الوطن عند جماعة الإخوان الإرهابية ليس هو الأرض التي عاش عليها المصريون، ولا الدولة التي حمتهم، ولا المؤسسات التي أقيمت من أموال الشعب، ولا المواطن الذي تحمل سنوات من أجل بناء مستقبله، فكل هذه المعاني تتراجع عندما تصطدم بمصلحة التنظيم، وتصبح الأولوية للمشروع الخاص بالجماعة وقدرته على البقاء والتمدد واستعادة النفوذ، حتى لو كانت فاتورة هذا الصراع مزيدا من الفوضى والاضطراب والخسائر التي يدفعها المواطن المصري من أمنه ورزقه واستقرار حياته.
هذه ليست مجرد قراءة في خطاب سياسي، وإنما خلاصة تكشفها ممارسات الجماعة الإرهابية في مصر، خاصة بعد سقوط حكمها، عندما انتقل الصراع من محاولة السيطرة على مؤسسات الدولة إلى الضغط عليها وإرباكها واستنزافها، وظهرت أعمال عنف وتخريب طالت منشآت وممتلكات وخدمات، لتكشف النتيجة الفارقة بين من يرى الدولة وطنا يجب حمايته مهما كانت الخلافات، ومن يرى الدولة مساحة للصراع لا تستحق الحماية إذا لم تكن تحت سيطرته.
حين يصبح التنظيم أهم من الوطن
الدولة الوطنية تقوم على قاعدة لا تحتاج إلى تفسير، فالسلطة تتغير والحكومات تتعاقب والأحزاب تخسر وتنتصر، لكن الدولة تبقى لأنها الإطار الذي يحمي المجتمع ويجمع أبناءه تحت مظلة واحدة، بينما التنظيم الذي يضع مشروعه فوق الدولة ينظر إلى السلطة باعتبارها وسيلة لتحقيق أهدافه، وإلى مؤسسات الدولة باعتبارها مواقع يجب الوصول إليها والسيطرة عليها، وعندما يفقد هذه السيطرة تتحول العلاقة من محاولة التمكين إلى محاولة الإرباك.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في تجربة الإخوان، لأن الخلاف لم يتوقف عند حدود رفض سياسي أو معارضة لقرارات الدولة، وإنما اتسع في بعض مراحل ما بعد سقوط الجماعة إلى أعمال عنف استهدفت الدولة ومقدراتها، وهو ما يعني أن مصلحة الوطن لم تكن هي المعيار الحاكم، وإلا لما تحولت منشآت تخدم ملايين المصريين إلى ساحات للصراع.
من التمكين إلى الانتقام
حين وصلت الجماعة إلى السلطة، كان مشروعها يقوم على تثبيت النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وعندما خرجت من السلطة لم تختف الرغبة في استعادة السيطرة، لكن أدوات المواجهة تغيرت، فتحولت المعركة إلى محاولة إبقاء الدولة في حالة اضطراب وإظهارها عاجزة عن فرض الاستقرار، بينما كانت النتيجة أن المواطن نفسه أصبح في مرمى آثار هذا الصراع.
فالذي يعطل طريقا لا يعطل وصول مسؤول فقط، وإنما يعطل وصول عامل إلى عمله وطالب إلى جامعته وصاحب بضاعة إلى متجره، والذي يستهدف منشأة عامة لا يعاقب حكومة فقط، وإنما يضرب خدمة يعتمد عليها المواطن، والذي يحرق ممتلكات لا ينتقم من خصم سياسي فقط، وإنما يهدم مصدر رزق أسرة قد تكون بعيدة تماما عن أي صراع.
الأرض المحروقة.. عندما يصبح الخراب مكسبا
هنا تظهر سياسة الأرض المحروقة بأوضح صورها، لأن منطقها لا يقوم على بناء بديل وإنما على ترك أكبر قدر ممكن من الخسائر خلفه، وكأن الرسالة هي أن عدم القدرة على استعادة السلطة يبرر دفع الدولة والمجتمع إلى أكبر مساحة ممكنة من الفوضى.
