ضربت الانقسامات جماعة الإخوان، خلال السنوات الماضية، بصورة كشفت عن تراجع قدرتها على الحفاظ على وحدة صفها التنظيمى، لتظهر عدة جبهات متنافسة، لكل منها قياداتها وحساباتها وخطابها الخاص، وسط صراع على النفوذ والموارد والقدرة على التأثير فى قواعد التنظيم.
ويرى أحمد حميدة الباحث فى شؤون جماعة الإخوان، أن الجماعة تعرضت لـ"إعصار انقسام" عقب ثورة 30 يونيو، أدى إلى تفرقها إلى جبهات متصارعة ومتنافسة، موضحًا أن كل جبهة باتت تعبر عن شريحة داخل قواعد التنظيم، الأمر الذى يجعل الحديث عن جماعة واحدة متماسكة، تقودها قيادة موحدة تحظى بالقبول والطاعة من جميع عناصرها، أمرًا بالغ الصعوبة.
جبهة إسطنبول.. الحرس القديم والرهان على المال والإعلام
وبحسب أحمد حميدة، تأتى جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، الذى يصفه الباحث بأنه يمثل تيار "الحرس القديم" داخل الجماعة، فى مقدمة الجبهات المتصارعة، حيث تتمسك باللوائح التنظيمية ومبدأ السمع والطاعة، وتتبنى نمطًا تقليديًا فى الإدارة، ينظر بحذر إلى أى محاولات للتجديد أو إعادة هيكلة التنظيم.
ويشير الباحث إلى أن هذه الجبهة تستند، فى جانب من قوتها، إلى ما يصفه بالسيطرة على الموارد المالية والمنابر الإعلامية، مع تبنى خطاب أكثر حذرًا وبرجماتية فى التعامل مع التطورات الإقليمية والدولية، بما يسمح لها بالحفاظ على وجودها وشبكاتها التنظيمية. مضيفًا أن المصالحة المصرية التركية والتقارب الدبلوماسى بين البلدين فرضا متغيرات على نشاط الجماعة فى تركيا، لافتًا إلى أن منصات إعلامية مرتبطة بالإخوان خففت من حدة خطابها تجاه الدولة المصرية، وهو ما يراه انعكاسًا لرغبة الجبهة فى الحفاظ على وجودها ومصالحها داخل تركيا.
ويصف حميدة استراتيجية هذه الجبهة بأنها تقوم على "الكُمون والانتظار"، فى ظل عدم إيمانها حاليًا بجدوى التصعيد المباشر، وانتظار حدوث متغير سياسى أو اقتصادى أو إقليمى يمكن أن يعيد الجماعة إلى المشهد السياسى.
ويحدد الباحث في شؤون الجماعة الإخوانية مسارين لتحرك جبهة إسطنبول؛ الأول يتعلق برعاية أتباعها وتوفير الدعم لبعض عناصرها وأسر السجناء، والثانى يرتبط بالصراع التنظيمى الداخلى ومحاولة تعزيز النفوذ والسيطرة على مفاصل الجماعة وقراراتها، وهو ما يفسر، وفق تحليله، صعوبة الوصول إلى مصالحة شاملة بين الجبهات المتنازعة.
جبهة لندن.. الدين والعمل الدعوى بدلًا من المواجهة السياسية
أما جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق، فيوضح أحمد حميدة أن رؤيتها تقوم بدرجة أكبر على العمل الاجتماعى والدعوى والتربوى، مع محاولة الابتعاد عن المواجهة السياسية المباشرة، بعدما أدت الصدامات المتتالية إلى استنزاف التنظيم وتراجع قدرته على الحركة. موضحًا أن هذه الجبهة تتعامل مع العمل الدعوى باعتباره وسيلة للحفاظ على بقاء التنظيم وإعادة بناء قواعده، من خلال التركيز على الأنشطة الاجتماعية والتربوية والخيرية، بدلًا من الانخراط المباشر فى صراع سياسى مفتوح. مشيرًا إلى امتلاك هذه الجبهة شبكة من العلاقات العابرة للحدود فى أوروبا والشرق الأوسط، وتركيزها على الحفاظ على قنواتها التنظيمية والمالية، مع تقديم نفسها باعتبارها امتدادًا تاريخيًا للتنظيم الدولى للجماعة.
ويضيف "حميدة" أن الجبهة ترفع شعار "السلمية" وترفض توجهات تيار التغيير الذى يدعو إلى العنف المسلح، كما تسعى إلى فتح قنوات تواصل مع الدولة بهدف الوصول إلى صيغة تضمن بقاء التنظيم بعيدًا عن المنافسة السياسية المباشرة.
الكماليون.. خطاب ثورى ورفض القيادة التقليدية
كما يبرز الباحث في شؤون الجماعة الأخوانية المتطرفة؛ ما يعرف بـ"المكتب العام" أو "الكماليين"، الذى يضم أسماء مثل يحيى موسى ومحمد منتصر ورضا فهمى، باعتباره التيار الأكثر رفضًا للقيادة التقليدية، والأكثر تبنيًا لخطاب ثورى داخل الصراع الإخوانى. موضحًا نشأ هذا التيار كرد فعل على ما يعتبره أعضاؤه جمودًا تنظيميًا وفشلًا من القيادة التاريخية فى إدارة الأزمة، ولذلك يطالب بإعادة هيكلة التنظيم وتجديد قياداته ولوائحه، وفتح المجال أمام الشباب، مع رفض فكرة السمع والطاعة المطلقة، مشيرًا؛ إلى أن هذا التيار يتبنى خطابًا أكثر تصعيدًا، وارتبط بأفكار وممارسات تتبنى العنف والعمل المسلح، لافتًا إلى صلته بحركة "حسم"، التى تصنفها السلطات المصرية تنظيمًا إرهابيًا، وما ارتبط بها من دعوات تستهدف زعزعة الاستقرار ومواجهة الدولة بالقوة.
وأضاف "أحمد حميده "أن هذا التيار يرى أن تحرير السجناء لا يمكن أن يتم عبر التسويات أو التفاهمات السياسية، وإنما من خلال تحركات عنيفة، كما يسعى إلى بناء تحالفات مع قوى مختلفة تحت شعار إعادة الزخم إلى الحراك الثورى.
صراع الجبهات.. من يقود التنظيم ومن يملك مفاتيح التمويل؟
وبينما تتباين أدوات الجبهات الثلاث، فإن الصراع بينها يعكس أزمة أعمق داخل التنظيم، تتعلق بمن يمتلك الشرعية والقدرة على توجيه القواعد، فضلًا عن الموارد المالية والمنابر الإعلامية والشبكات التنظيمية الخارجية.
ويخلص أحمد حميدة إلى أن جماعة الإخوان لم تعد كيانًا تنظيميًا موحدًا كما كانت تقدم نفسها تاريخيًا، وإنما تحولت إلى مجموعة من التيارات والجبهات، لكل منها تصور مختلف لطريقة إدارة الصراع ومستقبل التنظيم؛ فبينما تراهن جبهة إسطنبول على الحفاظ على الهيكل القديم والموارد، تركز جبهة لندن على العمل الدعوى والاجتماعى، فى حين يدفع الكماليون نحو خطاب أكثر راديكالية وتصعيدًا.
وهكذا لم يعد الخلاف داخل الجماعة مجرد صراع على المواقع القيادية، وإنما تحول إلى معركة مفتوحة حول مستقبل التنظيم، ومن يملك مفاتيح التمويل، ومن يستطيع الاحتفاظ بولاء القواعد، فى ظل انقسام غير مسبوق يهدد ما تبقى من تماسك الجماعة.