررا أن لا عودة للخديو المعزول إلى مقره وهو على قيد الحياة، ولم يمض يومان حتى ورد البرق بنعيه فى صباح يوم 2 مارس، وأنه أوصى قبيل وفاته بجميع أملاكه وأمواله إلى قريناته الثلاث، واختار البرنس إبراهيم حلمى باشا، ومحمد راتب باشا للوصاية عليهن».