35 عاما على الكيت كات.. فيلم شاهد مصر بعيون الشيخ حسني.. محمود عبد العزيز في واحدة من أعظم شخصياته.. وداوود عبد السيد يوثق أحلام البسطاء وانكساراتهم.. مشاهد أصبحت علامات بارزة في ذاكرة الجمهور

الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 08:00 م
35 عاما على الكيت كات.. فيلم شاهد مصر بعيون الشيخ حسني.. محمود عبد العزيز في واحدة من أعظم شخصياته.. وداوود عبد السيد يوثق أحلام البسطاء وانكساراتهم.. مشاهد أصبحت علامات بارزة في ذاكرة الجمهور محمود عبد العزيز فى الكيت كات

كتبت ندى سليم

يمر اليوم نحو 35 عامًا على عرض فيلم الكيت كات، العمل الذي استطاع من خلاله المخرج داوود عبد السيد أن يرسم لوحة سينمائية شديدة الخصوصية للمجتمع المصري في تسعينيات القرن الماضي، لتبقى تجربته واحدة من أبرز العلامات الفارقة في تاريخ السينما المصرية.

 

داوود عبد السيد رسم لوحة سينمائية عن الحارة المصرية عبرت عن واقع الشارع بعبقرية

لم يكتفِ داود عبد السيد بتقديم حكاية عن مجموعة من سكان أحد الأحياء الشعبية، وإنما منح تفاصيل الحياة اليومية مساحة واسعة داخل الفيلم، ووثق شكل الشارع المصري، وأحلام أبنائه، وإحباطاتهم، وأزماتهم الاجتماعية والاقتصادية، بلغة سينمائية اتسمت بالواقعية والصدق، وهو ما جعل "الكيت كات"، تحفة فنية تجاوزت زمن عرضها لتصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة السينمائية المصرية.

 

فيلم الكيت كات .. وفلسفة الشيخ حسني الذى يرى أكثر من المبصرين

تدور أحداث الفيلم في حواري منطقة الكيت كات، حيث يعيش الشيخ حسني، الذي جسد شخصيته محمود عبد العزيز، مع والدته المسنة، التي قدمتها الفنانة أمينة رزق، وابنه يوسف، الذي لعب دوره شريف منير، ورغم فقدان الشيخ حسني بصره، وخسارته لعمله وزوجته، فإنه لم يفقد قدرته على مواجهة الحياة، ولم يستسلم لفكرة أنه رجل كفيف، بل ظل يتعامل مع العالم من حوله وكأنه يرى أكثر من المبصرين.

بوستر فيلم الكيت كات
بوستر فيلم الكيت كات

 

بينما يعيش ابنه يوسف حالة من الإحباط بعد تخرجه من الجامعة وعجزه عن العثور على وظيفة، كما يفشل في الحصول على عقد عمل بالخارج، فيفكر في الهجرة، بينما تتداخل حكايته مع علاقته بجارته، التي جسدت شخصيتها عايدة رياض، ومع الحكايات والأسرار المتشابكة لسكان الحي.

ويقدم الفيلم من خلال شخصية الشيخ حسني رؤية فلسفية عميقة، مفادها أن فقدان البصر لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على رؤية الحياة، وأن العمى الحقيقي قد يكون في البصيرة لا في العينين، فالرجل الكفيف يبدو في كثير من المواقف أكثر إدراكًا لما يدور حوله من المبصرين.

 

ماستر سين هام في الكيت كات .. و مواجهة بين الشيخ حسني وعم مجاهد

ويضم الكيت كات، مجموعة من المشاهد التي أصبحت علامات بارزة في ذاكرة الجمهور، من بينها مشهد المواجهة بين الشيخ حسني وعم مجاهد، الذي يعاتبه بعد بيع البيت الذي بناه مع والده، في مشهد يكشف حجم الضغوط التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار، بين احتياجات والدته للدواء، ومصاريف ابنه، وضيق الحال، فيعاتبه عن مجاهد في واحد من أهم المشاهد الحوارية في الفيلم قائلًا:بعت البيت يا حسنى  بعت البيت اللى بنيته انا وابوك، بعت البيت اللى كل حجر من حجارته خد راء من كتفى وكتف ابوك ، ليرد حسني "طيب هو انا يعنى بعت البيت ليه يا عم مجاهد،مش علشان اعيش، المعاش بتاع الوزاره مبقاش يأكل و الولد كبر و له مصاريف و امى عايزه ادويه وحُكما".

 

مشاهد كوميدية لاتنسى في فيلم الكيت كات.. أنت بتستعماني ياهرم

ومن أكثر المشاهد تأثيرًا، ذلك الذي يجلس فيه الشيخ حسني على ضفاف النيل، قبل أن ينتبه إلى خطوات ابنه يوسف، فيناديه قائلاً: يوسف، عرفتك من خطاويك، في لحظة تختصر علاقة الأب بابنه، وتؤكد أن الإنسان قد يفقد حاسة من حواسه، لكنه يحتفظ بقدرة أخرى على الإحساس بمن يحب.

أما الجانب الكوميدي، فكان حاضرًا بقوة من خلال شخصية الشيخ حسني، خاصة في مواجهاته مع هرم، الذي جسد شخصيته نجاح الموجي، ومن بينها المواقف التي استطاع فيها الشيخ حسني أن يثبت أنه، رغم فقدانه البصر، قادر على كشف ما يحاول الآخرون إخفاءه، بعدما تمكن في ضبط هرم داخل شقة صديقه وعشيقته، ليفضح امرهما أمام الحارة وينتقم منه على طريقته .

ويأتي مشهد عزاء عم مجاهد ضمن أكثر المشاهد الكوميدية في الفيلم، فينسى الشيخ حسني  الميكروفون مفتوحا، فيبدأ في كشف أسرار أهل المنطقة وعلاقة ابنه، لتتحول لحظة العزاء إلى موقف شديد الكوميديا، يكشف في الوقت نفسه طبيعة العلاقات المتشابكة داخل الحي.

ولا يمكن الحديث عن الكيت كات دون التوقف أمام المشهد الأيقوني الذي يحقق فيه الشيخ حسني أحد أحلامه، فيستقل الدراجة النارية "الموتوسكيل" وينطلق بها في الحارة، متجاوزًا خوف الآخرين، ومؤكدًا بطريقته الخاصة أنه يرى الحياة كما يريد، حتى وإن فقد القدرة على رؤية الطريق بعينيه.

وبفضل هذه التفاصيل، استطاع داوود عبد السيد أن يجعل من الكيت كات أكثر من مجرد فيلم عن حي شعبي أو شخصية كفيف، فقدمه باعتباره مرآة لمجتمع كامل، بما يحمله من أحلام مؤجلة، وفقر، ورغبة في الهروب، وعلاقات إنسانية، وأزمات اجتماعية، وأحلام صغيرة يحاول أصحابها التشبث بها وسط واقع قاسي.

ويظل الكيت كات، واحدًا من الأعمال التي أثبتت أن السينما الحقيقية لا تحتاج إلى أحداث ضخمة كي تترك أثرًا خالدًا، وإنما يكفي أن تنظر بصدق إلى الإنسان وتفاصيل حياته، وهو ما فعله داوود عبد السيد، ليمنح السينما المصرية عملًا بقي حاضرًا في الذاكرة، كما احتل الفيلم المركز الـ24 في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة