يحمل صوت فيروز فى طياته حكايات الأرض، وهمس الأجداد، وشجون المحبة، أصبحت فيروز رمزاً للجمال والصمود فى العالم العربي، وخلف هذا الصوت السماوي، تكمن قصة إنسانية مؤلمة، قصة أم فقدت ثلاثة من أبنائها في رحلة الحياة القاسية بعد رحيل زوجها.
نهاد وديع حداد، المعروفة بفيروز، التقت عاصي الرحباني، الذي أصبح زوجها وشريكها الفني، وبدأت رحلة فنية استثنائية مع أخيه منصور الرحباني، مشكلين ثلاثياً فنياً غير مسبوق.
قدمت فيروز مع الأخوين رحباني أكثر من 800 أغنية
قدمت فيروز مع الأخوين رحباني أكثر من 800 أغنية، وعشرات الأوبريتات والأعمال الغنائية المسرحية التي شكلت ذاكرة جماعية لأجيال عربية. صوتها الفريد، الذي يجمع بين القوة والرقة، جعلها أيقونة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
تزوجت فيروز من عاصي الرحباني عام 1954، وأنجبت أربعة أطفال زياد، ليال، هلي، وريما، كانت العائلة تبدو للعلن أسرة فنية متماسكة، تفيض إبداعاً وحيوية، لكن تحت سطح هذا النجاح الباهر، كانت تعيش تحديات وبدأت مأساة فيروز الزوجة والأم برحيل زوجها عاصي وطبقا للكاتب الصحفي والمؤرخ سعيد الشحات عن أن الفنانة اللبنانية فيروز كشفت أن أول لقاء لها مع عاصى الرحبانى أنه كان متوترا لها لدرجة أنها كرهته، وتمنت لو صفعته بيديها لأنه صارحها بعدم إعجابه بغنائها الذى أدته أمامه، وطلب منها التدريب كثيرا.
وحسبما تابع الشحات فى الحوار الذى أجراه الكاتب الصحفى عبدالتواب عبدالحى معها ومع الأخوين رحبانى «عاصى ومنصور»، أثناء زيارتهم للقاهرة فى أكتوبر 1966، ونشرته «الكواكب» فى عددها رقم 798، حيث التقت فيروز بعاصى بعد ذلك كثيرا، فذاب الجليد بينهما، وتقول فيروز في الحوار: بدا كل منا يفهم الآخر ويقتنع به، لحن لى أول ألحانه «حبذا يا غروب» عام 1951، من أشعار فيلان مكرزل، سقط اللحن ولم يشتهر، استفدنا من أخطائنا وبدأنا نبحث عن شخصية غنائية أطل بها على آذان المستمعين، اكتملت معالم شخصيتى الغنائية سنة 1954 فى أغنية «عتاب»: «جى تعاتبنى يئست من العتاب/ من كتر ما حملتنى ها القلب داب»، ذاعت الأغنية واشتهرت، أصبحت إعلانا متكررا فى الإذاعة عن شخصية فيروز الغنائية، وشخصية الرحبانية، وبعد خمس سنوات من الدراسة المتبادلة والحب، تزوجت عاصى فى يناير سنة 1955، ودخلنا معا بستان الفولكلور، إلا أنه ورغم النجاحات والصعاب والتحديات التي مرت عليهما وديكتاتوريته تجاه السيدة فيروز لكن وفاة عاصي في 21 يونيو 1986، كان الحزن الأول في حياة فيروز.
في عام 1988، وبينما لم تشفى فيروز من فقد عاصي الرحباني توفيت ليال ابنتهما بعد إصابتها بجلطة دماغية مفاجئة ونزيف حاد، وهى فاجعة لم تكن في الحسبان.
اشتهر زياد الرحباني بمسرحياته التى عكست الواقع اللبناني بأسلوب ساخر
الفاجعة الثانية كانت مع رحيل زياد الرحباني، الذي ولد في 1 يناير 1956، ورحل 26 يوليو 2025 وهو من أبرز الفنانين المجددين في الموسيقى العربية والمسرح السياسي الساخر، هو ابن الأسطورة فيروز والموسيقار الراحل عاصي الرحباني، الذي نشأ في بيئة فنية متميزة سرعان ما انطلق منها ليؤسس أسلوبه الخاص الذي يمزج بين العمق الفني، والفكاهة السوداء، والنقد السياسي الجريء، واشتهر زياد الرحباني بمسرحياته التي عكست الواقع اللبناني بأسلوب ساخر وذكي، حيث تميّزت أعماله بالجرأة والتحليل العميق للمجتمع، إلى جانب موسيقاه الحديثة التي أدخلت عناصر الجاز والأنماط الغربية إلى النغمة الشرقية بأسلوب طليعي، وعُرف زياد الرحباني بمواقفه السياسية الواضحة، وكان من أبرز الأصوات الفنية اليسارية في العالم العربي، حيث تبنى التوجه الشيوعي فكريًا وفنيًا، وجعل من أعماله منبرًا يعكس قضايا الإنسان العربي في ظل الحرب، والقمع، والتناقضات الاجتماعية، وشكل رحيلة صدمة شديدة على السيدة فيروز خصوصا أن الوفاة جاءت بعد فترة من الخلاف انتهت بالعودة مرة أخرى.
الصدمة الثالثة هي رحيل هلي الرحباني ملاك البيت كما تحب أن تطلق عليه السيدة فيروز وهو الأبن الذي عاش بعيداً عن الأضواء، مبتعداً عن العالم الفني الذي أحاط بعائلته، كان يمثل بالنسبة لفيروز ابن السلام والهدوء في وسط عاصفة العائلة الفنية، وهو الأبن المولود عام 1958، والذي عانى منذ ولادته من إعاقة ذهنية وحركية، وعاني من مشكلة في كليتيه مؤخرا وتوفي بالمنزل عن عمر ناهز 68 عاماً، بعد أشهر قليلة من رحيل شقيقه الموسيقار زياد الرحباني.
فيروز رغم صمتها الإعلامي وابتعادها عن الظهور، إلا أن المقربين منها يصفون ألمها العميق، وفي مقابلاتها، كانت تتحدث عن أبنائها بحب وحنين، دون التركيز على الألم، ولطالما كانت الموسيقى ملاذ فيروز، وطريقها للتعبير عن المشاعر التي تعجز الكلمات عن وصفها وبعد رحيل أبنائها، وصفوها بالأم الحزينة.
تظل فيروز رمزاً للفرح والجمال لملايين المعجبين في العالم العربي
رغم حزنها الشخصي، تظل فيروز رمزاً للفرح والجمال لملايين المعجبين في العالم العربي وخارجه حفلاتها، رغم ندرتها، تتحول إلى مناسبات جماعية يحضرها آلاف المحبين الذين يجدون في صوتها عزاءً وأملاً، هذا الحب الجماهيري لا يعوض خسارتها الشخصية، لكنه بلا شك يمنحها إحساساً بالمعنى والاستمرارية.