لم تعد العلاقات المصرية الصينية تقف عند حدود التبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي التقليدي، وإنما اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل مجالات استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والبحث العلمي والتكنولوجيا الزراعية، في ظل تحديات متزايدة تفرضها التغيرات المناخية وندرة المياه وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.
وتأتي مصر في مقدمة الدول التي تسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية معها، مستفيدة من عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وما يجمع الشعبين من قيم ومبادئ أسهمت على مدار سنوات في ترسيخ الثقة والاحترام المتبادل.
وتستند الطفرة التي تشهدها العلاقات المصرية الصينية إلى إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون والتنمية والسلام، فيما يمثل القطاع الزراعي أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تتحول فيها هذه الشراكة إلى تعاون تطبيقي يخدم احتياجات مصر ويمتد أثره إلى المنطقة العربية والقارة الإفريقية.
من تبادل الخبرات إلى مشروعات بحثية مشتركة
ويشهد التعاون الزراعي بين مصر والصين، بحسب الدكتور مصطفى عطية، المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية، طفرة استراتيجية غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن التعاون يمثل خطوة استراتيجية لدعم جهود الدولة المصرية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، من خلال دمج التقنيات الذكية ومواجهة التغيرات المناخية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تفتح الباب أمام توسيع مجالات التعاون المصري الصيني، والانتقال من الزيارات وتبادل الخبرات إلى مشروعات بحثية وتطبيقية مشتركة في مجالات الزراعة الذكية والابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات.
ويأتي ذلك في إطار توجه لتجديد خطة العمل التنفيذية للتعاون الزراعي المشترك، الموقعة في الأصل عام 2023، وترقيتها إلى مستوى استراتيجي يخدم مصر والمنطقة العربية وإفريقيا.
كما شهد التعاون توقيع نحو 4 مذكرات تفاهم علمية وبحثية تركز على تقنيات الزراعة الحديثة والأمن الغذائي وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.
التكنولوجيا في مواجهة تحديات المياه والمناخ
يمثل تطوير التكنولوجيا الزراعية أحد أهم محاور التعاون بين الجانبين، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمياه والتغيرات المناخية.
ويشمل التعاون بين مركز البحوث الزراعية المصري والمعاهد الصينية، ومن بينها معهد شمال شرق الصين للجغرافيا والبيئة الزراعية، العمل على تطوير أصناف من المحاصيل الاستراتيجية تتحمل الجفاف والملوحة، ومن بينها الأرز الهجين وفول الصويا والذرة.
كما يتضمن التعاون دمج تقنيات نظم المعلومات للتحكم في الري الذكي وقياس الرطوبة، ومواجهة مشكلات ندرة المياه، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة في استصلاح الأراضي الصحراوية.
وتشمل مجالات التعاون المستقبلية كذلك تطوير نظم الري الحقلية لترشيد استهلاك المياه، وتطوير برامج التنبؤ الزراعي في مواجهة تغير المناخ، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد وبحوث التربة والمياه.
الأمن الغذائي.. منظومة تبدأ من التقاوي ولا تنتهي عند الحصاد
وتتجاوز الشراكة المصرية الصينية مرحلة زيادة الإنتاج الزراعي لتشمل مختلف حلقات منظومة الأمن الغذائي، بدءًا من تطوير أصناف المحاصيل الاستراتيجية، مرورًا بمستلزمات الإنتاج والتخزين، ووصولًا إلى التصنيع وسلاسل الإمداد والتصدير.
وفي هذا الإطار، نجحت الشركات الصينية في تنفيذ مشروع صوامع لتخزين الحبوب لصالح مشروعات كبرى، بالاعتماد على تكنولوجيا متطورة تستهدف تقليل الفاقد وتأمين الاحتياطي الاستراتيجي.
كما عقدت وزارة الزراعة مباحثات رفيعة المستوى مع هيئة «إيكاما» الصينية لتوطين صناعة آلات الزراعة المتطورة والمبيدات عالية الجودة محليًا، بما يسهم في خفض الفاتورة الاستيرادية.
ويمتد التعاون إلى مشروعات الثروة الحيوانية والداجنة وإنتاج الأعلاف، فضلًا عن برامج تدريبية تستهدف تمكين المرأة الريفية اقتصاديًا من خلال تزويدها بالخبرات الخاصة بالرعاية والإنتاج الداجني المستدام.
سلامة الغذاء.. شرط أساسي لتعزيز التجارة الزراعية
مع توسع حركة التجارة الزراعية بين مصر والصين، برزت سلامة الغذاء وتحليل الملوثات كأحد محاور التعاون البحثي المهمة.
ويستقبل المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية وفودًا صينية بصورة منتظمة، بهدف تطوير تقنيات الكشف عن ملوثات الأغذية وتبادل معايير السلامة الحيوية.
كما تتضمن مذكرات التعاون تبادل التكنولوجيات الحديثة وطرق الفحص المبتكرة لضمان سلامة الغذاء المتداول بين البلدين والموجه إلى التصدير الإقليمي.