وحين تمتد أعمال العنف إلى المنشآت والممتلكات والخدمات، فإنها لا تضرب الحجر وحده، وإنما تضرب ما وراء الحجر، فمحطة الكهرباء تعني بيوتا ومصانع ومحال، ومحطة المياه تعني أسرا ومستشفيات ومنشآت، والطريق يعني حركة اقتصاد كاملة، والممتلكات الخاصة تعني سنوات من العمل والادخار، ولذلك فإن استهدافها لا يمكن اختزاله في قيمة الخسارة المادية، لأن الضرر الحقيقي هو محاولة ضرب قدرة المجتمع على الاستمرار في حياته الطبيعية.
النار لا تعرف مؤيدا من معارض
الأرض المحروقة لا تميز بين من يؤيد الجماعة الإرهابية ومن يرفضها، ولا تسأل من يمر في الطريق عن موقفه السياسي، ولا تعرف صاحب المتجر الذي يرفع موقفا مؤيدا أو معارضا، ولا تفرق بين بيت ينتمي صاحبه إلى هذا الاتجاه أو ذاك، لأن النار عندما تبدأ لا تعرف سوى ما يمكن أن تلتهمه.
وهذه هي المفارقة التي تسقط معها كل الشعارات، فمن يدعي الدفاع عن الشعب لا يمكن أن يكون المواطن هو أول من يدفع ثمن تحركه، ومن يتحدث عن مصلحة مصر لا يمكن أن يرى في إضعاف مؤسساتها وسيلة لتحقيق مكسب سياسي، ومن يرفع شعارات دينية لا يمكن أن يجعل خراب المجتمع ثمنا مقبولا من أجل مشروع تنظيمي.
المواطن هو الهدف الذي لا يظهر في الصورة
وراء كل منشأة متضررة قصة إنسان، ووراء كل محل تعرض للتخريب أسرة، ووراء كل طريق تعطل عامل وموظف وطالب، ووراء كل خدمة تأثرت ملايين التفاصيل اليومية التي لا تظهر في بيانات الخسائر.
وهنا يجب أن يكون المواطن هو معيار الحكم على أي خطاب سياسي، لأن الجماعة الإرهابية التي تقول إنها تتحرك من أجل الشعب يجب أن تسأل نفسها أولا ماذا تركت وراءها للشعب، وهل أصبح المواطن أكثر أمنا واستقرارا أم وجد نفسه يدفع ثمن صراع على السلطة لا علاقة له به.
الوطن لا يكون ورقة ضغط
أخطر ما تكشفه سياسة الأرض المحروقة أنها تجعل الوطن نفسه جزءا من معادلة الضغط، فإذا لم تتحقق أهداف التنظيم يصبح تعطيل الدولة وسيلة، وإذا لم تعد الجماعة إلى السلطة يصبح إرباك المشهد غاية، وإذا استقرت الدولة يصبح الاستقرار في حد ذاته مشكلة لأنه يغلق المساحات التي يمكن استغلالها لإعادة إنتاج الفوضى.
وهنا يظهر الفارق بين الانتماء للوطن والانتماء للتنظيم، فالمنتمي للوطن قد يخسر الانتخابات ويقبل النتيجة، وقد يفقد السلطة ويواصل العمل السياسي، وقد يختلف مع الحكومة لكنه يحافظ على الدولة، أما من يضع التنظيم فوق الوطن فقد يرى أن خسارته السياسية تبرر تحميل الوطن نفسه فاتورة الخسارة.
الدولة تبقى والتنظيم يرحل
مصر أكبر من أي جماعة وأبقى من أي تنظيم وأوسع من أي خلاف سياسي، وهذه الحقيقة هي التي لم تستطع جماعة الإخوان الإرهابية استيعابها، فالدولة لا تسقط بسقوط حكومة، ولا تنتهي بخسارة جماعة للسلطة، ولا تصبح ممتلكاتها مباحة لأن طرفا سياسيا فقد موقعه.
الدولة تبقى لأن الوطن لا يخص جماعة واحدة، وإنما يخص ملايين المصريين الذين يريدون أن يعيشوا ويعملوا ويتعلموا ويبنوا مستقبل أبنائهم بعيدا عن صراعات التنظيمات.