يشارك الفيلم الروسي DAU للمخرج إيليا خرزانوفسكي في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي، بعد رحلة إنتاج استمرت نحو 20 عاما، ليقدم تجربة سينمائية ضخمة تعيد بناء أجواء الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين، من خلال قصة عالم الفيزياء ليف لانداو.
20 عاما من العمل على الفيلم
بدأ التحضير للفيلم عام 2006، قبل أن يتحول المشروع تدريجيا من فيلم واحد إلى مشروع سينمائي ضخم حمل اسم "DAU"، وشمل عددا كبيرا من الأفلام والمسلسلات، إلى جانب مئات الساعات من المواد المصورة على أفلام 35 ملم.
واعتمد المخرج على إعادة بناء عالم كامل من الحقبة السوفيتية، حيث عاش مئات الممثلين وآلاف المشاركين داخل مواقع تصوير ضخمة تحاكي المدن السوفيتية، بينما جرى تصوير تفاصيل حياتهم اليومية بواسطة فرق من الكاميرا والصوت.
ليف لانداو في مواجهة النظام السوفيتي
يركز الفيلم على مسيرة ليف لانداو، الذي يجسد شخصيته قائد الأوركسترا تيودور كورنتزيس، منذ سنواته الأولى كعالم شاب ومتمرد في لينينجراد، وصولًا إلى تحوله التدريجي تحت ضغط نظام شمولي يفرض سيطرته على العلماء والمجتمع.
وتتنقل الأحداث بين ثلاث مدن وفترات زمنية مختلفة، تبدأ من لينينجراد عام 1928، ثم خاركيف بين عامي 1933 و1937، وصولًا إلى موسكو من 1938 وحتى 1968، لتكشف كيف أثرت السلطة والقمع في حياة العالم وعلاقاته واختياراته.
حياة شخصية مضطربة خلف عبقرية العالم
ولا يكتفي "DAU" بتناول الجانب العلمي من حياة لانداو، بل يغوص أيضا في حياته الشخصية وعلاقته بزوجته نورا، التي تسمح له بخوض علاقات متعددة في إطار زواج مفتوح يبدو من جانب واحد، بينما تحاول هي التكيف مع شخصيته القوية ونمط حياته المضطرب.
ومع تصاعد الأحداث، تتداخل الحياة الخاصة للعالم مع الضغوط السياسية التي تحاصره، خصوصا عندما يجبر على المشاركة في تطوير أنظمة رادار وأسلحة عسكرية، رغم رفضه في البداية، قبل أن يتعرض لضغوط نفسية وجسدية تدفعه إلى الخضوع.
إنتاج ضخم أثار جدلا واسعا
لم تخل رحلة إنتاج الفيلم من الأزمات، إذ واجه المشروع اتهامات تتعلق بالعنف والانتهاكات الجنسية داخل موقع التصوير، إلى جانب انتقادات أخلاقية أثارت جدلًا واسعًا، خاصة بعد عرض بعض الأعمال المنبثقة عنه في مهرجان برلين السينمائي عام 2020.
كما أثار الفيلم عند عرضه في فينيسيا ردود فعل مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، خاصة أن المشروع روسي الإنتاج رغم كونه تعاونًا ألمانيًا فرنسيا سويديا.
إشادة بالجانب البصري والطموح السينمائي
ورغم الجدل المحيط به، حظي "DAU" بإشادات نقدية واسعة بسبب ضخامته البصرية وطموحه الفني، ويقدم عالما سينمائيا خانقا ومثيرا يعكس حياة أشخاص يحاولون البحث عن الحرية والسعادة في ظل نظام قمعي.
ويستغرق الفيلم 3 ساعات و15 دقيقة، بالإضافة إلى استراحة مدتها 15 دقيقة، ويضم في بطولته تيودور كورنتزيس، رادميلا شوجوليفا، أناتولي فاسيليف، ماريا نافبليوتو، فلاديمير أجييبوف، ديمتري تشيرنياكوف وديمتري تشيجلاكوف.
فيلم عن الماضي يشبه الحاضر
ويرى الفيلم في أجوائه السوفيتية انعكاسات على الحاضر، خاصة مع تصاعد الأنظمة السلطوية والصراعات السياسية حول العالم، ليطرح تساؤلات عن العلاقة بين العلم والسلطة، والحرية والقمع، وحدود ما يمكن أن يفعله الإنسان من أجل البقاء.
وفي النهاية، يبدو أن رحلة "DAU" الطويلة لم تكن مجرد محاولة لصناعة فيلم عن حقبة تاريخية، وإنما مشروع ضخم حاول فيه خرزانوفسكي محو الحدود بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر، ليصبح الفيلم نفسه شاهدًا على عالمه المضطرب.