يعيد فيلم "محمود الثاني" إحياء الثنائيات الكوميدية على شاشة السينما، لكن بخلطة معاصرة تخاطب لغة الشارع، وهي خطوة سينمائية جريئة تمنح فيها البطولة المطلقة لثنائي أثبت حضوره مؤخرا في الدراما، الفنان احمد غزي وكزبرة، اللذان حققا شعبية جماهيرية كبيرة، بعد أن تبنتها الشركة المتحدة ومنحتهم فرصة البطولة لأول مرة على شاشة التليفزيون في دراما رمضان.
الفيلم الذي يصنف ضمن لايت كوميدي حقق إيرادات جيدة في شباك التذاكر، يقدم سينما البطل "العادي" الذي لا يملك إجابات لكل شيء، فالكوميديا هنا لا تعتمد على خلق موقف مقصود لاثارة الضحك، بل على الافيهات السريعة ولغة الميمز التي تشبه المقاطع القصيرة على منصات التواصل وهي اللغة الأكثر قربا لجيل زد.
يعتمد العمل على الصدام الثقافي والاجتماعي بين شخصيتين من خلفيتين مختلفتين تماماً، حيث تحاول كلاهما التصرف وسط ظروف معقدة ومربكة، تتكيء الحبكة على قصة تقليدية حول تشابه الأسماء بين شابين يحملان نفس الاسم الثلاثي، أحدهما فقير من طبقة شعبية والاخر صاحب شركة كبرى، غير أن المفارقة تبدأ عندما يحاول الشريك الشرير استغلال محمود الثاني للاستيلاء على الشركة، وهنا يتكاتف محمود الأول مع نظيره الشعبي لإفشال المؤامرة واستعادة حقه.
لم يظهر "محمود الثري" كشخصية شريرة ، ولا "محمود الفقير" كرمز للمثالية المظلومة، بل قدم الفيلم نماذج إنسانية حقيقية لشباب تخطيء، وتطمع، و تلجأ للتحايل من أجل النجاة.
وتعتمد الحبكة علي معادلة تكامل الضدين، اذ يقدم أحمد غزي أداء سينمائي متزن يعتمد على التعبير الهادئ والانفعالات الداخلية، ينقل بملامحه ولغة جسده حالة الشاب الرصين المحاصر بالأزمات، بينما يعتمد كزبرة في المقابل على عفويته وحركته السريعة للوصول إلى الأداء الكوميدي المباشر.
تأخذنا ثنائية أحمد غزي وكزبرة ومعهم المخرج عبد العزيز النجار في تجربته السينمائية الأولى إلى طرح سؤال يتجاوز حدود الفيلم، هل نعيش اليوم لحظة فارقة تشبه انعطافة التسعينات؟ وهل نقف بالفعل على أعتاب مرحلة سينمائية جديدة؟.
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان بشكل كبير النقطة الفاصلة التي شهدتها السينما المصرية مع تجربة فيلم "إسماعيلية رايح جاي"، الذي كان نقلة للسينما المصرية إلى زمن جديد، بقيادة محمد هنيدي وأحمد السقا وكريم عبد العزيز ومنى ذكي، وجيل كامل عملوا معا، وخلقوا طفرة إنتاجية جديدة، متجاوزين حقبة الثمانينات التي سيطرت عليها بطولة النجم الواحد.
نحن على أعتاب حركة تقودها رؤية إنتاجية تراهن على وجوه شابة سواء في التليفزيون أو السينما، قد تكون مؤشر حقيقي على تحول هيكلي في الصناعة، وبداية موجة فنية جديدة، فالمغامرة الإنتاجية لا تتوقف على مجرد تقديم أسماء جديدة، بل على تغيير ذائقة الجمهور ومواكبة إيقاع العصر، فكما كان هنيدي والسقا يعبران عن شباب التسعينات بلغتهم وأحلامهم، يقدم غزي وكزبرة وغيرهم، نموذج لجيل يمتلك مفرداته وإيقاعه و رؤيته المعاصرة لمفهوم الدراما.