رغم أن روايات نجيب محفوظ مشبعة بالتأملات والأسئلة الفكرية، فإن صاحب نوبل كان يؤكد دائمًا أنه رجل فن قبل أن يكون رجل فكر. هذا ما قاله فى رده الشهير على أنيس منصور الذى سأله: لماذا توقفت عن كتابة المقالات التى بدأت بها مسيرتك؟ رغم أن محفوظ كتب المقال بكثافة مطلع الثلاثينيات قبل أن يتوقف فجأة.
يروى نجيب محفوظ، فى حديثه مع الناقد رجاء النقاش، ضمن كتاب صفحات من مذكرات نجيب محفوظ، أن ميوله الأدبية ظهرت منذ المرحلة الابتدائية، إذ بدأ يقرأ لكبار الأدباء ويحاول تقليد أساليبهم.
فكتب محاولات متأثرة بالمنفلوطى فى النظرات والعبرات، بل حاول كتابة سيرته الذاتية على غرار الأيام لطه حسين، وأطلق عليها عنوان «الأعوام»، ورغم حبّه للشعر، فإنه سرعان ما أدرك أنه يفتقر إلى ملكة الحفظ، وهى شرط أساسى فى الصناعة الشعرية، ليتراجع تدريجيًا عن هذا الطريق.
عام 1936.. لحظة التحوّل الكبرى.. يتوقف محفوظ طويلًا عند عام 1936، واصفًا إياه بأنه العام الذى غيّر مسار حياته، إذ قرر فيه احتراف كتابة القصة والرواية بعد صراع نفسى عنيف بين الفلسفة والأدب.
ويقول إنه عاش هذا الصراع فى صمت تام، من دون أن يستشير أحدًا، قبل أن يختار طريق الرواية رغم صعوبته، مفضلاً إياه على دراسة الفلسفة التى كانت أسهل عليه آنذاك.
لماذا اختار محفوظ الرواية؟ برأى محفوظ، كان الأدب العربى يفتقر بشدة إلى فن الرواية، إذ لم يكن الإرث الروائى متنوعًا أو واسعًا كما هو الحال اليوم.
كانت الأعمال الكبرى أقرب إلى السيرة الذاتية مثل: عودة الروح - توفيق الحكيم، زينب - محمد حسين هيكل، الأيام - طه حسين، فشعر محفوظ أن أمامه مساحة شاغرة يمكن أن يملأها، وأن الرواية تحتاج إلى كُتاب يمتلكون قراءة واسعة فى الأدب العربى والعالمى.
لماذا درس الفلسفة؟.. تأثير جيل التنوير.. فى حوار آخر نُشر فى كتاب عشرة أدباء يتحدثون لفؤاد دوارة، يكشف محفوظ سبب اختياره دراسة الفلسفة بكلية الآداب.
فيقول إن الأدباء الذين أثّروا فيه خلال المرحلة الثانوية كانوا أصحاب ثورة فكرية أكثر من كونهم أصحاب أساليب أدبية، مثل: طه حسين، سلامة موسى، عباس العقاد، أما الشعراء الذين توجه لدراسة أعمالهم مثل أبى العلاء المعرى والمتنبى وابن الرومى، فقد غلب عليهم الجانب الفكرى، لذلك انجذب محفوظ إلى الفلسفة، من دون أن يتخلى عن قراءة الأدب، وظل يجمع بينهما طوال سنوات الجامعة.
أزمة الاختيار.. بعد التخرج، دخل «محفوظ» مرحلة من التنازع المؤلم بين الفلسفة والأدب، ازدادت شدّة حين بدأ إعداد رسالة الماجستير تحت إشراف مصطفى عبدالرازق.
استشعر «محفوظ» أن كل خطوة تقربه من الفلسفة كانت تبعده عن الأدب الذى كان يعشقه، فاشتد الصراع الداخلى حتى قرر التوقف عن الرسالة فى منتصفها، وهو قرار حسم مستقبله تمامًا لصالح الرواية.
الجامعة والبدايات الفكرية.. حين انجذب نجيب محفوظ إلى الفلسفة
الجمعة، 12 ديسمبر 2025 08:00 ص
نجيب محفوظ
كتب محمد عبد الرحمن