كل لغة في العالم لديها خواص مقطعية وخواص فوق مقطعية، الخواص المقطعية تشير إلى الأصوات والحروف والكلمات وكيفية ارتباطهم ببعضهم البعض لتتكون الجملة والفقرة، بحيث تشير إلى مكونات اللغة من الصوامت والصوائت (أي الأصوات الساكنة والأصوات المتحركة، كما هو متعارف عليه). بينما تشير الخواص فوق المقطعية إلى طريقة الكلام ومدى شعور المتكلم بالجمل والكلمات التي ينطقها، وهذا من خلال السمات فوق المقطعية التي تشمل: النبر والتنغيم والسرعة والإيقاع والوقف والتردد الصوتي. وإذا خلا الكلام من تلك الخواص فوق المقطعية، فإنه يُعد كلاما آليا، ويفقد لمسته البشرية، ويُطلق عليه أيضًا كلام "أحادي النغمة"، أو يتحدث بطريقة أحادية آلية "monotonous".
فيها بنا صديقي القارئ نوضح تأثير الخواص فوق المقطعية على نطق اللغة الأم ومدلولاتها الاجتماعية من خلال وقائع حياتية.
كل طفل عندما يكتسب لغته الأم (أي لغة المجتمع الذي ينشأ فيه، اللغة الأصلية له، اللغة الأولى) يكتسب أيضا الخواص المقطعية والخواص فوق المقطعية، السابق ذكرهما، لتلك اللغة. وعندما يتعلم الطفل لغة أخرى، بعدما يتقن لغته الأم، فقد تتأثر الخواص فوق المقطعية للغة الجديدة (اللغة الثانية) بالخواص فوق المقطعية الخاصة بلغته الأصلية (اللغة الأولى). على سبيل المثال: إذا كانت لغة الطفل الأصلية هي اللغة الهندية، وبعد ذلك بسنوات، في المدرسة، تعلم الطفل اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، فحينها يتكلم الطفل وينطق اللغة الإنجليزية، ولكنها متأثرة بالخواص فوق المقطعية الخاصة بلغته الأم (أي اللغة الهندية)، فينطق الإنجليزية بنفس تنغيم الهندية. فيكون الناتج، لغة إنجليزية هندية، أي لغة إنجليزية منطوقة بلكنة هندية. وهذا بالضبط ما يفرق بين المتحدث الأصلي للغة والمتحدث غير الأصلي، حيث إن المتحدث الأصلي يكون ملم بجميع الخواص المقطعية وفوق المقطعية للغته الأم (أي اللغة الأولى)، وذلك بشكل غير واعي، لإن اللغة تكمن في العقل اللاواعي للإنسان. أما المتحدث غير الأصلي فيكون غير قادر على الإلمام بجميع الخواص فوق المقطعية للغة الثانية، التي يكتسبها في عمر متأخر.
في الآونة الأخيرة، تصر بعض الأمهات المصريين على اكتساب أطفالها للغة الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية منذ نعومه أظافره، أي قبل أن ينطق لغته الأم (العامية المصرية). ويكون هذا، غالبا، عن طريق تعليمه -في مرحلة ما قبل الحضانة- في مدارس دولية تعتمد أي من اللغات السابقة كلغة أولى رسمية، وتفرض على الأب والأم أن يتحدثوا إلى طفلهم بنفس اللغة المعتمدة لديهم. وبما أن الطفل يعيش في مجتمع عربي، فإنه، أيضا يكتسب العامية المصرية ولكنها تصبح بالنسبة له لغة ثانية. وحين إذن، ينشأ طفل مصري في بيئة مصرية ويتحدث العامية المصرية ولكن بلكنة إنجليزية! متأثرا بالخواص فوق المقطعية الخاصة بلغته الأولى التي اكتسبها (اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات السابق ذكرها).
