أعادت أزمة مضيق هرمز رسم خريطة الطاقة العالمية، بعدما دفعت اضطرابات حركة الناقلات في أحد أهم ممرات النفط في العالم الدول المستوردة إلى البحث عن مصادر بديلة للإمدادات، لتبرز أمريكا اللاتينية كأحد المستفيدين المحتملين من التحول الجاري في تجارة الطاقة.
ومع استمرار الاضطرابات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وتراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة عبور رئيسية لتجارة النفط والغاز، تتجه أنظار الأسواق إلى المنتجين الواقعين خارج منطقة الخليج، وفي مقدمتهم البرازيل وجيانا والأرجنتين، وتشير تحليلات الطاقة إلى أن المنطقة كانت أصلًا مرشحة لتكون مصدرًا رئيسيًا لنمو إمدادات النفط من خارج منظمة أوبك خلال 2026، قبل أن تمنح أزمة هرمز هذا الدور أهمية إضافية.
هرمز يدفع المستوردين للبحث عن بدائل
يمر العالم بمرحلة تتزايد فيها المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة، بعدما تراجعت حركة السفن في مضيق هرمز بصورة حادة. ووفق بيانات حديثة، لم تتجاوز حركة سفن السلع عبر المضيق خلال إحدى عطلات نهاية الأسبوع 17 سفينة، مقارنة بـ37 في الأسبوع السابق، وبمتوسط كان يصل إلى نحو 125 سفينة يوميًا قبل الحرب.
ولا تقتصر المشكلة على النفط الخام، إذ طالت الاضطرابات سوق الغاز الطبيعي المسال أيضًا، بعدما تعرضت منشآت قطرية لأضرار أثرت في جزء من طاقتها التصديرية، ما دفع المشترين إلى تنويع مصادر الإمداد والبحث عن موردين من مناطق بعيدة عن الخليج.
في هذا السياق، تبرز أمريكا اللاتينية باعتبارها منطقة تمتلك احتياطيات وإمكانات إنتاج متنامية، فضلًا عن موقع جغرافي يمنح بعض منتجيها إمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية عبر المحيط الأطلسي.
البرازيل في قلب التحول
تأتي البرازيل في مقدمة الدول التي يمكن أن تستفيد من الطلب المتزايد على النفط القادم من خارج منطقة الخليج. وتملك البلاد إنتاجًا متناميًا من حقول المياه العميقة، خصوصًا منطقة ما قبل الملح «بري-سال»، التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في صناعة الطاقة البرازيلية.
وتشير بيانات مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا إلى أن أمريكا اللاتينية تمثل نحو 10% من إنتاج النفط العالمي، وكانت مرشحة قبل اندلاع الحرب لإضافة نحو 700 ألف إلى 800 ألف برميل يوميًا من الإنتاج الجديد خلال 2026، يأتي الجزء الأكبر منه من البرازيل وجيانا والأرجنتين.
وتتوقع الحكومة البرازيلية أن يقترب إنتاج البلاد من 5 ملايين برميل يوميًا بحلول 2030، وهو ما يعكس حجم التحول الذي تشهده صناعة النفط البرازيلية وقدرتها على لعب دور أكبر في أسواق الطاقة العالمية.
جيانا.. لاعب صاعد في سوق النفط
أما جيانا، فتبرز كواحدة من أسرع قصص نمو إنتاج النفط في العالم، بفضل الاكتشافات الكبيرة في حقل ستابروك البحري.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج جيانا قد يصل إلى نحو 1.7 مليون برميل يوميًا بحلول 2030، أي ما يقرب من ضعف مستوياته الحالية. كما تتواصل عمليات تطوير مشروعات إنتاج جديدة، ما يزيد قدرة الدولة الصغيرة على دخول أسواق النفط العالمية في وقت تبحث فيه الدول المستوردة عن مصادر بديلة.
وفي سبتمبر، أشارت بيانات قطاعية إلى أن شحنات النفط من حقل ستابروك في جيانا قد تصل خلال العام إلى 84 شحنة، بواقع مليون برميل للشحنة الواحدة، أي أكثر من ضعف التقديرات التي وضعت في بداية العام.
الأرجنتين تدخل المنافسة من بوابة فاكا مويرتا
ولا تقتصر التحولات على البرازيل وجيانا، إذ تتجه الأنظار أيضًا إلى الأرجنتين، التي تراهن على تطوير حقل «فاكا مويرتا» للنفط والغاز الصخري.
وتشير تقديرات حديثة إلى إمكانية تجاوز إنتاج النفط الأرجنتيني مليون برميل يوميًا بنهاية 2026، مع استمرار الاستثمارات في البنية التحتية اللازمة لنقل الخام والغاز إلى الأسواق. كما يجري العمل على توسعة شبكات نقل الغاز والنفط، بما يسمح بتحويل موارد «فاكا مويرتا» إلى مصدر أكبر للإمدادات الإقليمية والعالمية.
أزمة هرمز لا تعني مكاسب للجميع
لكن صعود أهمية أمريكا اللاتينية في سوق الطاقة لا يعني أن المنطقة بأكملها تستفيد من ارتفاع أسعار النفط. فهناك فارق كبير بين الدول المصدرة للطاقة والدول التي تعتمد على استيراد الوقود.
وحذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي من أن تداعيات أزمة إيران وإغلاق مضيق هرمز تنتقل إلى اقتصادات المنطقة عبر عدة قنوات، بينها أسعار الطاقة والتجارة والمالية والتضخم. وفي حين يمكن للدول المصدرة للنفط الاستفادة من ارتفاع الأسعار، تواجه الدول المستوردة زيادة في فاتورة الطاقة.
وتبدو الصورة واضحة في دول مثل تشيلي وبيرو وعدد من دول أمريكا الوسطى والكاريبي، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود، ما يجعلها أكثر تعرضًا لارتفاع الأسعار العالمية. وفي المقابل، تمنح الأسعار المرتفعة منتجي النفط في البرازيل وجيانا والأرجنتين فرصة لزيادة الإيرادات والاستثمارات.
وهكذا، لا تقتصر تداعيات أزمة هرمز على الشرق الأوسط أو أوروبا وآسيا، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية. فكلما طال اضطراب الإمدادات عبر الخليج، ازدادت أهمية مصادر النفط والغاز البعيدة عن مناطق الصراع، لتجد أمريكا اللاتينية نفسها في موقع أكثر أهمية داخل معادلة أمن الطاقة العالمي، ليس باعتبارها بديلًا فوريًا لكل إمدادات الخليج، وإنما كمصدر متنامٍ يمكن أن يساعد في تنويع الإمدادات وتقليل الاعتماد على ممرات الطاقة الأكثر عرضة للأزمات.