لم تعد حملات جماعة الإخوان وأنصارها تعتمد فقط على نشر شائعة مباشرة، وإنما تطورت آليات التعامل مع المعلومات المضللة إلى منظومة تقوم على صناعة رواية متكاملة، ثم العمل على تكرارها وتوسيع نطاق انتشارها عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يهدف إلى التأثير على وعي المواطنين وتوجيه النقاش العام نحو القضايا التي تخدم خطاب الجماعة.
وتبدأ بعض هذه الحملات من معلومة غير مكتملة أو واقعة قديمة، قبل إعادة تقديمها في سياق جديد، مع إضافة تفاصيل أو تفسيرات لا تستند إلى مصادر موثوقة. وبعد ذلك يجري تداول المحتوى عبر حسابات وصفحات مختلفة، بما يمنحه مساحة أكبر للانتشار ويجعله يبدو أمام المتلقي وكأنه حديث واسع التداول.
إعادة تدوير المحتوى القديم وصناعة روايات جديدة
وتعد إعادة تدوير الأخبار والصور ومقاطع الفيديو القديمة من أبرز الأساليب المستخدمة في حملات التضليل، حيث يعاد نشر مواد سابقة باعتبارها وقائع حديثة، أو يتم حذف أجزاء من المحتوى الأصلي بما يغير دلالته.
وتستفيد هذه الآلية من سرعة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، إذ قد يصل المحتوى إلى آلاف المستخدمين قبل أن تتاح فرصة للتحقق من توقيته أو مصدره. وفي بعض الحالات، يتم تغيير العنوان أو إضافة تعليق سياسي إلى مادة حقيقية، لتتحول الواقعة الأصلية إلى مدخل لرواية مختلفة تماما عن مضمونها.
كما يتم اللجوء إلى اجتزاء تصريحات المسؤولين أو الشخصيات العامة من سياقها، وإعادة نشر جملة محددة باعتبارها موقفا كاملا، بما يسمح بتقديم صورة مغايرة للرسالة الأصلية.
تعدد الحسابات لإيهام المتلقي بانتشار الرواية
ولا يتوقف الأمر عند إنتاج المحتوى، إذ يمثل تكرار نشره عبر حسابات متعددة مرحلة أساسية في حملات التضليل، حيث يتم تداول الرواية نفسها بصيغ مختلفة وفي توقيتات متقاربة، بما قد يخلق لدى المستخدم انطباعا بأن المعلومة مؤكدة لمجرد رؤيتها في أكثر من مكان.
وتعتمد هذه الآلية على التأثير النفسي لتكرار المعلومة، خاصة عندما تكون مرتبطة بموضوع يثير اهتمام الجمهور أو مخاوفه. ومع كل إعادة نشر، تبتعد الرواية تدريجيا عن مصدرها الأول، ويصبح من الصعب على المتلقي معرفة أصلها أو التحقق من مدى صحتها.
وتساهم الحسابات التي تعيد نشر المحتوى في نقل الشائعة من نطاق محدود إلى نقاش أوسع، خاصة عندما تدخل في دائرة التفاعل والتعليقات والمشاركة، لتتحول المعلومة غير الموثقة إلى موضوع متداول، رغم غياب الأدلة التي تثبت صحتها.
استغلال الأحداث اليومية لصناعة حالة من الجدل
وتسعى حملات التضليل أيضا إلى استغلال الأحداث التي تشغل المواطنين، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية، باعتبارها بيئة مناسبة لانتشار الروايات غير الدقيقة. ويتم أحيانا تقديم تفسير سياسي أو اتهام مباشر إلى جانب الواقعة، ثم استخدامه في توجيه النقاش بعيدا عن المعلومات الأساسية.
وتزداد قدرة هذه الحملات على الانتشار عندما تتزامن مع أحداث تحظى باهتمام جماهيري واسع، إذ يجري استغلال حالة التفاعل المرتفعة لدفع محتوى إضافي يتضمن ادعاءات أو استنتاجات غير موثقة.
الهدف النهائي.. التأثير في الوعي وليس مجرد نشر خبر كاذب
وتكمن خطورة هذا النمط من التضليل في أن الهدف لا يكون دائما إقناع المواطن بشائعة واحدة، وإنما خلق حالة مستمرة من الشك والارتباك تجاه المعلومات التي يتلقاها، بحيث تصبح الأخبار الموثوقة وغير الموثوقة متساوية في نظر المتلقي.
ومن هنا تتحول المعركة من مجرد مواجهة خبر كاذب إلى مواجهة منظومة كاملة تعتمد على سرعة الانتشار، وتكرار الرواية، واستغلال الأحداث، وإعادة تدوير المحتوى، بهدف التأثير على اتجاهات الرأي العام.
وتبرز في المقابل أهمية التحقق من مصدر أي معلومة قبل إعادة نشرها، ومراجعة تاريخ الصور ومقاطع الفيديو، والبحث عن التصريحات في سياقها الكامل، والاعتماد على البيانات الرسمية والمصادر الصحفية الموثوقة، خاصة في القضايا التي تمس حياة المواطنين أو ترتبط بأوضاع الدولة.
وبذلك، فإن مواجهة خطاب التضليل لا تتعلق فقط بالرد على الشائعة بعد انتشارها، وإنما تبدأ من عدم منح المحتوى المجهول فرصة التحول إلى حقيقة متداولة، عبر التعامل الواعي مع المعلومات قبل مشاركتها أو التفاعل معها.