وفي هذا السياق، تم توقيع مذكرة تفاهم بين المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية «QCAP» وأكاديمية هوبي للعلوم الزراعية الصينية، لتبادل الخبرات والتكنولوجيات الحديثة في مجال الفحص والتحليل.
الصادرات الزراعية.. السوق الصينية تتسع أمام المنتجات المصرية
يمثل فتح الأسواق الصينية أمام الحاصلات الزراعية المصرية أحد المحاور الرئيسية للتعاون، خاصة مع نجاح مصر في تصدير عدد من المنتجات الزراعية والغذائية إلى السوق الصينية.
وبعد نجاح تصدير الرمان والبلح والفراولة المجمدة، جرى الاتفاق على تذليل العقبات أمام فتح السوق الصينية أمام منتجات مصرية جديدة، يأتي في مقدمتها المانجو..
كما تم توقيع مذكرات تفاهم وبروتوكولات مرتبطة بالنفاذ إلى الأسواق والإجراءات الحجرية والفنية، بما يدعم حركة الحاصلات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية.
وتشمل هذه الجهود كذلك مذكرة تفاهم لتسهيل وتيسير إجراءات تصدير التمور المصرية النصف جافة، في ظل الطلب المتزايد عليها في السوق الآسيوي.
وفي أغسطس 2026، وقعت شركات مصرية عقودًا تصديرية مع مشترين صينيين بلغت قيمتها نحو 168 مليون دولار، وشملت منتجات زراعية وغذائية.
كما استفادت مصر من مبادرة الصين لمنح إعفاءات جمركية كاملة لـ53 دولة إفريقية، والتي بدأت في مايو 2026، وهو ما يسهم في تسهيل تدفق المنتجات الزراعية المصرية إلى الأسواق الصينية.
مصر.. منصة للتعاون الزراعي الصيني الإفريقي
لا تتوقف أهمية التعاون الزراعي المصري الصيني عند حدود التجارة الثنائية، إذ تمتلك مصر فرصة للاستفادة من موقعها وعلاقاتها مع الدول الإفريقية والعربية لتكون نقطة انطلاق للتكنولوجيا والخبرات الزراعية الحديثة إلى المنطقة.
وفي هذا الإطار، وقع مركز بحوث الصحراء المصري بروتوكولًا مع الأكاديمية الصينية للعلوم لإطلاق مكتب إقليمي للمركز الصيني الإفريقي المشترك للأبحاث «SAJOREC» في القاهرة.
ويستهدف هذا التعاون تعزيز نقل تكنولوجيا الاستدامة إلى القارة الإفريقية، بما يفتح المجال أمام توسيع نطاق التعاون في مجالات الزراعة المستدامة ومكافحة التصحر وإدارة الموارد الطبيعية.
ويمثل إنشاء المكتب الإقليمي بالقاهرة أحد أبرز المسارات التي يمكن من خلالها توسيع نطاق الاستفادة من التعاون المصري الصيني، خاصة في الدول الإفريقية التي تواجه تحديات مشابهة فيما يتعلق بالجفاف وندرة المياه وتدهور الأراضي.
التقاوي والمبيدات.. توطين التكنولوجيا بدلًا من استيرادها
من بين الملفات التي تحظى بأهمية خاصة في التعاون المصري الصيني، توطين التكنولوجيا الزراعية ومستلزمات الإنتاج.
وتتضمن مجالات التعاون المقترحة تأسيس شراكات لإنتاج وتطوير أصناف المحاصيل الاستراتيجية عالية الإنتاجية والقادرة على تحمل الإجهادات البيئية، إلى جانب تطوير نظم إدارة وتسجيل ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية.
كما يستهدف التعاون بناء قاعدة صناعية وطنية لإنتاج مبيدات عالية الجودة وفق المعايير الدولية، فضلًا عن توطين صناعة مستلزمات الإنتاج والآلات الزراعية المتطورة.
وفي هذا السياق، تم توقيع اتفاقية تعاون مع معهد «إيكاما» الصيني لتبادل الخبرات والتشريعات الخاصة بإدارة ومراقبة مبيدات الآفات الزراعية، والتمهيد لشراكات استثمارية صناعية تستهدف بناء قاعدة إنتاج محلي للمبيدات والأسمدة الحيوية الصديقة للبيئة في مصر.
مؤسسات صينية تدعم الشراكة الزراعية
وتشارك مجموعة من المؤسسات والهيئات الصينية في مجالات التعاون الزراعي والبحثي والتكنولوجي مع مصر.
وتأتي هيئة «إيكاما» الصينية، المعنية بمراقبة وقاية النباتات والتحكم في مبيدات الآفات، ضمن الجهات التي تتعاون مع وزارة الزراعة المصرية في مجالات تسجيل وتصنيع المبيدات ونقل التكنولوجيا.
كما تتولى وزارة الزراعة والشؤون الريفية الصينية التنسيق الحكومي المباشر ورسم خطط التعاون الزراعي المشترك، التي تشمل مجالات متعددة من بينها مكافحة التصحر والزراعة العضوية وتبادل الخبرات.
وتشارك الأكاديمية الصينية للعلوم «CAS» من خلال هيئاتها التابعة، ومن بينها حديقة ووهان النباتية والمركز البحثي الصيني الإفريقي المشترك «SAJOREC».
كما تتعاون الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية «CAAS» مع الهيئة القومية للاستشعار من بعد وعلوم الفضاء في مصر لتأسيس مختبر مشترك للزراعة الذكية، يركز على استخدام تطبيقات الفضاء في مواجهة تغير المناخ وإدارة الموارد المائية وزراعة المحاصيل المتحملة للملوحة.
وتتضمن قائمة الجهات المتعاونة كذلك أكاديمية هوبي للعلوم والمعلومات التكنولوجية، وجامعة نانجينغ للعلوم البيئية وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه، ومركز أبحاث الزراعة البيئية والجغرافية بشمال شرق الصين، الذي يركز على تطوير المحاصيل الاستراتيجية المقاومة للجفاف.
الشركات الصينية.. ذراع للاستثمار والتصنيع الزراعي
ولا يقتصر التعاون على المؤسسات الحكومية والبحثية، بل يمتد إلى الشركات الصينية العاملة في مجالات الهندسة الزراعية والتخزين واللوجستيات.
وتبرز شركة «فامسون» الصينية «FAMSUN» ضمن الشركات العاملة في مصر بمجال الهندسة الزراعية، حيث ضخت استثمارات بقيمة 100 مليون دولار لإنشاء مصنع للمعدات والآلات الزراعية وصوامع الأعلاف، إلى جانب شراكتها مع جهاز «مستقبل مصر» لبناء مجمع صوامع لتخزين الحبوب بسعة 500 ألف طن.
كما تلعب شركة «تيدا» الصينية «TEDA» دورًا لوجستيًا وصناعيًا من خلال منطقتها الاقتصادية في قناة السويس، حيث تستقطب الشركات الصينية المتخصصة في التصنيع الغذائي وسلاسل التوريد الزراعية والتعبئة والتغليف.
وتبرز كذلك شركة «تشاينا ريل واي» «China Railway» ضمن الشركات التي تبحث تنفيذ مشروعات استثمارية زراعية كبرى في مصر، من بينها إنتاج تقاوي المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والبطاطس وفول الصويا.
ماذا بعد؟.. التعاون يتجه إلى مرحلة أكثر تكاملًا
تكشف محاور التعاون الحالية والمستقبلية بين مصر والصين عن اتجاه نحو بناء شراكة أكثر تكاملًا، تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا والاستثمار والإنتاج والتصنيع والتصدير.
وتشمل خطة التعاون المستقبلية مجالات التكنولوجيا الزراعية والزراعة الذكية، واستخدام تقنيات المعلومات للتحكم في الري والرطوبة ودرجات الحرارة، وتطوير نظم الري الحقلية، وبرامج التنبؤ الزراعي في مواجهة تغير المناخ.
كما تمتد إلى الابتكار وسلامة الغذاء وتحليل الملوثات، والعلوم البيئية وكيمياء الملوثات ومعالجة المياه، وبحوث التربة والمياه والاستشعار عن بعد، ودمج التقنيات الذكية في استصلاح الأراضي.
ويأتي الاستثمار في الكوادر البشرية ضمن المحاور المهمة أيضًا، من خلال تنفيذ برامج تدريبية متخصصة ونقل المعارف الحديثة للارتقاء بمنظومة الزراعة الحديثة، إلى جانب التعاون في التصنيع المرتبط بالأنشطة الزراعية وسلاسل الإمداد والتصدير.
شراكة يمكن أن تتجاوز حدود البلدين
في ظل هذه المحاور المتعددة، تبدو الشراكة المصرية الصينية في المجال الزراعي أمام فرصة للانتقال إلى مستوى أكثر تأثيرًا، يقوم على التكامل بين التكنولوجيا الصينية والخبرات والإمكانات المصرية.
فالأمن الغذائي لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج، وإنما أصبح مرتبطًا بمنظومة تبدأ من التقاوي والأبحاث، مرورًا بكفاءة استخدام المياه ومواجهة التغيرات المناخية، ثم التصنيع والتخزين وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى القدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
ومن هنا، فإن توسيع التعاون المصري الصيني في هذه المجالات يمكن أن يمنح مصر أدوات جديدة لتعزيز أمنها الغذائي، وفي الوقت نفسه يفتح أمامها مجالًا للاضطلاع بدور إقليمي في نقل التكنولوجيا والخبرات الزراعية إلى الدول العربية والإفريقية.
وبينما تستعد الشراكة لمزيد من التوسع في البحث العلمي والزراعة الذكية وتوطين مستلزمات الإنتاج والتصنيع والتصدير، يبقى التحدي الرئيسي هو تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وبرامج التعاون إلى مشروعات تطبيقية مستدامة، تحقق قيمة مضافة حقيقية للقطاع الزراعي وتدعم الأمن الغذائي على المستوى المحلي والإقليمي.