جمعتني منذ أيام قليلة، جلسة ودية مع مجموعة من الأصدقاء، أغلبهم أساتذة كبار في كليات الإعلام المختلفة، وبعضهم إعلاميون ومثقفون مرموقون. بدأ حديثنا بقضية الساعة (وقتها): العدوان الإسرائيلي على إيران، تطوراته وتداعياته المنظورة على الإقليم، ومن ضمنه مصر بالطبع (كان ذلك الحديث قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار)، وانتهت نقاشاتنا سريعًا بالدعاء أن يحفظ الله بلدنا الغالي من كل هذا الجنون الذي تشهده منطقتنا.
لا أتذكر بالضبط من الذي انتقل بالحديث إلى الموضوع التالي، وبدأ نقاشًا آخر حول قضية أراها في منتهى الأهمية، وتشغل بالي دومًا، وهي قضية التدهور الحاد في مستوى اللغة العربية، ربما لأننا انتهينا للتو من امتحانات نهاية العام الدراسي، ومعظم حضور الجلسة من أساتذة الجامعات الذين كانوا منخرطين في تصحيح ومراجعة أوراق إجابات الطلاب، وبالتالي يعاينون ويعانون من حجم المأساة التي يطالعونها في مستوى الانهيار الحاصل في اللغة العربية عند الغالبية الساحقة من الطلاب.
المشكلة قديمة، ولست وحدي من يثيرها، أو يجد نفسه مهمومًا بها. الدولة نفسها تقر بوجود المشكلة، بل أن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أثار القضية منذ شهرين، وتحديدًا خلال حفل تخرج الدورة الثانية لتأهيل أئمة وزارة الأوقاف، إبريل الماضي، عندما ركز على أهمية الحفاظ على اللغة العربية وحمايتها.
أسباب التدهور متعددة ومعروفة، أبرزها ما يتعلق بالتعليم، ومنها ما يعود إلى المجتمع ذاته، وبعضها يرتبط بالسياسة. إذ يشير الخبراء بأصابع الاتهام إلى ضعف المناهج الدراسية، كأحد أهم الأسباب لتدهور مستوى اللغة العربية لدى الأجيال الجديدة، وعدم الاهتمام بالفصحى في وسائل الإعلام والتعلم (ومنها الأعمال الدرامية)، إضافة إلى تراجع الاهتمام بالقراءة؛ ما يؤثر على الثروة اللغوية والمعرفة باللغة العربية. فضلًا عن تأثير التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي؛ التي قد تكون سببًا في انتشار الأخطاء اللغوية؛ وتراجع مستوى الكتابة والقراءة باللغة العربية الفصحى.
هناك سبب جوهري آخر يطرحه علماء اللغة، وهو استخدام العامية بشكل مفرط في الحياة اليومية، وهذا يذهب بنا إلى مشكلة "ثنائية اللغة" بين المدرسة والبيت والشارع، فالطفل يتعلم كلمات ولغة معينة منذ الصغر في البيت، ثم يكبر ويدخل المدرسة؛ فيفاجأ بلغة أخرى غريبة عنه تمامًا، وهي اللغة "الفصحى" التي يدرس بها. وهذه مشكلة لا نظير لها في لغات الشعوب الأخرى؛ حيث تستخدم تلك الشعوب "لغة واحدة"، هي نفسها لغة البيت والشارع والمدرسة. فالإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، أو أي لغة أخرى، لا تعرف تلك "الثنائية" بين العامية والفصحى الموجودة في اللغة العربية.
على الجانب السياسي، فلا يمكن أن نغفل ضعف الدعم والاهتمام الرسمي بتعزيز اللغة العربية الفصحى، خصوصًا في مجالات التعليم والإعلام وغيرها. كذلك نلحظ أن هناك تركيزًا واضحًا على تعلم اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية، ما يقلل من أهمية الأخيرة ومكانتها في عقر دارها وبين أهلها. ويحدث ذلك رغم أن النظم التربوية الحديثة، والمعمول بها في المدارس الأوروبية والأمريكية، تمنع تعليم أي لغات أجنبية في سنوات التعليم الأساسي، غير "اللغة الأم".
ولا أدل على عدم الاكتراث بقضية تدهور اللغة الفصحى، من جانب المسؤولين والجهات المعنية، من أن هناك مشروع قانون حائر في أروقة البرلمان، منذ سنوات، مقدم من "مجمع اللغة العربية"؛ ويعالج كل أسباب المشكلة؛ ويمنع الظواهر السلبية التي أساءت كثيرًا لواحدة من أعظم لغات العالم، لكن لا إرادة حقيقية في إصداره؛ رغم أهميته القصوى. ومشروع القانون الجديد؛ إذا قدر له أن يرى النور قريبًا، خصوصًا بعد اهتمام السيد رئيس الجمهورية بنفسه، سيكون (الحادي عشر) الذي يهدف إلى حماية اللغة العربية في مصر، إذ أن مصر أصدرت عشرة قوانين بخصوص اللغة العربية، منذ العام (1908)، ومع ذلك لم تنج اللغة من الانهيار في المجتمع.
القانون الجديد سبق وناقشته لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب، منذ نحو أربعة أعوام، في حضور ممثلين عن مجمع اللغة العربية والأزهر الشريف وعدد من الوزارات والجهات المعنية الأخرى. ورغم أن المشروع المقترح يهدف إلى "إعادة رونق اللغة العربية، بعدما أصبحت متراجعة بشدة في المجتمع المصري"، بحسب تعبير رئيس لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان النائبة الدكتورة درية شرف الدين، في تصريحات صحفية سابقة، إلا أن القانون لم يصدر حتى اليوم، ولا يزال حبيس أدراج مجلس النواب، من دون إبداء أي أسباب.
ومنذ أيام قليلة (الثلاثاء الماضي)، أعاد الدكتور عبد الحميد مدكور، الأمين العام لمجمع اللغة العربية، التأكيد على أهمية "خروج تشريع لحماية اللغة العربية"، وذلك أثناء حديثه أمام اجتماع لجنة "التعليم والبحث العلمي" بمجلس النواب، الذي خُصصّ لمناقشة مشروعي خطة وموازنة المجمع اللغة العربية للعام المالي الجديد (2025/ 2026)، منوهًا أن المجمع "سبق وأعد مشروع قانون في هذا الصدد". والطريف أن رئيس اللجنة البرلمانية النائب الدكتور سامي هاشم، طالب الأمين العام للمجمع اللغوي "بإرسال نسخة من مشروع القانون المعد إلى اللجنة لدراسته".
رئيس الجامعة العربية المفتوحة في مصر