جمال عبد الناصر يكتب: سيمون "متفائلة".. رغم اللخبطة والشحططة

السبت، 05 سبتمبر 2026 09:00 م
جمال عبد الناصر يكتب: سيمون "متفائلة".. رغم اللخبطة والشحططة سيمون تطرح أغنية متفائلة

كتب : جمال عبد الناصر


سيمون ليست مجرد صوت مرّ على خريطة الغناء، بل أيقونة صنعت لنفسها طريقًا مختلفًا منذ اللحظة الأولى؛ فمع ظهورها جاءت بنبرة لا تشبه السائد، وكلمات تتمرد على المألوف، وألحان تعلق في الأذن وتبقى في الذاكرة، لتُحدث نقلة في شكل الأغنية وروحها، وتثبت أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى هوية فنية كاملة.

ومنذ ذلك الحين، ظلت سيمون وفية لتمردها الجميل؛ لا تستسلم لقالب، ولا تكرر تجربة، بل تنحاز دائمًا إلى التنوع والتجريب ومواكبة نبض كل زمن، ومن هذا المسار تأتي أغنيتها الجديدة " متفائلة "، لتؤكد أن التمرد عند سيمون ليس مجرد اختيار فني، بل رؤية للحياة أيضًا؛ فهذه المرة تتمرد على اليأس، وتواجه «اللخبطة والشحططة» بطاقة الحلم، وتمزج العربية بالإنجليزية، وتمنح كلمات هشام قباري وألحان وتوزيع خالد محمود روحًا عصرية نابضة، لتقول بصوتها الذي يعرف كيف يصل إلى الأذن والقلب معًا: ما زلت هنا.. وما زلت أحلم.. وما زلت متفائلة.

أهم ما يلفت في كلمات أغنية سيمون "متفائلة" أنها لا تبدأ من عالم مثالي أو من حياة خالية من الأزمات، وإنما تعترف أولًا بالفوضى التي تحاصر الإنسان، وبرغم كل اللخبطة والدربكة والشحططة، والظروف المحيطة اللي فرمتنا تحت المخرطة .. فالبداية هنا ذكية جدا، فهي لا تقدم لنا التفاؤل بوصفه تجاهلًا للواقع، بل بوصفه رد فعل عليه، والمفردات نفسها تحمل قدرًا من الخفة والطاقة الشعبية مع المفارقة في "فرمتنا تحت المخرطة".


نحن أمام إنسان معاصر يشعر أن الظروف تطحنه، لكن المفاجأة أن هذه القسوة لا تقود إلى الانكسار، وإنما إلى الجملة التي تصبح بمثابة بيان الأغنية: ( أنا لسه بردو متفائلة)، وكلمة «لسه» هنا شديدة الأهمية؛ لأنها تعني أن التفاؤل لم يكن غائبًا أصلًا، وإنما تعرض للاختبار، وكأن سيمون تقول: مررت بكل هذا، ورغم ذلك ما زلت هنا.

متجننتش ولسه عاقلة.. جملة من أكثر مناطق الأغنية طرافة وذكاءً؛ لأنها تقلب المعنى التقليدي للتفاؤل، فالشخص المتفائل هنا ليس ساذجًا ولا منفصلًا عن الواقع، بل هو إنسان يرى ما يحدث، ويدرك صعوبته، ومع ذلك يقرر ألا يتحول إلى شخص متشائم، وهنا تكتسب الأغنية بعدها النفسي؛ فالمعركة ليست فقط مع الظروف الخارجية، وإنما مع تأثير هذه الظروف على الروح.

سيمون متفائلة ..
سيمون متفائلة ..


الطموح هو الطاقة المضادة للإحباط، هذه قاعدة ربما نسمعها كثيرا من المتخصصين في التنمية البشرية لكن الاغنية هنا ترجمتها، والتعبير العامي «النيرڤ عالي» يمنح الجملة حيوية شبابية، ويجعلها أقرب إلى لغة الشارع والجيل الجديد، بعيدًا عن الخطاب الوعظي المباشر.

أحد أهم عناصر التجربة هو انتقال الأغنية من العربية إلى الإنجليزية، وهذا الانتقال لا يبدو دخيلًا على السياق، بل يأتي وكأنه امتداد طبيعي للحالة الإيقاعية والنفسية التي بنتها الأغنية بالعربية، فبعد أن تقول : أنا لسه بردو متفائلة ، تنتقل لتقول :  I’m alive .. I’m alright ، فهنا اللغة تتغير، لكن الرسالة لا تتغير.

