تتسع المخاوف في أوروبا من تداعيات التصعيد التجاري بين الولايات المتحدة وكندا، مع دخول الحرب التجارية بين البلدين مرحلة جديدة تنذر بمزيد من الضغوط على الاقتصاد العالمي والأسواق الدولية، بعدما فرضت واشنطن رسومًا جمركية بنسبة 50% على سلع كندية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في أعقاب انهيار المفاوضات التجارية بين الجانبين.
وتنظر عواصم أوروبية إلى المواجهة المتصاعدة باعتبارها اختبارًا جديدًا للنظام التجاري العالمي، خصوصًا أن كندا تُعد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، فيما تثير طبيعة المطالب الأمريكية وتسارع استخدام الرسوم الجمركية مخاوف من تحول التجارة إلى أداة للضغط السياسي والاقتصادي بين الدول الحليفة.
وجاء التصعيد بعد فشل المحادثات بين واشنطن وأوتاوا، إذ رفض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني شروطًا أمريكية اعتبرها تمس المصالح والسيادة الكندية، قبل أن تفرض إدارة الرئيس دونالد ترامب رسومًا جديدة على صادرات كندية. وردت أوتاوا بإجراءات انتقامية، معلنة فرض رسوم مماثلة على مجموعة من المنتجات الأمريكية، في مواجهة قد تتوسع خلال الأيام المقبلة.
وتستعد كندا، اعتبارًا من 8 سبتمبر، لتطبيق رسوم انتقامية بنسب تتراوح بين 15% و50% على منتجات أمريكية مستهدفة، تشمل الصلب ومنتجات الألبان والأجهزة والمعدات الزراعية والورق والإلكترونيات، في إطار سياسة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل.
أوروبا تراقب التصعيد
وتكتسب الأزمة أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا، ليس فقط بسبب العلاقات التجارية الوثيقة بين الاتحاد الأوروبي وكندا، ولكن أيضًا لأن ما يحدث بين واشنطن وأوتاوا يقدم نموذجًا لما يمكن أن تواجهه الاقتصادات الأوروبية إذا توسعت السياسة الأمريكية القائمة على الرسوم والضغوط التجارية.
وتشير تحليلات أوروبية إلى أن قرار كندا الانسحاب من المفاوضات ورفض تقديم تنازلات تمس سيادتها وضع الاتحاد الأوروبي أمام سؤال أكثر صعوبة: هل تستطيع بروكسل، في حال تعرضها لضغوط مماثلة، اتخاذ موقف حازم في مواجهة واشنطن؟
وتظهر المقارنة بوضوح، خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي خاض خلال الفترة الماضية مفاوضات شاقة مع الإدارة الأمريكية بشأن التجارة، في محاولة للحفاظ على اتفاق تجاري يخفف من آثار الرسوم الأمريكية، بينما واجهت بروكسل أيضًا ضغوطًا أمريكية مرتبطة بقواعد البيئة والاستدامة والتنظيم الرقمي
ويرى مراقبون أن التصعيد الأمريكي ضد كندا قد يزيد القلق الأوروبي من عودة الحمائية التجارية إلى قلب الاقتصاد العالمي، بعدما أصبحت الرسوم الجمركية وسيلة متكررة لإعادة صياغة العلاقات التجارية بدلًا من اللجوء إلى التفاوض والمؤسسات الدولية.
حرب تجارية تضغط على النمو
ولا تقتصر المخاوف على كندا والولايات المتحدة، إذ يمكن لأي جولة جديدة من الرسوم والرسوم المضادة أن تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، وتدفع الشركات إلى إعادة حساباتها بشأن الإنتاج والاستثمار والأسواق التي تعتمد عليها.
وتكمن الخطورة في احتمال أن تتحول الإجراءات المتبادلة إلى حلقة تصعيد يصعب وقفها؛ فرفع الرسوم الأمريكية يدفع كندا إلى الرد، بينما قد يؤدي الرد إلى إجراءات أمريكية إضافية، وهو ما يرفع تكلفة التجارة ويزيد أسعار بعض السلع ويضغط على هوامش الشركات والمستهلكين.
