يأتى يوم الشهيد كل عام ليعيد إلى ذاكرة المصريين صفحات مضيئة من تاريخ الوطن، صفحات كُتبت بدماء رجال آمنوا بأن الدفاع عن مصر شرف يفوق الحياة نفسها.
فى هذا اليوم لا تستحضر مصر ذكرى أسماء بعينها فقط، بل تستعيد مسيرة طويلة من التضحيات التى قدمها أبناء القوات المسلحة عبر عقود طويلة، دفاعا عن الأرض والكرامة والسيادة الوطنية.
ويوافق يوم الشهيد فى مصر التاسع من مارس من كل عام، وهو التاريخ الذى استشهد فيه الفريق أول عبدالمنعم رياض عام 1969، أحد أبرز القادة العسكريين فى تاريخ القوات المسلحة المصرية، والذى أصبح رمزا للقيادة التى تقاتل فى الصفوف الأولى جنبا إلى جنب مع الجنود.
لم يكن اختيار التاسع من مارس يوما للشهيد مصادفة، بل جاء تخليدا لذكرى استشهاد الفريق أول عبدالمنعم رياض خلال حرب الاستنزاف. فقد كان القائد العسكرى المعروف بكفاءته وشجاعته يتفقد المواقع الأمامية على جبهة القتال، ويصر على التواجد وسط الجنود فى أصعب اللحظات.
وخلال تفقده أحد المواقع على الضفة الغربية لقناة السويس، تعرض الموقع لقصف مدفعى إسرائيلى عنيف، ليستشهد عبدالمنعم رياض وهو فى قلب ساحة المعركة، ليصبح واحدا من القادة القلائل فى العالم الذين استشهدوا وهم يقودون جنودهم فى الخطوط الأمامية.
وقد جسدت تلك اللحظة معنى القيادة الحقيقية، فالقائد الذى يشارك جنوده الخطر نفسه يرسخ فيهم روح التضحية والانتماء، وهو ما جعل اسم عبدالمنعم رياض حاضرا فى الوجدان المصرى باعتباره أحد رموز الشرف العسكرى.
لم تتوقف تضحيات أبناء القوات المسلحة عند تلك اللحظة التاريخية، بل امتدت عبر عقود طويلة، منذ معارك الدفاع عن الوطن فى الحروب الكبرى، مرورا بحرب أكتوبر المجيدة، وصولا إلى معركة مصر الحديثة ضد الإرهاب.
فعلى مدار السنوات، قدم الجيش المصرى آلاف الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل أن تبقى مصر آمنة مستقرة. هؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد أرقام فى سجل الشهداء، بل كانوا أبناءً وآباءً وإخوةً تركوا أسرهم وذهبوا إلى ميادين القتال وهم يدركون أن الوطن يستحق كل تضحية.
وفى السنوات الأخيرة، خاضت القوات المسلحة معركة جديدة ضد التنظيمات الإرهابية التى حاولت استهداف الدولة المصرية وزعزعة استقرارها، وفى هذه المعركة أيضًا قدم الجيش شهداء جدد سقطوا دفاعا عن الوطن، مؤكدين أن روح التضحية التى جسدها الأبطال عبر التاريخ ما زالت حاضرة بقوة فى وجدان أبناء القوات المسلحة.
وقد أثبتت تلك المواجهات أن مصر لا تزال تمتلك رجالا قادرين على حماية أمنها واستقرارها، وأن دماء الشهداء التى سقطت على أرض الوطن كانت دائما السبب فى بقاء الدولة قوية وقادرة على مواجهة التحديات.
يوم الشهيد ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بالماضى، بل هو رسالة للأجيال الجديدة بأن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالتضحيات والعمل والإخلاص، فكل شهيد قدم حياته من أجل مصر ترك وراءه درسا خالدا مفاده أن الوطن يستحق أن يدافع عنه بكل ما نملك.
لذلك تبقى ذكرى الشهداء حية فى قلوب المصريين، ليس فقط تكريما لمن رحلوا، بل تأكيدا على أن مصر ستظل قادرة على حماية نفسها طالما أن فيها رجالا يؤمنون بأن التضحية من أجلها هى أعظم أشكال البطولة.