اختيار سيمون لهذه الأغنية يبدو مناسبًا لطبيعة التجربة؛ لأنها تمتلك منذ بداياتها قدرة على تقديم الأغنية باعتبارها شخصية وحالة، وليس مجرد صوت يؤدي كلمات ولحنًا، وفي «متفائلة» تحتاج سيمون إلى قدر من الخفة والمرح والطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الإقناع؛ لأن الرسالة لو قُدمت باعتبارها شعارات فقط، لفقدت الأغنية جزءًا كبيرًا من تأثيرها، وهنا تأتي أهمية الأداء في الحفاظ على التوازن بين البساطة والبهجة من ناحية، والرسالة الإنسانية من ناحية أخرى.

أما اللحن والتوزيع لخالد محمود، فيبدوان جزءًا أساسيًا من نجاح الفكرة؛ فالأغنية لا تحاول أن تفرض على المستمع إيقاعًا بعيدًا عن ذائقته الحالية، وإنما تتحرك في مساحة موسيقية سريعة وحيوية، تتناسب مع طبيعة الكلمات نفسها، فاللغة المستخدمة في النص شبابية، وبالتالي كان من الضروري أن يكون الإيقاع قادرًا على حمل هذه الطاقة.

وهنا تظهر نقطة مهمة، وهي أن الأغنية العصرية ليست بالضرورة أغنية سطحية، ويمكن للأغنية أن تكون خفيفة، سريعة، قابلة للانتشار، وفي الوقت نفسه تحمل فكرة إنسانية واضحة، وأغنية " متفائلة " تنتمي إلى هذا النوع الذي يحاول الجمع بين سهولة التلقي ووضوح الرسالة.

الفنانة سيمون
الفنانة سيمون

ويأتي الميكس والماستر لمحمد حمدي طعيمة ليكملا الصورة النهائية للعمل، خصوصًا أن هذا النوع من الأغنيات يعتمد بدرجة كبيرة على وضوح الصوت والحفاظ على الطاقة الإيقاعية والتوازن بين العناصر الموسيقية والصوت الرئيسي، فالأغنية الشبابية تحتاج إلى صوت حاضر وموسيقى نابضة، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما يجعل مرحلة الميكس والماستر جزءًا من صناعة الحالة وليس مجرد مرحلة تقنية لاحقة.

نحتاج لمثل هذه الأغاني لأننا نعيش زمنًا مزدحمًا بالأخبار والضغوط والمخاوف والتغيرات السريعة، ولذلك لم يعد الجمهور يحتاج فقط إلى أغنية حزينة تعكس أزماته، وإنما يحتاج أحيانًا إلى أغنية تساعده على استعادة قدرته على الاستمرار، وهذا تحديدًا ما تحاول سيمون أن تفعله في " متفائلة"، فهي لا تقول إن الدنيا جميلة طوال الوقت، ولا تدعي أن المشكلات غير موجودة؛ بل تبدأ أصلًا من الاعتراف بـ ( اللخبطة والدربكة والشحططة) وكل ما تفعله الظروف بالإنسان، ثم تقول ببساطة : رغم كل ذلك.. أنا لسه متفائلة، وهذه الـ لسه ربما هي أجمل ما في الأغنية، لأنها تختصر فكرة الصمود كلها.

في هذه الأغنية أيضًا تواصل سيمون قدرتها على إعادة تقديم نفسها دون أن تفقد هويتها. فمزج العربية بالإنجليزية، والاقتراب من الإيقاع الشبابي، واستخدام مفردات من الحياة اليومية، كلها عناصر تجعل التجربة أقرب إلى جيل اعتاد الاستماع إلى الموسيقى في عالم مفتوح تتجاور فيه اللغات والثقافات، لكن الأهم أن سيمون لا تستخدم هذه العناصر لمجرد مواكبة الموضة؛ وإنما لتقديم رسالة تناسب اللحظة.

أغنية " متفائلة " في النهاية ليست أغنية عن التفاؤل فقط، بل أغنية عن القدرة على اختيار التفاؤل، وبين " أنا لسة بردو متفائلة " في بدايتها، و«It’s my time… This my life»  في نهايتها، ترسم الأغنية رحلة قصيرة لكنها واضحة : من إنسان طحنته الظروف إلى إنسان قرر أن يمسك بحلمه، يضيء نوره، يطير، يلمس النجوم، ويعلن أن الوقت وقته والحياة حياته.. وهنا تصبح الأغنية، ببساطتها وإيقاعها وحيويتها، حالة ورسالة في آن واحد.. حالة نحتاج أن نشعر بها.. ورسالة نحتاج أن نسمعها مهما كانت اللخبطة.. ما زال بإمكاننا أن نختار ألا نكون متشائمين.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة