دخلت علاقة الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية مرحلة جديدة شديدة الحساسية، بعدما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق نفطي ضخم مع فنزويلا، وصفه بأنه «أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»، في خطوة لا تبدو اقتصادية فقط، بل تحمل أبعادًا استراتيجية وسياسية قد تعيد تشكيل ميزان القوى في القارة خلال السنوات المقبلة.
الاتفاق، الذي أُعلن عنه في 28 أغسطس، يمنح الولايات المتحدة وصولًا واسعًا إلى احتياطيات النفط الفنزويلية، التي تتجاوز 300 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، وهي الأكبر عالميًا. ووفق التفاصيل التي أعلنتها السلطات الفنزويلية، يستهدف الاتفاق إعادة تشغيل 17 حقلًا نفطيًا وتطوير ثمانية مربعات جديدة، مع رفع الإنتاج إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، بينما يمتد الاتفاق لمدة 25 عامًا.
وتقول إدارة ترامب إن الصفقة ستساعد على إعادة بناء قطاع الطاقة الفنزويلي، وجذب استثمارات ضخمة، وزيادة إمدادات النفط، وربما خفض أسعار الوقود بالنسبة إلى الأمريكيين. أما في كاراكاس، فتؤكد الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز أن فنزويلا ستحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها، مع توقعات بإيرادات كبيرة للخزانة الفنزويلية.
لكن الاتفاق أثار في المقابل انتقادات حادة داخل فنزويلا، من المعارضة وأنصار التيار التشافي على حد سواء، إذ يخشى منتقدون من أن تتحول الصفقة إلى وسيلة تمنح واشنطن نفوذًا طويل الأمد على أهم مورد استراتيجي في البلاد. كما تظل تفاصيل هيكل الاتفاق، والشركات المشاركة، وطريقة ممارسة الولايات المتحدة نفوذها على الإنتاج، محل تساؤلات سياسية وقانونية.
النفط في قلب استراتيجية ترامب
ولا يمكن فصل الصفقة عن التحول الأوسع في سياسة ترامب تجاه أمريكا اللاتينية. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأمريكي المنطقة إلى مقدمة أولويات السياسة الخارجية، مستخدمًا مزيجًا من الضغط الاقتصادي والتهديدات الأمنية والاتفاقات التجارية والطاقة.
وكانت واشنطن قد بدأت بالفعل خلال العام الحالي تخفيف بعض العقوبات المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي، والسماح لشركات أمريكية وأجنبية بإجراء معاملات مرتبطة بالنفط والغاز، في محاولة لزيادة المعروض العالمي من الخام.
لكن التحول الأكبر جاء مع الانتقال من سياسة العقوبات والضغط إلى سياسة الاستثمار والسيطرة على الموارد، وهو ما يفتح الباب أمام نموذج جديد في العلاقة بين واشنطن وكاراكاس.
وبالنسبة إلى ترامب، لا يتعلق النفط بالسوق الأمريكية فقط، وإنما بمنافسة القوى الأخرى داخل نصف الكرة الغربي، وعلى رأسها الصين. فقد أصبحت بكين شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا لعدد من دول أمريكا اللاتينية، واستثمرت خلال السنوات الماضية في البنية التحتية والطاقة والموانئ والتجارة، الأمر الذي تعتبره واشنطن تحديًا مباشرًا لنفوذها التقليدي في المنطقة.
المكسيك والبرازيل وكولومبيا.. الاختبار الأصعب
وتراقب المكسيك والبرازيل وكولومبيا التحركات الأمريكية عن كثب، خصوصًا أن هذه الدول تمثل أكبر القوى السياسية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية، لكنها لا تتعامل جميعًا مع إدارة ترامب بالطريقة نفسها.
المكسيك تواجه ملفات شديدة الحساسية مع واشنطن، أبرزها التجارة والهجرة وأمن الحدود ومكافحة المخدرات. وفي المقابل، تحاول الحفاظ على مساحة للمناورة السياسية والاقتصادية وعدم الدخول في مواجهة مفتوحة مع أكبر شريك تجاري لها.
أما البرازيل، بقيادة الرئيس لولا دا سيلفا، فتميل إلى الحفاظ على سياسة خارجية أكثر استقلالًا، وترفض أن تتحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة نفوذ أمريكي أحادي. وتمثل علاقاتها الاقتصادية مع الصين عنصرًا مهمًا في هذه المعادلة.
وفي كولومبيا، تزداد حساسية العلاقة مع واشنطن بسبب ملفات المخدرات والهجرة والأمن الإقليمي، إلى جانب التوترات السياسية المرتبطة برؤية ترامب لاستخدام القوة والضغط في مكافحة عصابات المخدرات في المنطقة.
درع الأمريكتين.. الأمن إلى جانب النفط
وتأتي هذه التطورات بالتوازي مع محاولة ترامب بناء تحالف أمني جديد في أمريكا اللاتينية تحت مظلة «درع الأمريكتين»، الذي ركز على مكافحة عصابات المخدرات والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية وغسل الأموال، إضافة إلى مواجهة ما تعتبره واشنطن نفوذًا أجنبيًا متزايدًا، خصوصًا من الصين.
وهنا تتضح الصورة الأكبر: واشنطن لا تتحرك في المنطقة من بوابة النفط وحدها، وإنما من خلال ثلاثة محاور مترابطة؛ الطاقة، والأمن، والنفوذ الجيوسياسي.
ومن هذا المنظور، تمثل فنزويلا نقطة ارتكاز استراتيجية؛ فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، وتقع في منطقة قريبة من الولايات المتحدة، بينما كانت الصين وروسيا وإيران قد بنت علاقات قوية مع كاراكاس خلال السنوات الماضية.
هل تعود «عقيدة مونرو»؟
يرى محللون أن تحركات ترامب تعكس عودة واضحة إلى منطق «عقيدة مونرو»، ولكن بصيغة جديدة تستهدف قبل كل شيء منع الصين من توسيع نفوذها في نصف الكرة الغربي. وتشير دراسات حديثة إلى أن استراتيجية ترامب في المنطقة تقوم على إعادة تأكيد الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرئيسية في الأمريكتين.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر أيضًا؛ فالدول اللاتينية أصبحت أكثر تنوعًا في شراكاتها الدولية، ولم تعد تعتمد على واشنطن وحدها، بينما يمكن للصين أن تقدم بدائل تجارية واستثمارية، وهو ما يمنح حكومات المنطقة مساحة أكبر للمناورة.
وفي النهاية، قد يكون اتفاق النفط مع فنزويلا أكثر من صفقة طاقة؛ فهو اختبار حقيقي لقدرة ترامب على تحويل القوة الاقتصادية الأمريكية إلى نفوذ سياسي دائم في أمريكا اللاتينية. وإذا نجحت واشنطن في إعادة تشغيل صناعة النفط الفنزويلية مع الحفاظ على نفوذها الأمني والاقتصادي، فقد تبدأ مرحلة جديدة في القارة عنوانها: النفط أولًا.. ثم النفوذ.