شاشة مضيئة، كاميرا مفتوحة، ميكروفون أمام المتحدث، وعناوين ضخمة عن مستقبل مصر، هكذا تبدو "الحكومة الافتراضية" التي يحاول الهاربين في الخارج تقديمها من وراء الشاشات، حيث تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة لإطلاق الوعود ورسم الخطط وتوزيع الأدوار من دون أن يكون لهذه الشعارات طريق واضح إلى أرض الواقع.
المشهد لا يحتاج إلى مقر حكومي أو اجتماعات رسمية أو أدوات تنفيذ، فكل ما يحتاجه بث مباشر ومساحة على يوتيوب، ليظهر الهارب وكأنه يقف على منصة قرار يتحدث عن الاقتصاد والسياسة والإدارة وكأنه يملك مفاتيح دولة كاملة بينما تبقى التفاصيل الأصعب معلقة خارج الكاميرا: من ينفذ؟ وبأي أدوات؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج؟.
من كرسي الحكم إلى كرسي المذيع
المفارقة الأكبر تظهر عندما يتحدث بعض أصحاب هذه الخطابات عن الدولة بعد تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في الحكم، وكأن السنوات التي قضوها داخل مؤسسات الدولة لم تترك وراءها أي أسئلة عن الأداء والقرارات والصدامات السياسية.
فالجماعة الإرهابية وصلت إلى السلطة في 2012، وتولى محمد مرسي رئاسة الجمهورية، وشهدت تلك الفترة أزمات وصدامات سياسية حادة انتهت بخروج ملايين المصريين في 30 يونيو 2013، للإطاحة بالجماعة الإرهابية من السلطة، وبعد سنوات من مغادرة المشهد السياسي الداخلي، انتقل عدد من الشخصيات إلى منصات إعلامية في الخارج، لتبدأ مرحلة جديدة من الخطاب المعتمد على الظهور عبر القنوات والمنصات الرقمية التابعة للجماعات الإرهابية.
الشعارات جاهزة.. أما التفاصيل فغائبة
في حكومة اليوتيوب تبدو كل الملفات سهلة في الكلام، الاقتصاد له وصفة جاهزة، والسياسة لها تصور سريع، والإدارة لها حلول مختصرة، بينما تختفي الملفات التي تكشف صعوبة الانتقال من الكلام إلى القرار فإدارة دولة لا تقوم على مقطع فيديو أو بث مباشر، ولا تتحول الشعارات إلى سياسات بمجرد تكرارها أمام الكاميرا لأن أي برنامج حقيقي يحتاج إلى مؤسسات تعمل على الأرض، وموارد، وتشريعات، وأجهزة تنفيذ، وقدرة على التعامل مع أزمات متشابكة لا يمكن اختصارها في جملة أو عنوان مثير، وإذا كان إدارة الدولة بهذه السهولة فلماذا لم نشاهد خبراتهم في فترة الحكم؟، الجماعة الإرهابية كانت تحاول السيطرة على مفاصل الدولة وأخونة المؤسسات وزرعت قيادات تابعة لها في أغلب الأماكن القيادية ورغم كل ذلك إلا أن الفشل حاوطهم من كافة الإتجاهات فلا نجحوا في ملف إقتصادي أو سياسي أو حتى ملف إدارتهم لشؤونهم الداخلية لنستطيع القول بأن الإخوان فشلوا بجدارة ولعل أكبر دليل على ذلك هو الصدام المتواصل بينهم وبين مؤسسات الدولة الوطنية وعدم إحتواء الغضب الشعبي إلى أن وصل الأمر للإطاحة بهم والقضاء على الإرهاب الذي نشروه في البلاد بعد الإطاحة بهم لتسترد الدولة المصرية إستقرارها وأمنها ومكانتها من جديد.
حكومة على اليوتيوب
الحديث عن إدارة الدولة من الخارج يجب أن يرفقه تساؤل حول البرنامج التنفيذي، فالحديث عن إصلاح الاقتصاد يختلف عن تحديد مصادر التمويل، والحديث عن تحسين الخدمات يختلف عن تحديد الموارد، والحديث عن إعادة ترتيب المؤسسات يختلف عن معرفة طبيعة اختصاصاتها وتشابكاتها القانونية.
أما إطلاق الوعود من خلف الشاشة فلا يفرض التزاما على صاحبها، لأنه لا يقف أمام برلمان لمناقشة برنامجه، ولا أمام جهاز رقابي لمراجعة قراراته، ولا أمام مواطن ينتظر نتيجة ملموسة لما قيل، وهكذا تصبح السياسة لدى الهاربون للخارج "كلمات كبيرة وعناوين أكبر ومشروعات معلقة في الهواء"، فالمشكلة أن الهاربين يريدون اختصار المسافة بين الميكروفون والقرار، وبين الشعار والتنفيذ، وبين الظهور السياسي والقدرة على إدارة دولة وكأن سنوات التجربة لا تعني شيئا، وكأن المصريين لا يملكون ذاكرة تضع كل خطاب جديد أمام ما جرى عندما كانت السلطة في أيدي أصحاب هذه الشعارات البراقة الفارغة من فحواها.