وهذا الجيل الذي نشأ بهذه الطريقة، أصبح ينتمي لطبقة اجتماعية معينة، وهي بالطبع الطبقة القادرة على تحمل مصروفات المدارس الدولية، وأصبحت طريقة كلام هذا الجيل (عامية مصرية ولكنها بلكنة إنجليزية) تدل على طبقته الاجتماعية وانتماءه الفكري ومستواه التعليمي والمنطقة التي يسكن بها. ومؤخرا، تم عمل بعض الأعمال الدرامية التي تعرض هذه اللكنة، مثل، مسلسل "عايشة الدور"، من بطولة "دنيا سمير غانم".
أثناء دراستي التمهيدية للدكتوراه، قمت بعمل بحث وتجربة عملية لقياس مدى إدراك التنغيم الصوتي للغة الإنجليزية لدى المصريين المتحدثين للغة العامية المصرية. وتهدف التجربة إلى التحقق من مدى قدرة المستمعين المصريين، غير الناطقين للغة الإنجليزية، على إدراك وتمييز نغمات اللغة الإنجليزية. وشملت التجربة 6 جمل إنجليزية (3 جمل إخبارية، و3 جمل استفهامية) مقسمين على 3 مجموعات، كل مجموعة بها جملتين متتاليتين ومختارين بعناية من قاعدة بيانات كبيرة على الإنترنت تسمى “English sentences with audio”، تم إنشاؤها في يوليو 2014. بحيث يتم نطق جميع الجمل الإنجليزية بواسطة متحدث أمريكي أصلي. وتضمنت التجربة نوعين فقط من النغمات الإنجليزية هما: النغمة المنخفضة والنغمة المرتفعة. وتم تصميم التجربة لاكتشاف أبرز العوامل التي اعتمد عليها المستمعون المصريون للتمييز بين نوعين النغمات في اللغة الإنجليزية.
شارك في هذه التجربة 50 مستمعًا متطوعًا، جميعهم طلابًا جامعيين أو خريجين تتراوح أعمارهم بين 19 و30 عامًا، ولغتهم الأم هي اللغة العربية وجميعهم مصريون يتعلمون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية في المدرسة والجامعة. وقد سُئل المستمعون عما إذا كانت الجملتان في كل مجموعة لهم نفس التنغيم أم لا؟
والتنغيم الصوتي هو أحد الخواص فوق المقطعية للغة، وينتج عن التغيرات الصوتية الناتجة عن ارتفاع وانخفاض تردد الصوت عند التحدث، خاصة في أطراف الجمل ونهايتها. حيث يكون لارتفاع تردد الصوت وانخفاضه في نهاية الكلام مدلولات ومعاني مختلفة. بحيث يكون لكل نغمة معنى، تدل على الجملة، مثل الجملة الإخبارية، تكون نهايتها بنغمة منخفضة، والجملة الأمرية تكون نهايتها بنغمة مرتفعة، والجملة الاستفهامية تكون نهايتها بنغمه أكثر ارتفاعا، وهكذا. وأوضحت النتائج أنه يمكن للمستمعين تمييز مجموعة مكونة من جملتين بنغمتين مختلفتين (انخفاض وارتفاع) بدقة عالية، أكثر من تمييز مجموعة مكونة من جملتين بنغمتين متشابهين (انخفاض وانخفاض) أو (ارتفاع وارتفاع).
الخلاصة، لكل لغة خواصها التي تميزها عن غيرها من اللغات، ولا يوجد ما يمنع أن يتقن الإنسان أكثر من لغة، بل يستحب ذلك لتوسعة الآفاق والمجالات والتطلع على العالم من منظوره. ولكن انتشار لهجات هجينة لا تمت لأي من اللغات الأصلية بصلة، هو ما نخشى انتشاره. لأن لغة الفرد هي هويته وثقافته وبيئته التي يجب أن يفتخر بها ويحافظ عليها ويحميها من الاندثار. ويجب على كل أم أن تصر على تعلم أطفالها لغتهم الأصلية حتى يكتسبوها ويتقنوها، وبعدها تعلمهم ما تشاء من لغات العالم كي تتوسع مداركم، بحيث يبدأ تعلم اللغة الثانية من سن 6 سنوات. كما أن بعض دول العالم تمنع تعلم اللغة الثانية حتى سن 8 سنة، مثل، دولة الصين واليابان.