تواجه أوروبا اختبارًا دفاعيًا مزدوجًا يكشف حجم التحولات التي طرأت على أمن القارة خلال 2026؛ فمن جهة، أدت الحرب الأمريكية مع إيران إلى استنزاف كبير في مخزونات صواريخ الاعتراض، وعلى رأسها صواريخ «باتريوت» الموجودة ضمن منظومة الدفاع الغربية في أوروبا، ما أثار مخاوف داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» من قدرة القارة على التصدي لهجوم روسي محتمل.
ومن جهة أخرى، تدفع المخاوف المتزايدة من التهديدات الروسية في البحر، بما يشمل استهداف الكابلات وخطوط الطاقة والبنية التحتية الحيوية، أوروبا إلى تسريع إعادة بناء قوتها البحرية.
وبحسب مسؤولين، وصلت مخزونات صواريخ باتريوت المتقدمة في أوروبا إلى مستويات وصفها مسؤولون عسكريون بأنها «أقل من الحرجة»، بعدما تسببت الحرب مع إيران في تسارع استهلاك صواريخ الاعتراض ونقل كميات منها إلى الشرق الأوسط إلى جانب الإمدادات التي سبق توجيهها إلى أوكرانيا، وتقول المصادر إن النقص الأكثر إلحاحًا يتركز في صواريخ باتريوت القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية عالية السرعة.
وتكمن خطورة الأزمة في أن أوروبا لا تستطيع سد هذه الفجوة بسرعة، فباتريوت ليس مجرد منظومة دفاع جوي أخرى، بل أحد أهم الأنظمة الغربية القادرة على التعامل مع الصواريخ الباليستية المتقدمة، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد استخدام روسيا للصواريخ والطائرات المسيرة، تصبح أي فجوة في صواريخ الاعتراض مسألة تتجاوز الجاهزية العسكرية إلى حماية القواعد والمنشآت الحيوية والمدن.
وتحاول أوروبا تقليل اعتمادها على السلاح الأمريكي عبر تطوير منظوماتها الخاصة.
ومن أبرز البدائل نظام SAMP/T NG الفرنسي الإيطالي، الذي يُنظر إليه باعتباره جزءًا من بنية دفاع جوي أوروبية أكثر استقلالًا، لكن قدراته ليست نسخة مطابقة من باتريوت، كما أن الخبرة القتالية للمنظومة الأوروبية لا تزال أكثر محدودية، كما تحاول ألمانيا ودول أوروبية أخرى زيادة إنتاج صواريخ الاعتراض، لكن ارتفاع الطلب وسلاسل الإمداد المحدودة يعنيان أن سد الفجوة لن يكون سريعًا.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: أوروبا ترفع إنفاقها الدفاعي بسرعة غير مسبوقة، لكنها لا تزال تواجه نقصًا في بعض أكثر القدرات حساسية، فقد بلغت نفقات دفاع دول الاتحاد الأوروبي 418 مليار يورو في 2025، بزيادة 20% عن 2024، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 454 مليار يورو في 2026، بما يعادل نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يُتوقع أن يصل الإنفاق الاستثماري الدفاعي في 2026 إلى نحو 163 مليار يورو.
لكن سباق إعادة التسلح الأوروبي لا يقتصر على الصواريخ، فالبحر أصبح ساحة رئيسية في الحسابات الأمنية الجديدة، بعدما لم تعد التهديدات الروسية المحتملة تعني فقط السفن الحربية والغواصات، وإنما أيضًا البنية التحتية الموجودة تحت الماء، وفي مقدمتها الكابلات البحرية وخطوط الطاقة.
وتوضح بيانات الاتحاد الأوروبي، أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا تهيمن على الصناعة الدفاعية البحرية الأوروبية؛ إذ تمثل الدول الأربع معًا نحو 87% من قاعدة الإنتاج الصناعي للدفاع البحري في الاتحاد خلال الفترة 2016-2025، كما استحوذت على نحو 82% من قيمة الإنتاج في 2025، وسجلت فرنسا وحدها 37% من إنتاج مركبات الدفاع البحري، مقابل 19% لكل من ألمانيا وإيطاليا، و8% لإسبانيا.
وتشكل الغواصات نحو 27% من إنتاج الدفاع البحري للاتحاد، ويعكس هذا التحول إدراكًا أوروبيًا بأن حماية القارة لم تعد تبدأ وتنتهي عند الحدود البرية، فالكابلات البحرية تحمل 99% من حركة الإنترنت العابرة للقارات، ما يجعل أي تخريب لها قضية أمن قومي واقتصادي، وليس مجرد حادث بحري، ولهذا خصصت المفوضية الأوروبية في فبراير 2026 نحو 347 مليون يورو لمشروعات استراتيجية مرتبطة بأمن الكابلات البحرية، بينها 20 مليون يورو لتعزيز قدرات إصلاحها بسرعة.
كما أطلق الناتو منذ يناير 2025 مهمة Baltic Sentry لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق، باستخدام فرقاطات وطائرات دورية بحرية وطائرات مسيرة بحرية، مع دمج أنظمة المراقبة الوطنية لرصد أي تهديدات للبنية التحتية الموجودة تحت الماء.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية أكبر في ظل اعتماد أوروبا الواسع على البحار في التجارة والطاقة والاتصالات، وبحسب بيانات أوروبية حديثة، يمر نحو 90% من تجارة الاتحاد وإمداداته من الطاقة وحركة بيانات الإنترنت عبر المجال البحري، ما يجعل الموانئ وخطوط الأنابيب والكابلات أهدافًا محتملة في أي صراع هجين.
وبالتالي، فإن أزمة باتريوت والسباق البحري ليسا ملفين منفصلين، بل وجهان لمشكلة واحدة: أوروبا تريد أن تصبح أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، لكنها تكتشف أن بناء الاستقلال العسكري لا يتعلق فقط بزيادة الميزانيات، وإنما بامتلاك مخزونات كافية، وسلاسل إنتاج مستقلة، وقدرات اعتراض متقدمة، وقوة بحرية قادرة على حماية البنية التحتية الحيوية.
والضغط الأمريكي على الحلفاء الأوروبيين لتحمل عبء أكبر من الدفاع يزيد هذا الاتجاه إلحاحًا، فواشنطن نفسها تواجه مراجعة لدورها العسكري في أوروبا، فيما يطالب مسؤولون أمريكيون الحلفاء بتسريع شراء منظومات كانت الولايات المتحدة تؤمن جزءًا كبيرًا منها تقليديًا.
وهكذا تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة: حرب في الشرق الأوسط استنزفت جزءًا من مظلة الدفاع الصاروخي الغربية، وروسيا تواصل تطوير قدراتها الصاروخية والحرب الهجينة، والبحار تحولت إلى خط دفاع جديد لحماية الاقتصاد والبنية التحتية.