استمرت المعركة السياسية بين الأحزاب حول إقالة وزير الحقانية «العدل» عبدالعزيز باشا فهمى، يوم 5 سبتمبر 1925، لرفضه تنفيذ قرار «هيئة كبار العلماء» بطرد الشيخ على عبدالرازق من زمرة العلماء بعد عقد محاكمتها له برئاسة شيخ الأزهر، يوم 12 أغسطس 1925، بسبب كتابه «الإسلام وأصول الحكم».
كانت جريدة «الاتحاد» المعبرة عن حزب «الاتحاد» تدافع عن تصرفات الملك فؤاد، ورئيس الوزراء بالنيابة يحى باشا إبراهيم، المناهض لـ«عبدالرازق»، فيما استمرت جريدة «السياسة» لسان حال حزب «الأحرار الدستوريين» فى دفاعها عن عبدالعزيز باشا، وعلى عبدالرازق، أما الصحف الأخرى «لم يكن يهمها مساندة القصر أو رئيس الوزراء بقدر ما كان يهمها التعبير عن الشماتة فى حزب الأحرار الدستوريين كخصم سياسى، الذى تعرض رئيسه عبدالعزيز فهمى لهذه الإهانة»، حسبما يذكر الكاتب الصحفى محمود عوض فى كتابه «أفكار ضد الرصاص».
ينقل أحمد شفيق باشا فى موسوعته «حوليات مصر السياسية-الحولية الثانية- 1925» وقائع ما جرى بين هذه الصحف، وفى 7 سبتمبر، مثل هذا اليوم، 1925، كان الاشتباك عنيفا بين «الاتحاد» و«السياسة»، كما دخلت جريدة «الأخبار» لسان حال الحزب الوطنى على الخط، وردت «الاتحاد» على هجوم «السياسة»، الذى شنته ضد رئيس الوزراء بالنيابة، والذى أقدم على إقالة وزير الحقانية، واعتبرت فيه أن الطريقة التى اتبعت فى إقالة عبدالعزيز باشا فهمى طريقة شاذة لم تعرف الحياة الدستورية فى الأمم المتمدينة لها مثالا.
قالت «الاتحاد»: «نسأل الزميلة فى تواضع وأدب، ماذا يكون الرأى إذا حدث، كما وقع بالفعل أن الوزير اختلف مع زملائه أو رئيسه، فطلب رئيس الوزراء منه أن يستقيل فأبى الوزير أن يفعل؟ وليس هذا فى الواقع مثلا نضربه، وإنما هو ما جرى»، وطرحت «الاتحاد» سؤالا: «هل فى الدستور نص أو شبه نص، أو ما يمكن أن يستخلص من نصوصه، على أن الوزارة يجب أن تستقيل إذا خالف عضو منها رئيسها وتعذر اشتراكهما فى العمل معا، وأضافت: «إذا كان دولة رئيس الوزراء بالنيابة يملك من الحقوق ما هو مخول للرئيس الأصيل فى كل كبيرة وصغيرة فلماذا لا يملك أيضا حق إقالة وزير؟
وأضافت «الاتحاد»: «إننا نستطيع أن نفهم أن تدافع السياسة عن الشيخ على عبدالرازق بكل طرق الدفاع الجائزة شرعا، لا أن تتقول على الدستور ما لم يقل وتحمل نصوصه ما لا تحتمل، فتزعم تارة أن الدستور يمنع العلماء من استعمال حقهم المنصوص عليه فى قانون الأزهر، وإخراج زميل لهم كتب ضد الدين، وتزعم تارة أخرى أن الدستور يمنع إقالة وزير رفض أن ينفذ قرار هيئة كبار العلماء، وحاول أن يعطل قانونا نافذا لم يلغ ولم يعدل».
أما جريدة «الأخبار» لسان حال الحزب الوطنى، فقالت فى مقالها الرئيسى: «المهزلة الخطيرة هى رفت وزير الحقانية أو طرده إذا شئت، وطرده أصح لأن ما وقع قد جاء مزريا بكل كرامة، وما كان يجوز أن يقع حتى من مأمور لخفير أو من عمدة إلى خادمه، والمسألة خطيرة، وخطيرة جدا، لا مقابل لها فى تاريخ أمة دستورية متمدنة، ولا فى تاريخ أمة متقهقرة استبدادية حكومتها مطلقة من كل قيد. إنها لعبة جنونية أدت إلى سابقة لا ندرى كيف تكون عواقبها فى قابل الأيام، وكيف يكون أثرها فى إدارة البلاد»، وتأسفت «الأخبار» إلى اللجوء للمندوب السامى البريطانى فى هذه الأزمة، قائلة: «ظهر أثر هذه الإهانة بالتجاء البعض إلى الغاصب والاحتماء به، وهذا أثر من أسوأ الآثار التى كان خليقا بنفوس مهما انحطت وصغرت ألا تلجأ إليه».
كان اللجوء إلى المندوب السامى البريطانى فى رأى محمود عوض «أن الذى يحكم مصر هو أولا المحتل الإنجليزى، ثم ثانيا الملك فؤاد»، ويكشف «محمد حسين هيكل باشا» رئيس تحرير جريدة «الدستور» فى الجزء الأول من مذكراته «مذكرات فى السياسة المصرية»: «دعانى مستر نيفل هندرسون القائم بأعمال المندوب السامى البريطانى وخاطبنى فيما حدث، وقال إنه لم ير أن يتدخل قبل إقالة عبدالعزيز باشا فهمى، إذ قيل له إن الخلاف بين وزير الحقانية وزملائه واقع على مسألة دينية، وإنجلترا تأبى أن تتدخل فى المسألة الدينية، ثم رجانى ألا تستمر «السياسة» فى الحملة التى بدأتها على حزب الاتحاد، قلت: إذا كفت «الاتحاد» عن مهاجمة الأحرار الدستوريين فكرت فى الأمر، فإن لم تفعل، فواجبنا أن نرد كل هجوم علينا».
ويضيف «هيكل باشا»: «وعدنى الرجل أن يبذل غاية جهده لتحقيق ما طلبت، ورجانى أن أمر به بعد أسبوع لتناول الأمر بالحديث مرة أخرى، وعدت بعد أسبوع فقابلت الرجل، وحملتنا على حزب الاتحاد لم تنقطع لأن حملتهم علينا لم تنقطع، ولم يكف أينا، ويئس الرجل، وأبدى لى يأسه فى مقابلتنا الثالثة والأخيرة، وكذلك سارت الأمور فى مجراها الطبيعى».