وتحذر تحليلات اقتصادية من أن زيادة الحمائية التجارية يمكن أن تؤثر سلبًا في النمو العالمي، خصوصًا في ظل وجود ضغوط أخرى على الاقتصاد الدولي، من بينها ارتفاع تكاليف الطاقة والتوترات الجيوسياسية وعدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه اقتصادات كبرى تثبيت تعافيها، ما يجعل أي صدمة تجارية واسعة مصدر خطر إضافي على الاستثمارات والتجارة العالمية. كما أن الرسوم لا تؤدي بالضرورة إلى حماية المنتجين المحليين بصورة مباشرة، إذ قد ترفع في الوقت نفسه تكلفة المدخلات والسلع المستوردة وتضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
الأسواق أمام اختبار جديد
وتراقب الأسواق المالية التطورات عن كثب، خاصة مع احتمال انعكاس استمرار النزاع على العملات وأسعار السلع وحركة الاستثمارات. وعلى الرغم من أن استطلاعًا حديثًا لرويترز أظهر أن محللي العملات يتوقعون ضعفًا محدودًا للدولار الكندي على المدى القصير ثم تعافيًا تدريجيًا، فإنهم يرون أن مستقبل العملة والاقتصاد الكندي يرتبط بدرجة كبيرة بمدى استمرار التوتر التجاري.
كما أبقى بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25%، لكنه حذر من تصاعد المخاطر التضخمية، في وقت لا تزال فيه الرسوم الأمريكية والتوترات الجيوسياسية تضيف مزيدًا من عدم اليقين إلى الاقتصاد.
وتواجه كندا وضعًا حساسًا؛ فالولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لها، ما يجعل استمرار الحرب التجارية مكلفًا، حتى مع جهود أوتاوا لتنويع أسواقها. وتشير بيانات الحكومة الكندية إلى أن صادرات البلاد إلى الولايات المتحدة تراجعت، في حين ارتفعت صادراتها إلى الأسواق غير الأمريكية بنسبة 11.1%، لتصل حصة تلك الأسواق إلى 32.8% من إجمالي الصادرات الكندية، وهي أعلى نسبة خلال أكثر من أربعة عقود.
كارني يتمسك بالسيادة
ويصر كارني على أن بلاده لن تقبل اتفاقًا يضعف سيادتها الاقتصادية أو يفرض عليها قيودًا بشأن علاقاتها التجارية مع دول أخرى. وقال إن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تتعامل بجدية واحترام قبل استئناف المفاوضات، مؤكدًا أن كندا ما زالت مستعدة لاتفاق يعود بالنفع على الطرفين، لكن ليس على حساب مصالحها الوطنية.
وتحولت الأزمة بذلك من خلاف تجاري محدود إلى مواجهة أوسع حول شكل العلاقات الاقتصادية بين الحلفاء، خصوصًا بعدما تضمنت المطالب الأمريكية قضايا تتجاوز الرسوم إلى قطاعات السيارات واللغة الفرنسية وبعض القواعد التجارية والتنظيمية الكندية.
أوروبا أمام مفترق طرق
وفي أوروبا، تزداد المخاوف من أن تصبح تجربة كندا مقدمة لموجة جديدة من النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها، في وقت تسعى فيه القارة إلى تعزيز قدرتها على حماية صناعاتها وأسواقها دون الانجرار إلى حرب تجارية شاملة.
وتبرز هنا أهمية العلاقة الأوروبية الكندية، إذ يمكن للتقارب بين بروكسل وأوتاوا أن يتحول إلى عنصر في استراتيجية أوسع لتنويع الشراكات التجارية وتقليل الاعتماد المفرط على سوق واحدة. وفي المقابل، فإن انتقال السلع التي تواجه رسومًا مرتفعة إلى أسواق أخرى قد يخلق ضغوطًا إضافية على المنتجين الأوروبيين، ويزيد المنافسة داخل السوق الموحدة.
وتشير دراسات اقتصادية إلى أن الخطر الأكبر على أوروبا لا يتمثل فقط في الرسوم المباشرة، وإنما في الموجة الثانية من الحمائية، عندما تبدأ الدول في فرض إجراءات إضافية لحماية أسواقها من تدفقات التجارة التي يعاد توجيهها نتيجة الرسوم الأمريكية. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف النظام التجاري العالمي وزيادة تكاليف الشركات والمستهلكين.
وبينما تحاول الأسواق استيعاب تداعيات المواجهة الأمريكية الكندية، تبدو أوروبا أمام اختبار جديد لقدرتها على الدفاع عن التجارة المفتوحة دون الدخول في مواجهة واسعة مع واشنطن. فاستمرار التصعيد قد لا يبقى محصورًا في أمريكا الشمالية، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد والأسعار والاستثمارات والنمو العالمي.
وبذلك، لا تبدو الرسوم الأمريكية الجديدة مجرد فصل آخر في الخلاف بين ترامب وكارني، بل حلقة جديدة في صراع أوسع حول مستقبل التجارة الدولية، ومدى قدرة الاقتصاد العالمي على تحمل جولة جديدة من الحمائية في وقت تتراكم فيه بالفعل الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية على الأسواق.